NOVELFLEX

وُقاحَة؟-²

خطأ/mistake · بقلم Cezra🍂

لم يكن يشغل تفكيره سوى تلك البويضة التي عادت لتقتحم حياته بعد غيابٍ دام ثماني سنوات. ظلّ يسأل نفسه بإلحاح: لِمَ عادت؟ ولِمَ الآن تحديدًا؟ وكأن الزمن اختار أكثر لحظاته اضطرابًا ليقذفها أمامه من جديد.

جلس في شرفته يحتسي كوبًا من القهوة علّه يعدّل مزاجه المعتلّ، بينما يراقب الأطفال في طريقهم إلى المدرسة، يملؤون الصباح ضجيجًا وحركة. وفي كل مرة تقع عيناه عليهم، كان يدرك كم يكرههم.

تنهد بضيق، ثم غادر الشرفة متجهًا إلى الحمّام ليستحم، ويرتدي ملابسه الرياضية، ويمارس بعض التمارين قبل أن يأتي من سيسلّمه أعماله الجديدة.







...








على النقيض تمامًا، كان صباحها مشرقًا مفعمًا بالحيوية. فقد رأت حلمًا جميلًا ليلًا، وما زالت تفكر في تنفيذه لاحقًا. كانت تعشق تلك الأحلام المفاجئة التي تهبط عليها كفرصٍ ذهبية، وتمنحها أوهامًا جميلة تجعلها تظن أن وسائل التواصل الاجتماعي ستتحدث عنها أيامًا... وإن كانت تبالغ، كعادتها.

قفزت من فوق السرير وهي تؤدي رقصة نصرٍ سخيفة، ثم اندفعت نحو الحمّام. بدأت تستحم وهي تغني بصوتٍ مرتفع وترقص بلا اكتراث، حتى سمعت طرقاتٍ على باب غرفتها في الفندق. توقعت أنه أحد العاملين جاء يطلب منها الهدوء، لكنها قررت مسبقًا ألّا ترد، فهي لن تهدأ... لا اليوم، ولا قريبًا.

انتهت بعد عشرين دقيقة وخمسٍ وعشرين ثانية. ارتدت قميصًا أصفر ضيقًا قليلًا يكشف جزءًا من بطنها، بأكمام قصيرة لا تستر ذراعيها كاملتين، تتخلله أزرار للزينة، ومعه بنطال جينز فاتح يلتف على ساقيها بإحكام.

وقفت أمام المرآة تصفف شعرها، رفعت يدها تلقائيًا لتربطه، ثم توقفت فجأة وحدقت في انعكاسها طويلًا، قبل أن تتركه ينسدل على كتفيها بحرية.

ارتدت قلادتها المفضلة، ووضعت أحمر شفاه وماسكارا، وكادت تضع عدساتها البنية كالمعتاد، لكنها عدلت عن الفكرة. اليوم ستُظهر لون عينيها الزمردي كما. فهي ليست قبيحة إلى هذا الحد لتخفيها... أليس كذلك؟

شرعت في ترتيب أغراضها داخل حقيبة السفر مرة أخرى، ثم قررت أن تستقر في شقة بدلًا من الفندق، بعدما وجدت مكانًا أنيقًا يناسب احتياجاتها. ستستأجره مؤقتًا، ريثما تعود للعمل وتشتري منزلًا خاصًا بها. فقد كانت على وشك الإفلاس بفضل ذلك الفندق الفاخر الذي تقيم فيه.

أغلقت الحقيبة أخيرًا، ثم حاولت حملها، لكنها كانت ثقيلة حدًّا جعلها تجرّها جرًّا وكأنها في نزال مصارعة سومو.

بعد عناء، وصلت إلى قاعة الاستقبال، دفعت الحساب، واستقلت سيارة أجرة نحو شقتها الجديدة.

كانت قد قضت الليل كله تبحث عن مكانٍ مناسب، لعلها تنسى بيكهيون قليلًا. لم تعد تريد أن تبقى سجينة الماضي، بل أن تركّز على نفسها... وعلى عملها فقط.

شعرت براحة غريبة. لأول مرة شعرت أنها أصبحت امرأة ناضجة، تفكر بعقلها لا بما سواه.

وبعد عشرين دقيقة وعشرين ثانية، وصلت إلى المبنى الذي تقع فيه الشقة. نزلت من السيارة بعد أن دفعت الأجرة، لكن توترًا مبهمًا تسلل إلى صدرها. لم تكن تعرف سببه، غير أنها لم تشعر بالارتياح.

ومع ذلك، لم يكن بوسعها البقاء في الفندق أكثر؛ فذلك ترفٌ باهظ لعاطلةٍ مثلها.

استعملت المصعد، فالشقة تقع في الطابق الرابع والأربعين. وخلال صعودها، انشغل عقلها بسيناريو مرعب: ماذا لو انقطعت الكهرباء يومًا؟ هل ستضطر لصعود أربعة وأربعين طابقًا على قدميها؟!

كادت تصرخ لمجرد تخيل الأمر، لكن أفكارها انقطعت حين توقف المصعد في الطابق المنشود.

سحبت حقيبتها بإرهاق، ووقفت أمام الشقة. بدا الباب أنيقًا؛ رمادي اللون تتخلله خطوط سوداء منتظمة. فخم أكثر مما يليق بشخصٍ متواضع مثلها.

تنفست بعمق، ثم وضعت إصبعها على الجرس. كان مالك الشقة ينتظرها ليسلّمها المفتاح. ضغطت عليه، وانتشر صوته في الأرجاء. انتظرت قليلًا، واقفةً كسيدة مهذبة، فالانطباع الأول مهم.

وحين طال الانتظار، قررت أن تُزيح السيدة المهذبة جانبًا.

فرّقت أصابعها وبدأت تطرق الباب بعنف، وكأنها جاءت لتحطّمه لا لتستأذن. وبعد لحظات، سمعت صوتًا يصرخ من الداخل بــ'قادم'

فتوقفت فورًا، وعدلت وقفتها، وعادت لتقمص دور المرأة المهذبة من جديد. فالانطباع الأول مهم.

فُتح الباب.

وظهر أمامها رجل طويل القامة بالنسبة لها، عريض الكتفين، أسود الشعر، بعينين بنيتين قاتمتين تتقدان غضبًا... وتفتنانها في كل مرة تراهما.

ابتسمت فورًا وأردفت بمرح.
"Hi babe! Did you miss me? Of course you did!"

ثم همّت بالدخول، لكن يده امتدت بسرعة، أمسكها من ياقة قميصها، وأعادها إلى عتبة الباب كما تُعاد طفلة مشاغبة.

"ماذا تفعلين هنا؟"
أردف بنبرةٍ بارده لتبتسم أكثر.

"Didn't I tell you, babe?"

قطب حاجبيه وأردف ساخرًا.
"لا تتحدثي وكأنك من لندن الآن. الجميع يعرف أنك قروية. سألتك سؤالًا، وأريد جوابًا، ماذا تفعلين هنا؟"

ضحكت بخفة.
"ما زلت مملًّا أيها العجوز، لم تتغير أبدًا-

"حين أسأل سؤالًا... أجيبي!"
قاطعها بصوتٍ مرتفع نفد فيه صبره.

لترفع يديها باستسلام مصطنع.
"Calm down, babe!
سأخبرك الآن، لا داعي للصراخ."

تنهد بعدم صبر، فهذه المرأة كانت آخر قطرةٍ تستهلك ما تبقى من احتماله المحدود.

لتردف وهي تشير لنفسها.
"أنت تعلم أنني انتقلت حديثًا إلى هنا، صحيح؟"

ثم صمتت لحظة منتظرة تفاعلًا، لكنه ظل يحدق بها كتمثال بومة، وهالة سوداء تكاد تتصاعد من حوله. فتحمحت وقررت المتابعة دون انتظار.

"حسنًا... ليس لدي مكان أقيم فيه، وإن بقيت في الفندق فسيكون ذلك خطرًا على فتاة جميلة مثلي، لذلك قررت أن-

"لا."
قالها ببرود، ثم دفعها بعيدًا عن الباب بقوة جعلتها تسقط أرضًا، وأغلق الباب في وجهها قبل أن تكمل حديثها.

صرخت وهي تنهض.
"بيكهيون! بيكهيون، افتح الباب ودعني أتحدث!"
طرقت الباب بعنف، لكن لا حياة لمن تنادي.

زفرت غاضبة، وتمتمت بــ'فاسق' ثم ركلت الباب بقدمها، لتتأوه بعدها من الألم.

جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى باب شقته. وضعت يديها على وجهها، وانفجرت بالبكاء.

لم تبكِ لأنه رفض إدخالها، بل لأنها أذلّت نفسها أمامه.

في نظرها، كانت تستحق ذلك. فهي المخطئة، وهي من جرحته أولًا. ولكن...

هل تلتئم الجروح حقًّا؟

أم تبقى بصمتها واضحة مهما مر الزمن؟

هل تصبح جزءًا من الماضي، أم تظل أثرًا غائرًا في الذاكرة، شاهدًا أبديًا على الألم؟

وهل تختفي ندبة جرحٍ قديم؟

أم تلازم صاحبها... حتى مماته؟








....








نهاية الفصل الثاني ♡

أتمنى أن ينال ما كتبت إعجابكم، وأنتظر ملاحظاتكم حول أي أخطاء إملائية أو نحوية إن وُجدت ♡