بعد انفصالِ بيكهيون عن هانيا إثرَ خيانتها له، قرّرت أن تغادر البلاد، هاربةً من الذكريات، باحثةً عن بدايةٍ جديدة تطفئ بها رماد الماضي؛ فكان اختيارها مدينة لندن في المملكة المتحدة.
ورغم انشغال هانيا بدراستها، لم تستطع يومًا أن تنساه. ولم يكن ذلك أمرًا مفاجئًا لها؛ فهي كانت تعلم، في أعماقها، أنّ بعض الأخطاء لا يُمحى أثرها، وأنّ بعض الأشخاص لا يغادرون القلب وإن غابوا عن العمر.
فهي لم تكن يومًا المظلومة، بل كانت الظالمة.
لقد جرحته، بينما كان هو مستعدًّا أن يُحرق أصابعَه العشر نورًا في سبيلها، وأن يجعل من نفسه قربانًا لحبّها دون تردّد.
وبعد مرور ثماني سنوات، أدركت أنّ الهروب لا يمحو ذنبًا، ولا يداوي ندماً، ولا يغيّر ما كُتب في صفحات الأمس. فقرّرت أخيرًا ألّا تظلّ سجينة خطأٍ ارتكبته في نزق الشباب وطيش القلب.
هي الآن امرأةٌ ناضجة، قادرةٌ على مواجهة عواقب أفعالها مهما كانت قاسية، ومستعدّة لأن تدفع ثمن ما اقترفت بيديها. فهي وحدها المسؤولة عمّا حدث، ولا أحد سواها.
فهل سيمنحها بيكهيون فرصةً للغفران؟
أم ستشتعل بينهما حربٌ ثالثة، لا غالب فيها ولا منتصر؟
2025/11/8
"نرجو من جميع السادة الركاب التكرّم بربط أحزمة الأمان، استعدادًا لهبوط الطائرة.
نكرر رجاءنا إلى جميع الركاب بضرورة ربط أحزمة الأمان، إيذانًا ببدء إجراءات الهبوط."
11:45
"رائحةُ البلاد... كم اشتقتُ إلى هذه الرائحة المُذـ
لم تُكمل عبارتها، إذ باغتها فتىً صغير بحجرٍ أصاب مؤخرتها.
"ابتعدي أيتها العجوز القبيحة عن طريقي!"
أطفالُ هذه الأيام... ما أشدّ تهذيبهم!
ابتعدت بهدوء، ثم استدارت رافعةً إصبعها في وجهه وأردفت بحدّه.
"تأدّب يا فتى، فلو كنتُ متزوّجةً لأنجبتُ ولدًا في مثل عمرك... بل أكبر!"
أدار الصبيّ عينيه بسخرية.
"لا يهمّني، أيتها العانس، أبعدي إصبعك عن وجهي قبل أن أقطعه!"
"عانس؟؟؟ عانس أيها الوغد، سأريك الـ-
لكنّه دفعها بكتفه ومضى في طريقه غير آبهٍ بصراخها المتعالي خلفه.
21:30
كانت تسير في هدوء، تتأمّل المناظر المحيطة بها. ليلةٌ ساكنة في أوّل يومٍ لها في كوريا. وكانت تخشى دائمًا أن تنطق بجملة: ليلة هادئة، لأن المصائب كثيرًا ما تأتي بعدها مباشرة...
"هانيا!!!"
تجمّدت خطواتها.
صوتٌ تحفظه جيدًا... بل أصوات.
ضحكت بسخرية وهي تهمس لنفسها كالمجنونة.
"بالتأكيد أتوهّم، صحيح؟ يا إلهي، يبدو أنّ كثرة الجلوس مع المرضى قد أفقدتني صوابي... نعم، أنا أتوهّم لا أكثر."
أسرعت في سيرها، لكنها لم تُكمل طريقها، إذ امتدّت يدٌ أوقفتها.
"أنتِ هانيا، أليس كذلك؟؟"
استدارت ببطء، تتمنى في أعماقها ألّا يكون هو...
تبًّا... إنّه هو فعلًا.
"سحقًا، أنتِ حقًا هانيا! اشتقتُ إليكِ... بل نحن جميعًا اشتقنا لكِ!"
"أوه... مرحبًا، تشان."
قالتها وهي تنظر إلى الواقفين خلفه، ثم اصطدمت عيناها بمن كانت ترجو ألّا تراه في أول يومٍ لها في البلاد.
راح الجميع يرحّب بها بحرارة، غير أنّها لم تشعر إلا بطاقةٍ سوداء تحاصرها من جهةٍ واحدة...
نظراته القاتلة تدفنها.
و... ما هذا؟
فتاةٌ تتشبث بذراعه.
أيمكن... أن تكون حبيبته؟
لا تدري ما الذي أصابها. كانت تظن أنّه صفحةٌ طُويت وانتهت، فإذا بجسدها يتصلّب، ولسانها يثقل، فلا تقوى إلا على توزيع ابتساماتٍ باهتة.
فهي تشتاق إليه اشتياقَ الروحِ لما فُقد منها، وهي حمقاءُ إذ أنكرت ذلك، وجبانةٌ إذ فرّت من مواجهته، ونادمةٌ لأنّها أدركت الحقيقة بعد فوات أوانها.
تريده مرّةً أخرى، لا رغبةً عابرة، بل حاجةً تستوطن أعماقها، وقد عقدت في سريرتها عهدًا لا رجعة فيه.
أنّها ستسترده، مهما استعصى، ومهما كلّفها الأمر.
مُقَدِّمَة-⁰
خطأ/mistake · بقلم Cezra🍂