NOVELFLEX

غريبة في غاباته.

في أرض الغرام · بقلم Sarah

كانت تتأرجح في حديقة المنزل وهي تتأمل المروج الخضراء من خلف السور، بمساء الأمس لم تعاتَب أو تؤنب لكونها تهورت بامتطاء حصان غير آمن، وإنما قوبلت بالقلق والخشية من قبل عرّابها سانتياغو. عند تمعنها بهذه المروج في الأفق الفسيح، سرعان ما تُكشّر أسارير وجهها كالقطط؛ فهي ترى إن هذه المروج ممتدة لمزرعة ذلك المتغطرس كما تدعوه. لطالما فكرت في قرارة نفسها وثارت غضبًا كلما تذكرت لحظة استحقاره لها. حزمت كاساندرا على نفسها عدم لقاءه مجددًا مهما حصل.
«آنسة كاساندرا، إن الدون فالفيردي يرغب برؤيتك» اُنتشلت من عالمها الخاص نتيجة اختراق فالنتينا له. نهضت وهي تعدل هندامها المتمثل ببنطال من الجينز الأزرق، وقميص رمادي طويل الأكمام، وكذلك وشاح أحمر من الشيفون. بلغت باب المكتب فطرقته دواليك حتى أذن لها بالدخول، ولجته وجلست على الكرسي المجاور للمكتب. خلع الآخر نظارته وسألها عن إذا كانت بخير بعد حادثة البارحة، أومأت مع ابتسامة خفيفة.
«هل أعاد الحصان؟» استفسرت وهي توّاقة لسماع الجواب.
هزّ الدون فالفيردي رأسه مجيبًا: «أجل لقد أعادوه رجاله فجر اليوم».
«إنه كريه» ذمّت ألونسو بصوت خفيض، ولكن الآخر قد سمعها وقهقه، فتوردت وجنتيها وبررت غلها تجاهه.
-«أنا لم أحببه قط، فهو استحقرني وعاملني بسوء!».
-«لا بأس، أمور كهذه تحصل والجميع يفهم أطباعه بشكل خاطئ».
-«لم تدافع عنه؟».
-«ألونسو؟ في الواقع هو ابن زوجتي المتوفاة، وهو مالك أرض فويرا- آرانجو، تلك المزرعة المجاورة التي كنتِ فيها بالأمس».
سرعان ما تأسفت كاساندرا إليه، وعلى إثر ذلك ضحك سانتياغو بملأ أشداقه: «أنتِ ظريفة للغاية يا كاساندرا».
تنهدت بسبب إحراجها، ثم تساءلت: «وأنت؟ أليس لديك أبناء؟».
«إنني أعد ألونسو كابن لي وهو يحترمني أيضًا، لذلك علاقتنا تُعتبر جيدة، ولكن كانت لي بنت صبيّة وجميلة للغاية طعنها القدر فتوفيت بحادث سيارة قبل ثمانية أعوام».
شحب وجه كاساندرا بعد انبساط أساريرها عند انسجامها بحكايته، فالنهاية كانت حزينة ومبكّرة للغاية! وعلى إثر ذلك ازدردت ريقها قبل أن تتأسف من أجله مرة أخرى، فقد بدا حينها مُتحسرًا خائبًا.
«لا داعي للتأسف كاساندرا، ولكن أرجو أن تقبلي مطلبي بتحقيق حلمها» أفشى ما كُنّ في خلده بلا أي مقدمات، مما صيّر الأخرى مقطّبة الجبين باستغراب.
«عن أي حلم تتحدث؟».
«صغيرتي لوكريسيا كانت تهوى ركوب الخيل للغاية، لطالما طمحت بأن تنال القلادة الذهبية في بطولة قفز الحواجز بمدريد، ولكون ألونسو فارس نائل على عدة ميداليات ذهبية ببطولات قفز الحواجز، تكفّل بتدريبها، حتى إنها كادت أن تبلغ الاحتراف، إنها زهرتي التي ذبلت بتلاتها في ظلمة مدريد قبل البطولة بأيام».
«أنا حقًا متأسفة من أجلها، أعتذر للتطفل على أوجاعك» أخفضت مبصريها وهي تقضم شفتيها، فبان التأسف جليًا في نبرتها.
«لا بأس، أنا لم أنسها يومًا وإني أشعر بحلاوة ذكراها رغم الوجع» تحدث وهو يبتسم فبادلته هي ببسمة مُطَمئنة، لقد استشعرت مدى حنو وعاطفة هذا الأب، فتمنت لو أن والدها هنا.
«أتمنى أن تحققي حلم ابنتي لوكريسيا يا كاساندرا، فعلى الرغم من رحيلها، إلا أن حلمها لم يهلك بعد، أودك أن تحققيه فأنا أراها بكِ الآن، إنني مستعد لمنحكِ كل ما لدي من ثروة وأملاك» كان الرجاء زاخرًا في عينيه، يود سانتياغو أن يحيي حلم ابنته من جديد قبل أن يندثر كمثلها، ولكن كاساندرا مترددة للغاية. ففي بوسطن وصلت رسالة من عرابها إلى والدتها وخالها مفادها أن جميع ثروات سانتياغو فالفيردي ستكون مسّخرة تحت إمرة كاساندرا، وبكل بساطة دفعها كلًا منهما إلى ريف إسبانيا من أجل العرض المغري. قضمت شفتها ثم أخفضت مبصريها وتمتمت: «ولكني لا أجيد التحكم بالخيل والسيطرة عليه، وإنما أعرف كيفية امتطاؤه فحسب».
«لا تقلقي، ألونسو سيساعدكِ بلا أي شك، سأتحدث معه لذا...» انبسطت أساريره وهو يطمئنها، ولكنها أظهرت العكس، إذ اكفهر وجهها بمجرد ذكر اسمه، فهي لن تتدرب تحت إمرة ذاك المتكبر.
«إلا إياه! أنا لن أهين نفسي أمامه» قطبت حاجبيها بغيظ بيّن ثم انتفضت من مجلسها، كانت حازمة في قرارها وانصرفت قبل أن يشرع عرّابها بإقناعها ببعض الحجج. خرجت من المكتب وغضبها مستثار بعض الشيء، أستطلب بكل عين خاضعة من ذلك المتغطرس أن يدربها؟ هذا محال فكرامتها لن تسمح. وكلما فكرت بهذا الشأن يتصاعد غضبها فتزيد من خطاها، وعلى إثر ذلك اصطدمت بجسد انبلج أمامها من حيث لا تحتسب.
«أوه، إنها الحِشريّة، ما الذي تفعلينه هنا؟» تساءل وهو يعاينها بنظرات لا تقل عن نبرته في التهكم، كانت حانقة للغاية لاستخفاف ألونسو آرانجو فيها. كان ماثلًا أمامها بقميص بنيّ مفتوح الأزرار، حينئذٍ أدركت كاساندرا بأن جميع الرجال الإسبانيين يتلهفون لإظهار عرض صدورهم، وهذا إما بفك الأزرار بمبالغة تامّة أو العُري بالتجرد مما يكسوهم.
«أراك أنت من يحشر أنفه هنا أيها الدون آرانجو، فليس من شأنك معرفة سبب وجودي في هذا المكان» شزرته بغيظ بادٍ على أساريرها لما عانته من اكفهرار، فانصرفت من بعد ذلك من غير السماح له بنطق حرف واحد. ابتسم بهزءٍ بعد نثرها الكلمات الوقحة في وجهه، والتفت يتفحص مشيتها التي تفرغ جُلّ غضبها فيها، فحينها لم يرها ألونسو إلا كالمعزة الصغيرة؛ وذلك لأنها تقفز في خطاها بلا دراية منها، في حين أنها كانت ترى مشيتها مثالية. غادرت كاساندرا المزرعة وغدت نائية عنها؛ فالحنق أعماها بسبب الدون آرانجو، هل نعتها بالحشرية؟ كانت تلك الكلمة تستمر بالدوران في رأسها فركلت الهواء غضبًا، إلا أن توازنها اختل وكادت أن تقع أرضًا.
غيرت كاساندرا ثيابها، ثم أخذت بآلة التصوير وعلّقتها بعنقها. سألت فالنتينا عن إمكانية إيجاد دراجة هوائية في المزرعة، لبت الأخرى طلبها واقتادتها إلى مخزن قديم أخبرتها بأن هناك دراجات هوائية مختلفة بداخله. بعد مغادرة فالنتينا، تفحصت كاساندرا الدراجات الهوائية، كان معظمها صغيرًا وقديمًا، حتى وقعت عيناها على واحدة بدت جديدة. راحت تتفحصها وتزيل الأغبرة عنها. وجدت حروفًا إنجليزية محفورة عليها: L × L.
لسوء الحظ، كانت الدراجة بحاجة لبعض الفحوصات حتى تستخدم بشكل آمن. قامت باستخدام العدة بالمخزن لنفخ الإطارات وتشحيم السلاسل.
«وأخيرًا».
تنهدت كاساندرا، ثم أخذت الدراجة الهوائية ومضت بها خارج المزرعة للتحول والتقاط صورًا تذكارية تريها لرفاقها في بوسطن. قررت إبعاد ألونسو عن مساحة أفكارها بالاقتراب من المساحات الخضراء، فكرت بشأن شرط الدون فالفيردي وما الذي ستفعل حياله، ولكن هذا الأمر يعيدها لألونسو آرانجو نفسه مجددًا مما جعل الغضب يتملكها. لم تدري أتوافق أم لا، ولكن كل ذلك ينحصر بسبب مجيئها، فهي ليست وحشًا يبتغي حصد المال بأي طريقة كانت، سببها الفعلي كان المجيء للحصول على المال كي تدفع ديون خالها الكثيفة، والتي ستلقي به في السجن إذا تمادت في التكوّم. إن صار خالها العزيز خلف القضبان، والدتها الحبيبة ستنهار، لذا كانت كاساندرا هي الحل الوحيد لحل تلك المعضلة العمياء.
لا خيار آخر، تنهدت بأسى وهي عابسة الشفتين، تميزت كاساندرا عن أصحابها بصفة العناد، فهي تمتلك عزة نفس كبيرة وتكره الظلم، إلا أنها تُصيّر من الحبة قبة، كما وأنها حشرية، وقد صدِق ألونسو بنعتها بهذه الصفة.
كانت الأرض تتعرج بسبب المنخفضات القريبة من الغابة، حاولت ضغط الفرامل لإيقاف الدراجة، ولكنها عجزت عن ذلك. تملكها الرعب بسبب هذا العطل الرهيب، لامت نفسها لأنها لم تفحص الفرامل واكتفت بتشحيم السلاسل ونفخ الإطارات فحسب.
زادت سرعة الدراجة، وعلى إثرها انفجر إيطار الدراجة المهترئ. سقطت كاساندرا أرضًا وتدحرجت، واصطدمت بشجرة قريبة. ظلت في مكانها تشكو ألم جسدها بالأنين، لحسن الحظ لم تنل أي كسر أو رضّة، فقط بضعة خدوش استحلت جسدها.
«كل أمر سيء يحصل لي هو بسببك ألونسو آرانجو أيها الوغد!» تأوهت وهي تشتمه بصوت مرتفع. عدلت جلستها لتستند على جذع الشجرة وهي على شفير البكاء، ليس بسبب ألم جسدها، بل لألم قلبها المتوجع على آلة تصويرها المكسورة.
«اللعنة عليك يا آرانجو!» صرخت بصوت جهور، شعرت بأن صوت آخر شاركها الصرخة فصارت مزدوجة، بدا الأمر مريبًا، ولكنها حاولت تجاهله وعودة أدراجها.
تذبذبت في أذنيها صرخة امرأة نائية فانتفضت من مجلسها وغدت تنظر في الأرجاء، لم يكن مصدر الصرخة إلا الغابة. اندفعت قدماها إلى هناك بتهور كامل، المراهقة التي بداخلها أبت التجاهل. غدت تتبع الصوت بخوف، كانت جميع التوقعات تشنّ على مخيلتها الهجوم، فأمسى كل تخيل أضر من سابقه، فماذا لو كانت الامرأة تصرخ طلبًا للنجدة بسبب تعرض قاتل لها، أو معتدي، أو حتى حيوانًا مفترسًا. التراجع أمر مستبعد، فإن كانت المياه تشكل ٧٠٪ من جسمها، فالثلاثين الباقية تعبر عن تشعب أدغال المغامرة المتأصلة فيها، لربما كانت روح الحشرية المطلقة. صُدمت حين وجدت امرأة حبلى تستند على إحدى الأشجار وتضرب الأرض بقبضتها، كانت تكابد وتحاول ألّا تطلق صرخاتها رغم كونها على شفير الولادة.
«يا إلهي!» هتفت كاساندرا بعد شهقة أطلقتها جرّاء ما رأت، فلم تلبث قليلًا حتى صارت بجانبها.
«أيمكنكِ السير؟ سأساعدكِ!» كانت تجذبها كي تنهض، ولكن الأخرى ذات الملابس المزركشة نفت وهي تأن بصوت مرتفع.
فتلبكت كاساندرا ونطقت: «لا يمكنكِ أن تلدي في هذا المكان! يجب أن تضعي مولودكِ في المستشفى!».
«أنتِ لا تفهمين لذا دعيني أتولى الأمر وحدي!» كانت المرأة تصرخ، فاستمرت كاساندرا بعرض ذلك عليها دواليك إلا أنها لم تستجب.
«هل أنتِ مجنونة؟ يجب عليك أن تذهبي إلى المستشفى!» أصرت مجددًا وهي توبخها بإسبانية ركيكة، ولكن المرأة ترفض الذهاب.
«أنت لم تتركي لي خيارًا آخر، سأساعدكِ فحسب» رفعت كُميّها وطوتهما وهي تتأهب وتزفر للاستعدادات، فاستفسرت المرأة وهي تأن.
»لحسن حظك لدي معرفة بأمور الولادة، لقد تعلمت في تكساس على يدّ خالتي» أمسكت كاساندرا برأس الطفل الذي كان خارجًا بالفعل قبل وصولها، فخرج نصفه العلوي بينما السفلي ما زال باقيًا في الداخل، ولذلك كانت كاساندرا تصرخ عليها بأن تدفع أكثر، فامتزج صراخ ذات التاسعة عشرة بصوت طلق ناري جعلها تنتفض، شاهدت الغزال وهو جثة هامدة فارتعدت أوصالها.
أبصرت رجلًا يخرج من بين الأشجار وهو يسند بندقية الصيد على منكبه العريض، كان مثيرًا للريبة قليلًا، فهناك سيجارة تمكث ما بين شفتيه الثخينتين فتُخلّف الدخان، وكحل يحوك الحلكة حول عينيه الزرقاوين، فيما أن شعره كان أسودًا طويلًا ومموجًا يصل لمنتصف عنقه. يرتدي بنطالًا قماشيًا فضفاضًا أسود اللون وصُدرة حمراء. بلا أي شك تكاد الأزرار أن تعدم؛ فالقميص تحت الصدرة كان كالباب المفتوح يبلج سمرة صدره، فتضطجع من بعد ذلك في شق صدره الصلد قلادة لناب ذئب. أدركت هويته فقد بدا لها صيادًا، نظرًا للبندقيّة وملابسه الرخيصة، لذا هدرت بقوة: «ارحل من هنا! ألا تراها تلد!».
«من أنتِ ولم عبرتِ حدود الغابة؟» كان ذو صوت عميق وغليظ يمتاز ببحة، وعلى إثر سكوتها ضيّق عينيه المكحلتين وهو يتقدم صوبها. نفضت كاساندرا يديها بقوة وأعادت ثوب الأخرى ثم واجهته بجرأة وبحنق كالعادة، إنها لا تطيق ذوي التصرفات الغريبة مطلقًا، لقد نالت ما يكفي من المشاجرات مع ألونسو في الأمس واليوم. كانت تشزره وهي تقترب منه بغيظ، فنفثت أنفاسها على وجهه حتى كاد أنفها أن يبلغ ذقنه.
«وما شأنك؟» قالت كاساندرا بحدة. كانت المرأة تصرخ فالتفتت إليها كي تعود وتساعدها، ولكن عضدها سُجن في قبضة عنيفة جعلتها تئن وهي تزجره، فأجزمت بأن أصابعه اخترقت لحمها وغدت تسحق عظامها. جرها أكثر حتى لُطمت بصدره فنفث دخان السيجارة في وجهها وباح بتهديد: «نحن الغجر لا نسمح لأحد ليس من ذوينا بأن يدخل محل إقامتنا ويخرق أعرافنا، لذا دعيها وشأنها».
«أنت غريب الأطوار! دعني، أخبرتك بأن تترك يدي!» صرخت في وجهه وهي تدفعه وتتحرك باندفاعية تحت عينيه المكحلتين اللتين لم ترمشا قط، ففُكّت فجأة من أسره وتراجعت للوراء على إثر ذلك.
«لوي أخبر غابرييل بأن طفلنا على وشك القدوم...» أنّت المرأة بينما تتحدث بصعوبة.
رشقها الآخر ذو العينين الزرقاوين بنظرة لا تبشر بخير: «أخبرتك مرارًا بألا تناديني بهذا الاسم».
«أهذا وقت الحديث التافه!» كانت تلك كلمات كاساندرا بيريز المغتاظة، وبسبب حنقها جرت الطفل وهي لا تدري، ولكن صوت بكائه جعلها جافلة لبضع ثوان كي تستوعب ما سمعته، عندئذٍ ابتسمت وأخرجته، ثم خلعت وشاحها الأزرق ولحفته فيه. التفت برأسها للخلف، وأدركت بأن الشاب المدعو بلوي قد اختفى هو وأثره، لقد غادر برفقة الغزال الذي اصطاده.
تشكّرت الامرأة كاساندرا بامتنان، فابتسمت تضع المولود في حضن أمه: «إنه جميل، ما الاسم الذي ستطلقينه عليه يا...».
-«أدعى بياتريس».
-«أنا كاساندرا بيريز».
-«أنتِ لستِ إسبانية؟»
-«أنا لاتينية».
ثم استرسلت: «إذًا أهناك اسم يجول في رأسك يا بياتريس؟».
«سأتركه لكِ تعبيرًا عن امتناني، ولكن دعي هذا سرًا بيننا، أعني سماحي لكِ باختيار الاسم» حينما قالت ذلك، اتسعت العينان الخضراوان وفغر ثغر صاحبتهما، فكاساندرا لم تتوقع ذلك قط.
-«حسنًا، دعيني أفكر، ماذا عن أنطونيو؟».
»- إنه اسم جميل، أنطونيو».
-«إذًا أين مثواكِ يا بياتريس؟ أنا لن أدعكِ هنا وحدكِ في هذه الحالة».
-«إني أمكث في خيمة صغيرة، والآن أنا مُبعدة لأنني غير طاهرة، هذا لكوني حاملًا وقد ولدت، سأظل هكذا حتى بعد شهرين من العزل ثم انخرط أنا وطفلي مع ذوينا من جديد».
-«إنني مستغربة للغاية من عاداتكم. ولكن على أي حال، ما خطب ذلك الرجل؟ لقد أشعرني وكأنني قاتلة متسلسلة تتربصكِ!».
أفصحت كاساندرا بذلك وهي منفعلة، ثم أسندت بياتريس عليها كي توصلها إلى خيمتها، فضحكت الأخرى بخفة وقالت: «تقصدين لوي، لقد كانت هذه ردة فعل طبيعية لأي غجري يرى أحدًا ليس منا يتدخل بعاداتنا».
فعلقت كاساندرا بغيظ واضح: «ولكن هذا لا يعني تواقحه معي ولمسه إياي!».
«للأسف أنتِ محقة، لكن هذه هي طباعه العنيفة» تحدثت بياتريس وهي تمشي على مهل وكلها وجع، كانت تحمل وليدها وكاساندرا تساعدها في المسير. تساءلت ذات الشعر النحاسي المُفتّل عن قرابة لوي ببياتريس، وأثناء ذلك أبصرت الخيمة الصغيرة من بعيد.
«إنه صديق مقرّب، هو يعتبرني كأخته الكبرى لذا أراه دائمًا حولي في الأرجاء يتحجج بالصيد، بينما هو في الحقيقة يطمئن علي ويجلب لي أشهى الأطعمة، على عكس زوجي» كانت تتحدث وهي تبتسم حتى بلغت الخيمة مع كاساندرا. فاسترسلت بياتريس بالحديث عند دخولها ثم استقائها على فراشها: «كيف ستخرجين من الغابة؟ أنت لا تعرفين طريق العودة حتى».
«لا بأس، سأذهب الآن قبل أن تغيب الشمس، سأزوركِ في المرة المقبلة» ارتفع شدقا كاساندرا ليعربا عن ابتسامة تعبر عن شعور الغبطة التي تخالجها، فبادلتها الأخرى بينما تعتني بوليدها: «إلى اللقاء، احترسي في الطريق!».
الاحتراس، كانت كاساندرا مستعدة لمواجهة كل ما قد يظهر لها في هذه الغابة سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا. كانت المواجهة في قاموسها لا تعني الاقتتال، وإنما الهرب، هي ليست غبية لتواجه خطرًا محدقًا بمفردها. الشمس بدأت تنتر أهدابها من السماء فتشعّ من جهة الغرب بألوانها الفاقعة، وما كان مصير كاساندرا بيريز إلا التيه في هذه الغابة، أمست تقضم أظافرها بسبب صوت طائر البوم الذي ينظر لها من أعلى الشجرة، إنها ليست سوى مراهقة صغيرة وجبانة. الظُلام شرع يهبط في الأرض ويتوغل بين أشجارها، والخوف بدأ يسكن قلبها فاضطربت نبضاتها، تلّحفت الرعبة تضاريس وجهها على إثر تحرك الشجيرات وأصوات حفيفها. تقهقرت كاساندرا إلى الوراء فور إبصارها رجلًا ضخم البنية يحمل سراجًا مضيئًا، كان ذلك المكوث الأخير لها في تلك البقعة فقد ولّت هاربة، ولكن لسوء الحظ تخبّطت قدماها بجذور الأشجار المنبثقة على سطح الأرض، وعلى إثر ذلك أطلقت أنينًا حينما سكن الوجع جبهتها الدامية وركبتيها. خطواته تقترب والضوء يشع شيئًا فشيئًا، فصلت ودعت، وعلى حين غرة سمعت تلك اللكنة الإسبانية الأندلسية الخشنة تخاطبها: «ها أنتِ هنا، أيتها الآنسة».
برحت الأرض والتفتت تعاينه لأنه يعرفها، لم يكن هذا الرجل إلا الذي التقته في عصر اليوم، لوي كما سُميّ على لسان بياتريس.
«أنتِ تنزفين» أفشى وهو يركز على جبهتها. تلمست جبهتها فأطلقت تأوهًا عفويًا حين مسّت موضع الجرح.
«لا تلمسيه» أنبأها بتحذير، فرمقته باستغراب.
« آنستي، اجلسي هنا ريثما أعثر على بعض الأعشاب».
» ماذا؟ كلّا، لست مضطرًا لمداواتي هنا، فقط أرشدني إلى طريق الخروج» اعترضت وهي تحاول إقناعه، لكنه يبدو أكثر إصرارًا، إذ رمقها ببرود ثم تجاهلها، وصار يسلّط ضوء السراج على الأرض حيثما تزخر الأعشاب بمختلف أنواعها. تعصبت بلحظة لأنه يتجاهلها مرارًا، ولكنها استسلمت بنهاية المطاف، فجلست على إحدى الصخور وهي تراقبه. بعد لحظات مضت، عاد هو وسراجه حاملًا عشبة صغيرة، فقبع على جنبها الأيمن وشرع بدعكها بين صخرتين صغيرتين، كانت تراقبه بهدوء ولم تنطق بحرف واحد قط. رفع الغجري عينيه المكحلتين ورمقها بهدوء، ثم جثى أرضًا مقابلها واقترب، وبسبب هذا اندفعت للوراء بسبب قربه المفاجئ. ولكنه طمأنها قائلًا بصوته العميق ذو البحّة: «لا تخافي يا آنسة، فقط سأداوي الجرح بالعشبة».
أومأت له باستسلام وسلمته جبهتها، حينئذٍ أدركت كم أن ملامحه جذابّة ومثيرة، فعيناه الزرقاوان انعكس عليهما نور السراج، وعلى إثره انبلج بريقهما الأخاذ. دنا من وجهها وهو يركز على جبهتها، فوزع العشبة على الجزء المجروح من جبهتها، وعلى إثر لمسه لموضع الوجع انكمشت أساريرها. عمّ الصمت في المكان، ولم يكن يسمع شيئًا في الغابة سوى صوت رفرفة الطيور، وخرير مياه الجدول البعيد.
«لم أرك في البلدة من قبل، ولكن لا يجب عليك التوغل في الأرجاء هكذا يا آنسة، إن هذا خطر. وأيضًا لا يسمح للغرباء بدخول نطاقنا والتعدي على أعرافنا» تمتم مشوهًا الهدوء وهو بذلك القرب منها، وقتئذٍ كان ضوء السراج يتراقص على بشرته الحنطيّة.
«لذا أيتها الآنسة، أنا أحذرك» قال ثم ابتعد وحدق بعينيها الخضراوين قبل أن ينهض على قدميه.
«أنا كاساندرا بيريز، وأنت لوي، صحيح؟» قالت وهي تلحقه.
توقف فجأة مما أدى الى ارتطامها بظهره، فعقب ذلك إفصاحه: «سيلفانوس روميرو، لوي ليس اسمي».
«ولكن بياتريس دعتك به...» أجهرت من جديد وهي تتبعه.
سمعت تنهده ثم استنكاره للاسم ثم نطق بقساوة صريحة: «هي تدعوني بذلك لإزعاجي فقط لأنها مقربة مني، أنت لست كذلك، لذا التزمي الحدود فيما بيننا أيتها الآنسة».
«يا له من نزق بربري» تمتمت وهي تثقب ظهره بنظراتها المغتاظة.
ظنته لم يسمعها فإذا به يلتفت إليها ويرمقها بعينين يكتسحهما البرود مما أثار الرعبة فيها: «هل شتمتني للتو يا آنسة؟».
وعلى إثر اقترابه من هيكلها الذي ارتجف لوهلة، تراجعت وراءً واصطدمت بجذع الشجرة، فتلا ذلك إفصاحه بما بث القشعريرة بأوصالها: «ليكن بعلمك أيتها الآنسة إنك في الغابة، لوحدك مع رجل بربري متوحش كما تصفين، فالجمي لسانك لو سمحتِ».
«لغتي الإسبانية رديئة» بررت وهي تعاينه يتراجع إلى الوراء ثم يلتفت ويستأنف خطواته. أطلقت جماح أنفاسها التي حبستها قبل قليل، حينئذ أدركت أنها طائشة لحد غير معقول. وبسبب ما حصل توًا التزمت الصمت ولم تنطق بحرف واحد قط، فقط اتبعته بحذر واعتمدت مسافة كبيرة فيما بينهما حتى خرجا من الغابة.
«أين تقطنين؟» ما أن باح بذلك، نفت بسرعة بخوف وهي تتشكره وتخبره بأنه لا داعي لإيصالها لعتبة منزلها، فأطلقت العنان لساقيها للخطو بسرعة، ولكنها ارتدت لبقعتها بفعله حين قبض على عضدها وجرها، فأطلقت صرخة خوف وحاولت التملص منه لظنها السوء به.
«الطرق ليلًا ممتلئة بالسكارى، سأوصلكِ لعتبة منزلكِ آمنة كما طلبت بياتريس» أفصح ثم عتقها وسبقها بالخطوات، فأمست تمسد عضدها الذي عنف قبل لحظات بلا دراية منه، هو لا يدري بأن يده خشنة حتى. كان يسير أمامها بينما هي تتبعه، كانت توّد جعله يضجر منها، لأنها لم تبح بعنوان منزلها حتى الآن، ولكن بعد بضعة دقائق ملت وأفصحت باستسلام.
«مزرعة لاغوس فالفيردي» أفشت ثم جارته وسبقته بالخطوات. قطب حاجبيه وهو يحدق بظهرها متسائلًا: «الدون فالفيردي؟».
«أجل» أردفت بهدوء، فازدرد ريقه ثم تنفس الصعداء. طوال مدة سيرهما على الأقدام، كانت تشعر بالنظرات التي ترمق بها من الخلف، بعد بوحها بمثوى إقامتها، صار لا يزحزح بصره عنها. بتردد استرقته ببعض النظرات، فالتقت أعينهما ببعضها البعض، وقد أدركت كاساندرا كمية القسوة التي تكتنزها عينيه، أو بالأحرى النظرات الحادّة التي يتفرّسها بها.
«نفذت مهمتي أيتها الآنسة طوعًا لأوامر بياتريس» أفصح الغجري المدعو لوي أو بالأحرى- سيلفانوس روميرو - بعد أن أوصلها لبوابة المزرعة. تراجع بضعة خطوات للوراء وهو يحدق بالمزرعة ويواصل النظر لذلك البيت العتيق، هو لم يجرؤ على أن يبصره مذ زمن ليس بالقصير.