دبت الحركة بأرجاء المزرعة عند انسلال أول خيط للشمس في السماء الكحلاء. تجعدت أسارير الصهباء على إثر أصوات العمال ودوابهم، فأنّت بتبرم من نشاط المزرعة المبكر. تبرمت بضجر ثم استسلمت للأمر الواقع، إذ جلست على سريرها وهي خائبة، بينما أن عينيها الناعستين محجوبتان خلف خصلات شعرها الحمراء المبعثرة. تمردت من مضجعها وهي تجر ساقيها بخطوات كسلة نحو الباب. غدت تتثاءب حتى تأرضت غرفة المعيشة. فتحت عيناها وأدركت بأن الرجل الجالس على الأريكة رجل لا يجدر بها رؤيته، الدون ألونسو آرانجو، الرجل الأندلسي الذي اتخذت منه عدوًا بأول يوم لها في مورون ديلا فرونتيرا. كان يشحّذ قطعة الخشب بسكينه الحادة.
«لم أركِ في البارحة، ظننتكِ قضيتِ الليلة في الخارج».
اصطك فكّاها بغضب ثم ردّت بثقة هائلة: «أجل، قضيتها في الخارج، وحظيتُ بصحبة جيدة».
«حقًا؟ أهالي مورون ديلا فرونتيرا لا يجيدون استقبال الغرباء».
«لم لم تغادر بالأمس؟ أنت بالفعل تمتلك أرضًا خاصة بك، ومنزلًا لا شك بكونه فارهًا» قالت بهدوء وهي ما تزال تسلط نظرها المنزعج عليه.
توقف ألونسو عن شحذ قطعة الخشب ثم برح مجلسه، واقترب قليلًا وناولها صنع يديه: «إنه منزلي الثاني، ويحق لي المكوث فيه قدر ما أشاء. أم إن الابنة الروحية همت بالسيطرة على المنزل وتحاول طردي منه علنًا الآن؟».
بعدئذٍ غادرها، وكاساندرا غدت ترّشقه بنبال غيظها، ثم أعادت بصرها للحصان الذي صنعه من قطعة الخشب تلك، كان عملًا يدويًا جميلًا ومتقن الصنع.
جهّزت فالنتينا مائدة الفطور، فجلس كلٌ من الدون فالفيردي والدون آرانجو لتناول الطعام، فيما تخلفت كاساندرا عنهما قليلًا. عمّ الصمت في المكان، فالثلاثة يتناولون طعامهم بهدوء، ولكن ها قد باح الدون فالفيردي بما كُنّ في خلده: «كاساندرا، سترافقين ألونسو إلى فويرا- آرانجو، هذا إن حسمتِ قراركِ بالطبع».
وضعت كاساندرا الملعقة في الطبق ثم تنهدت، وأشاحت بوجهها جانبًا عن ألونسو: «سألبي طلبك».
«لكنني لم أوافق بعد» علّق ألونسو وهو ينظف شفتيه بالمنديل، فاتكأ من بعد ذلك على مسند الكرسي وهو يحدق بكاساندرا الحانقة. لقد سمعت كاساندرا من فالنتينا صباح اليوم بأن سانتياغو وألونسو قد حظيا بحديث مطوّل في الأمس حولها، وقد انتهى باقتناع ألونسو وتلبيته لطلب عرّابها، ولكن على ما يبدو لها الآن، هو ما زال يكابر. أن يرفضها هكذا في حين أنها صارعت كبريائها وسحقته، لهو أمر حطّ من قدرها وجعل من ثورتها تكاد أن تقوم مجددًا ضده، لقد اكتفت من رؤية كمية الإهانة المكنونة بنظراته. عيناها الخضراوان مسلّطتان عليه بشكل يدعوه إلى مبادلتها النظرات المتقدة، ولولا سعال العرّاب المكثف، لما تم إحباطها. هرع ألونسو إلى مناولته كأسًا من الماء، فيما كانت كاساندرا على يسراه تتفقده بقلق.
«أنا بخير، لا تخافا» تمتم ثم استنشق كمًا من الهواء واستراح على المسند.
«سأدربها، فقط لا ترهق نفسك سانتياغو» استسلم ألونسو بسهولة وهو يعتصر كتف زوج أمه الراحلة، فلطالما اعتبره ألونسو بمثابة أبٍ له يعتني به ويطمئن عليه دومًا.
«هيا خذ كاساندرا وغادرا ولا تقلقا علي، ستعتني بي فالنتينا» أفصح سانتياغو وهو يبتسم، كان ممسكًا بيديهما ويمسد عليهما بلطف.
تنهد ألونسو بقلة حيلة، ثم نظر لكاساندرا ناطقًا بابتسامة متكلفة: «فلنذهب آنسة بيريز».
قامت بمبادلته الابتسامة المتصنعة، ثم تبعته حتى سايرته بالخطوات.
«انتظرني حتى أغيّر ملابسي» قالت وهي تراقبه وكأنها تتصيده أن يرفض.
أخفض بصره معاينًا ما ترتديه حتى أخمص قدميها، كانت ترتدي تنورة قصيرة فيروزية اللون، وقميص قصير الأكمام: «استغرقي من الوقت ما تشائين، سأكون بانتظارك في الخارج».
أومأت ثم عادت للداخل، وفي غرفتها انتقت ثيابًا تناسب دار الفروسية، فوقع اختيارها على بنطال نيلي وقميص طويل الأكمام ذو لون سماوي. بعد أن انتهت خرجت من المنزل، وتمشت في الطريق الملتوي المؤدي إلى بوابة المزرعة، وهناك وجدت ألونسو ممتطيًا جواده الأدهم، كان ينتظرها فعلًا كما وعد. اقتربت منه ومدت يدها كي يجعلها تمتطي صهوة جواده، إلا أن فمه الكبير القاسي قد احتلته ابتسامة متهكمة، كانت ابتسامته خاطفة مثل سرعة جواده التي جعلت شعرها يتطاير على وجهها. على إثر ذلك، هسهست بشتائم من لغتها الأم وضربت الأرض بحذاءها بسخط. شدّ ألونسو اللجام وأوقف حصانه بعد أن صار بعيدًا عن كاساندرا، فالتف به صوب الأخيرة وأجهر كي تسمعه بوضوح: «استغرقي ما تشائين من الوقت آنسة بيريز!».
سيطرت على حنقها وصارعت نفسها كيلا تشتمه بعلانية، ولكنها لم تستطع كبت شعورها كاملًا، فأظهرته من خلال خطواتها الغاضبة. ولأن عقلها كان بعيدًا عنها كبعد ألونسو الذي يمتطي حصانه براحة، رسخت قدمها ببركة وحل فأُسفر الطين على طرف بنطالها. صارت تعاين قدمها بصدمة، فما ظلت كذلك حتى أطلقت صرخات الضجر والتذمر. سمعها ألونسو فالتفت إليها للمرة الثانية وضيّق عينيه كي يستطيع إبصار ما جرى لها، فضحك بخفة وانطلق صوبها حتى بلغها، لقد وجدها ترثي نفسها بلغتها الأم.
«إذًا يا آنسة بيريز، هل ستقبلين المواصلة برفقتي؟ أي التدرب ليل نهار حتى إدراك الموت» تحدث وهو يدلك رأس حصانه ويعبث بشعره بينما أن عينيه السوداوين مقامتان عليها.
«لست من يمنعني عن التدريب!» لم تمتنع عن الصراخ بوجهه بخشونة. أولته ظهرها وغدت تسير عائدةً بسخط إلى لاغوس فالفيردي.
«إلى أين يا آنسة بيريز؟».
«إلى الجحيم! لن أذهب إلى الدار بملابس متسخة!» صرخت بصوت جهور وهي تواصل الدعس على الأرض بقوة، فسايرها ألونسو وهو يترقب ثورتها التي عكست فوران دمها اللاتيني.
« اركبي على الحصان يا آنسة».
«على جثتي!».
بشكل مفاجئ، قام باختطافها من الأرض وأجلسها على صهوة الحصان أمامه بساقين مرصوفتين على جهة واحدة كآنسة نبيلة: «لقد أصبحتِ تلميذتي يا آنسة بيريز، يجب عليكِ الانصياع لكل ما أشير فيه وآمر».
«أنزلني حالًا».
أبت الركوب والذهاب برفقته بحال كهذا، فقبضت على قميصه بقوة وجرته وهي تحدق بعينيه السوداوين القريبتين بإصرار، ثم هسهست: «قلت لك أنزلني!».
«صرنا بعيدين عن لاغوس فالفيردي، هل أنزلكِ هنا يا ترى؟» تساءل بطريقة أثارت حفيظتها، ولأنها حنقت أكثر، جرّت قميصه فخلعت زرًا من أزراره، وبعد ذلك أبصرت تقلبه بيدها ثم طيرانه في الهواء إثر سرعة الحصان، ظلت تحدق بقميصه المفتوح بارتباك، صارت لا تدري كيف ستلملم أطرافه وتحمي نفسها من هذا الموقف المحرج.
شدّ ألونسو اللجام عند بوابة مزرعة فويرا- آرانجو، ثم قطب حاجبيه وهو يعاين قميصه الذي صار كالباب المفتوح وهمس بإسبانية لم تفهمها قط. أبعدت كاساندرا مبصريها بارتباك ودفعته بقوة فكادت أن تهوي للأسفل لولا تمسك ألونسو بها. بعد ذلك طلبت منه إنزالها هذه المرة بأدب، فأنزلها بهدوء بينما ظل ماثلًا على صهوة الحصان.
«انتظري، إلى أين تحسبين نفسكِ ذاهبة؟ لقد خلعتِ زري ونزعتِ طلة قميصي» احتج وهو يخلفها على ظهر جواده.
التفتت إليه وسجنت خصلة شعرها الأحمر خلف أذنها وهي تجهر:
«وجوده كعدمه أيها الدون آرانجو».
«خوان، قم باصطحابها إليّ ما أن تنتهي» أنبأ شابًا داكن البشرة بأمره، فأذعن الآخر إليه وأخذ حصانه لأنه اتجه إلى المراعي كي يتفقد الخيول. وعلى الضفة الأخرى توقفت كاساندرا عند حنفية ما وفتحتها لغرض تنظيف بنطالها وحذاءها الملوثين. تنهدت الصهباء واستمرت بتنظيف الحذاء، ولم تستطع منع عينيها الفضوليتين من استراق النظر للعمال وهم يتحركون بالأرجاء وينقلون القش، كان البعض منهم يحدق بها بنظرات أربكتها.
وقتئذٍ كانت الضجة عارمة في المكان؛ فالرجل الذي يجاور الشاحنة ينادي على العمال بجهورية ويلقي بالملاحظات عليهم.
«سيلفانوس! كم مرة أخبرتك بألا تدخن وأنت على مقربة من القش!» أنبأ الرجل صارخًا في الرجل الشاب، فنظرت كاساندرا إليه وأبصرت ظهر الموبخ العاري، كان يرتدي قبعة سوداء تخص رعاة البقر وهو متجردٌ من قميصه، كان يحمل مربعين من القش على كتفه.
«سيلفانوس! كم مرة أخبرتك بألا تدخن وأنت على مقربة من القش!» أنبأ الرجل صارخًا. نظرت كاساندرا إليه وأبصرت ظهر الشاب الموّبخ العاري، كان يرتدي قبعة سوداء تخص رعاة البقر وهو متجردٌ من قميصه، ويحمل مربعين من القش على كتفه. بزق السيجارة ودعسها بنعله على الأرض، ثم التفت كي ينقل القش مجددًا. وقعت عيناه الزرقاوان بعينيها، ولكنه سرعان ما أشاح بصره عنها وتجاهلها وكأنه لم يرها من الأساس.
«هل تجاهلني للتو؟» سخرت كاساندرا بالإنجليزية. رأت أن جميع رجال مورون ديلا فرونتيرا يكابرون ويأنفون الاختلاط مع الغرباء، استثنت سانتياغو من معتقدها هذا، فهو يكون عرابها ويحبها بكل جوارحه، كما وأنها لم تشمل لورينزو كذلك، فعلى حسب ما عرفته من فالنتينا، هو من مواليد مدريد وليس من هذه المدينة.
«قدني إلى الدون آرانجو من فضلك» أغلقت الحنفية واستقامت وهي تنظر إلى الشاب خوان. أذعن إليها وقادها وراءه، إن خوان يحمل في جعبته تساؤلات غير متناهية كالتي تدور في نفوس باقي العمال، إن الدخيلة الأجنبية التي أمر الدون آرانجو بطردها من أرض فويرا- آرانجو، أصبحت تخطو هذه الأرض مجددًا، وبأمر من الدون ذات نفسه، بدا لهم الأمر مريبًا جدًا.
«أنتِ هنا» قال ألونسو فور أن بلغته برفقة خوان، فأغلق الدفتر وناوله له آمرًا إياه بالمغادرة. كان ألونسو واقفًا عند تمثال الحصان الذي يقع في مقدمة المزرعة.
«بما أنك من المبتدئين، فيجب عليكِ امتطاء نموذجًا خشبيًا لظهر الحصان، ولكن للأسف، الحمولة لم تصلنا حتى الآن» كان يتكتف بحيث أن ساعديه بدوا هائلا الضخامة.
«ماذا تقصد؟» ضيّقت عينيها الخضراوين بشك.
«أن تمتطيه وتتدربي عليه».
اخترقت أذنيه ضحكة صاخبة: «هل تريد مني أن أمتطي هذا التمثال؟».
«لسوء الحظ أجل، فأنا أمقت التأخر بتدريب تلاميذي، وإن أعاقنا أكبر معرقل» أجهر بصرامة ووضوح.
اهتز بدن كاساندرا باستنكار وانفعال: «أنت مجنون! لن أفعل!».
«لا بأس، سأعتبر هذا رفضًا للتدريب، سيقتنع سانتياغو برغباتك» قال وهو ينفض كتفيه، فسخطت الأخرى وكظمت غيظها قدر الإمكان، أدركت أنه يتلاعب بها ويضيق عليها الخناق كي تجزع منه وترفض التدرب تحت يده، ولكنها أقسمت بأنها ستبقى علةً على قلبه، ستحبط كل ما يفعله.
«لربما أنت مجنون فعلًا، ضع فكرة إنني أجن منك بنصب عينيك يا آرانجو» تحدته وتقدمت باتجاه التمثال.
اتبعها ألونسو بخطوات متريّثة وضرب الإبهام والوسطى، فجُعل السرج بين يديه بفعل أحد العمال: «من الأفضل مناداتي بالمدرب من الآن وصاعدًا».
ناولها السرج قائلًا: «تعلمي كيفية ضبطه بالصورة الصحيحة».
كان يراقبها تتبع الخطوات التي أملاها عليها توًا، فهز رأسه بإيماءة بسيطة متمتمًا: «لا بأس بها».
«والآن!» أفصحت وهي تطبطب على السرج الذي يعتلي ظهر التمثال.
تلمس ألونسو الحزام الذي يحيط بطنه ثم علّق: «حين تضيقين الخناق على الحصان لن يشعر بالراحة، أرخيه قليلًا».
«إنه تمثال ولا يمتلك شعورًا» سخرت على ما قاله، ثم نفذت ملاحظته حول الإرخاء.
«حين تسرجين حصانًا حقيقيًا وتنالين رفسة بمعدتك، ستدركين بأن الأمر سيّان» نطق فامتعضت أساريرها.
اقترب من التمثال أكثر فأكثر ثم أمسك اللجام واضعًا يده بمقربة من السرج، ثم حشر قدمه بالركاب على رويدة مُعلمًا إياها بالخطوات قليلًا فقليلًا، فاعترضت قائلةً: «إنني بالفعل أعرف كيفية امتطاءه».
«حقًا؟ إذًا هيا أريني» نزل بعد أن كان موشكًا على ركوبه.
اصدرت حمحمة ثم اقتربت وهي ترجع خصلات شعرها للوراء، وقبل أن تضع قدمها بالركاب، أنبأ ألونسو وهو يطبطب على ذيل التمثال: «شعركِ الطويل هذا سيعيقكِ، لذا اربطيه مثل ذيله».
«لا شأن لك بشعري» أفشت بوقاحة ثم ركبت بسرعة وأبانت مظاهر الفخر على محياها، فلم تتلق منه إلا هزّة الرأس الخائبة.
«أثناء التأهب، لا تشدّي اللجام وعند الصعود لا تجعلي رأسك وراء رأس الحصان مباشرة، فإن كان حظكِ عاثرًا ستتلقين نطحة تنزف لك أنفكِ أو لربما تكسره» قال وهو يدور حول التمثال حتى رسخ أمامه مقابلًا لها.
فاسترسل وهو يتراجع بضع خطوات للوراء: «حسنًا، هذا يعد كافيًا كبداية، في الدرس القادم ستسرجين حصانًا حيًا وستركبينه، ستتعلمين كيفية النزول أيضًا».
رمشت عدة مرات وهي تراه يبتعد عنها ويندمج بالحديث مع المدعو بخوان ومع بعض من العمال. أدركت أنه ورطها عمدًا بحركة حقيرة.
«أكثر جزء أمقته بركوب الخيل» تمتمت بحنق ثم استنشقت نفسًا وعمدت إلى رمي قدمها اليمنى، إلا أنها انتفضت بسرعة، فجربت مع اليسرى إلا أنها كانت أيضًا كذلك.
«لربما عيناي تمنعان جسدي من الإقدام بأي حركة» أومأت وهي تقنع نفسها، فأغمضت عينيها ورمت بقدميها ولكنها صرخت، إذ هبط قلبها لمعدتها من شدة الخوف، ولكن بخضم هذه البرهة لم تدرك الأرض، فقد لامست جلدًا بدلًا من العشب، واشتمت رائحة السجائر عوضًا عن رائحة الأتربة، أدركت أنها تتمسك بهيكل بشري الآن.
تفتحت عيناها ببطء وازدردت ريقها؛ إذ أن رأسها ساكن على قلب ينبض بحيوية، فانتفضت بسرعة وتراجعت إلى الوراء بضع خطوات، وكأن الربيع قد حل بوجنتيها، إذ تفتحت الأزهار بهما بسخاء، لقد عانقته توًا وهو عاري الصدر.
«إن طريقتك بالنزول من الخيل غير صحيحة البتة يا آنسة» غمغم سيلفانوس من خلف السيجارة الماكثة بفمه، وصار يفك السرج كي يأخذه للإسطبل.
«إنها طريقتي الخاصة، كما وأنني لم أطلب منك المساعدة بالنزول» كابرت وأبعدت نظرها عنه.
«جئتُ كي آخذ السرج كما طلب الدون آرانجو وليس لإنزالكِ يا آنسة» قال بهدوء وهو يتأبط السرج ثم غادرها بكل بساطة، شعور الإحراج بات يراودها مجددًا، إن سيلفانوس روميرو جعل الأمر يبدو وكأنها قد رمت نفسها عليه، وهذا بحد ذاته يود جعلها تنوي الصراخ. يا له من صباح تعيس، أن تخلع زر قميص سيد المزرعة، ثم ترمي بنفسها على عامله، لهو أمر مثير للإحراج.
رأت أن سيلفانوس هذا أشبه بقطعة من الجليد، إنه لا يبدي أية ردة فعل، سواء أكانت مغتبطة أم ساخطة، فما عانت أساريره من الاغتباط ولا الاكفهرار قط، وإنما اعتادت الفتور.
لقد عرفت من خوان مساعد ألونسو بأن الدرس قد انتهى، إذ وجودها هنا لم يعد له أي داعي، فطرحت سؤالًا آخر عليه تستعلم عن مكان سيده، فأخبرها بأنه مشغول بتدريب تلاميذه في الباحة. اتجهت إلى حيثما يكون ألونسو، فجلست على السياج تراقب التلاميذ الخمسة الذين يمتطون ظهور خيلهم ببراعة. الفناء كان مزودًا بأعمدة تشكل حواجزًا لقفز الخيل، وبينما كان الجميع يتناوب على القفز، كان ألونسو يمتطي جواده ويدور حول الساحة وهو يلقي بملاحظاته على من يفشل أو يتهور.
لاحظ ألونسو كاساندرا تجلس على السياج بعيدًا عنهم، فقاد جواده إليها بخضم تنبيهاته لتلميذه: «هيكتور! تمهّل قليلًا!».
بلغ كاساندرا ثم رصف بجانبها: «أراكِ هنا».
«اطلب من أحد رجالك إعادتي إلى لاغوس فالفيردي، أراهن بأنك تمتلك سيارة فاخرة» قالت وهي تترصد عينيه السوداوين القاسيتين.
قطب حاجبيه قبيل نطقه: «إعادتكِ إلى لاغوس فالفيردي؟ ستمكثين هنا في فويرا- آرانجو من الآن فصاعدًا يا آنسة بيريز».
فويرا- آرانجو
في أرض الغرام · بقلم كاتب NovelFlex