نترت الشمس أهدابها ببطء من سماء إشبيلية فشكلت لوحة فنية باهرة، كان هذا وقت الراحة للجميع لأنه وقت تناول وجبة العشاء، تجمع في غرفة تناول الطعام التلاميذ حول المائدة، ما عدا الزميلة الجديدة لهم كاساندرا بيريز، فقد تخلفت عنهم.
انبطحت كاساندرا على الفراش الناعم بإنهاك، فتلحفت بالغطاء وأغمضت عينيها، تقلبت يمنة ويسرى دواليك ولكنها لم تستطع النوم، فعلى الرغم من كونها تشعر بأضلعها الممزقة، إلا أن جند النوم ما طرق بابها قط. هي لا تستطيع أن تنام بمكان غريب، فالليلتين الماضيتين بمنزل عرّابها عانت فيهما، ولو أنها نامت الليلة الثالثة هناك لصارت أهون واعتادت، ولكنها فُوجئت بتغيير مثواها إذ مكثت بمهجع التلاميذ في فويرا- آرانجو.
لم تدري متى ثقلت أجفانها وغاصت بأودية النوم، ولم تدري كيف مرّ الوقت واحتلت العتمة الغرفة، كان منتصف الليل بالفعل. أيقظها صوت طرق الباب، فتساءلت بتوجس عن هوية الشخص الذي سيزورها في منتصف الليل.
سمعت الإجابة على أوتار ذكورية: «إنه أنا، افتحي الباب».
فتحت الباب ثم اتكأت على الإطار وسألت: «الدون آرانجو؟ ماذا هناك؟».
كان مستندًا على الحائط المقابل لها ومتكتفًا فكان لعضديه المتصلبين شرف البروز أمام العيان، فلم يلبث قليلًا حتى أجابها قائلًا: «إنه وقت التدريب».
رمشت بتوانٍ وفتحت فمها بدهشة، حاولت تحليل جملة التدريب بكل جهدها، إلا أنها ما زالت تخيب في كل مرة، فالوقت متأخر بالفعل. باتت تتلفت بالأرجاء وتتلمس حائط الغرفة كي تدرك المكبس وتضيء الغرفة: «لحظة، كم الساعة الآن؟».
ولكنها تجمدت لوهلة عند إفصاحه: «الثانية صباحًا».
التفتت وهزأت وهي تبتسم باستهجان: «هل أنت مجنون؟ من سيتدرب بهذا الوقت!».
«تخلصي من لهجتك الحادة هذه برفقتي، وكذلك ضعي أمر البطولة بنصب عينيك كاساندرا بيريز» برح بقعته محذرًا إياها.
ثم استرسل: «عقوبة التأخير هي تنظيف الإسطبل لمدة يومين».
كشرت عن أسنانها وصارعت الهواء بسخط، لقد أوقعت نفسها بجحيم هذا الرجل، إنه متسلط ويثير غيظها كلما تقابل وجهه أو حتى ظهره. ارتدت ملابسها وأيًا تكن، هي تود أن تنهي ما سيبدأه، معدتها تصدر القرقرة فقد فوتت وجبة العشاء في البارحة.
تنهدت وخرجت من المهجع وهي تلملم خصلاتها بتسريحة ذيل الحصان كما نبّه. كانت المزرعة هادئة للغاية إذ أن الجميع نيام الآن، ما عداها وإياه وبعض الكلاب النبّاحة، إضافة إلى حصان يصهل في الإسطبل وثانٍ يهرول أمامها في الفناء، وثالث مربوط بالسياج. دخل ألونسو في الساحة التي تتحرك بها الفرس فتبعته كاساندرا بخطى متكاسلة، هي نعسة وبالكاد ترى أمامها.
«هذه الفرس ستكون فرسك، هيا تعرفي عليها» قال وهو على مقربة من حصانه الأسود، اقتربت كاساندرا ومسحت على رأس الفرس الأبيض، فابتسمت لأنها لم تنفر منها.
«سيكون اسمكِ لوليتا» ابتسمت وهي تمسح على شعرها الأبيض.
«اقبضي على اللجام ونفذي ما تعلمته في صباح الأمس».
أمسكت كاساندرا باللجام ثم حشرت ثلث قدمها بالركاب وامتطت الفرس كما دربها صباحًا، فكادت أن تتحرك لو لم يوقفها ألونسو: «لم نتطرق إلى الخطوة الثانية بعد».
زمت شفتيها وتبرمت، إلا أنها ابتسمت وغدت تتلاعب بشعر الفرس البيضاء. امتطى ألونسو جواده واقترب من كاساندرا بخطى متريثة، ثم نكّز جانبي حصانه بحذائه وغدا يشرح: «لحث الحصان على السير أصدري صوتًا وقومي بنكز بطنه بكعبي حذاءكِ بخفة، أمّا الركض فزيدي القوة، ولأجل اختيار وجهة الحصان شدي اللجام صوب الناحية المطلوبة وانكزي الجانب كذلك، ولكن إياكِ شده بقوة».
أومأت واستوعبت ما قدمه لها من شروحات، تأهبت للتطبيق فنفذت ما علمّها إياه، إلا أن ذلك لم يخلُ من صرامته تجاهها؛ إذ بات يعلق بتزمت: «أرخي، قلتُ أرخي ولا تشدي كثيرًا، حرري خصلة الفرس من أصابعك! انصبي جذعك كاساندرا بيريز!».
زمت شفتيها وهي تكظم غيظها وتحاول ألا تفجره، هي تراه لا يعلمها وإنما يوبخها بشدة، ولكن هذا هو أسلوبه بالتلمذة، ألونسو آرانجو لا يرخي حبلًا ولا يشدّه.
«لا تصرخ عليّ!» باحت بجهورية.
قطب حاجبيه واقترب بحصانه منها قائلًا: «هل أزغرد لكِ مثلًا؟».
«لا تهزأ بي» هسهست وهي تعتصر اللجام ما بين يديها.
زاغ بصره لقبضتها ثم علّق: «من أجل أن تصبحي فارسة محترفة، ومن أجل أن يتم قبولك ببطولة قفز الحواجز، يجب عليكِ تجاوز جميع تلاميذي الماهرين يا كاساندرا بيريز».
كان يحدق بعينيها بإصرار وهو يفك قبضتيها القويتين، ثم أمسك براحتها واحتوى كفها واضعًا اللجام فيه، ففعل مع الأخرى وقبض عليها بيده كي يكورها، وأفصح بعد إشاحة عينيه عنها: «هكذا يُمسك».
الوضعية التي صارت عليها يديها بإمساك اللجام جعلتها تسيطر أكثر، فأغمضت عينيها وتذكرت ملاحظاته، فسيّرت الفرس وابتسامتها اتسعت تزامنًا مع إصدارها الأصوات التي تحث الفرس. مرّ الوقت وساعة قد مضت نسبيًا ففرقع ألونسو عنقه بإرهاق وأجهر: «لنكتفي بهذا الحد، معظم الأساسيات بركوب الخيل قد ضُبطت حتى هذه اللحظة».
«إذًا.. هل سأتدرب معهم غدًا...»
ابتسامتها خابت كما قد فعلت كلماتها فور أن قاطعها: «ليس بعد، ستشكلين عائقًا لهم لكونكِ مبتدئة، سأدربكِ بمفردكِ حتى تبلغي المستوى المطلوب للانضمام إليهم».
تنهدت حالما أدركت بأن أمامها شوطًا كبيرًا حتى تبلغ ذرة صغيرة من الاحتراف، يجب على مبتدئة مثلها أن تحتل إحدى المراكز الأولى ببطولة قفز الحواجز. قادت فرسها لخارج الإسطبل، وقتئذٍ أصدرت معدتها قرقرة فتنهدت مجددًا وهي تعتصرها. تحدث ألونسو الذي سايرها بحصانه: «أخبرتني السيدة آلفاريز بأنك لم تتناولي وجبة العشاء، ستجدين بعض الطعام في مطبخ المهجع، ولكن ضعي بالحسبان بأنك لن تحصلي على أي وجبة إن اعتمدت هذا الإهمال».
ترجلت من فرسها وهي تقلده بخفوت اقتيادها للفرس نحو الإسطبل، ففوجئت بإجهاره: «إنني أسمع كل شيء يدب في أرضي آنسة بيريز».
اتسعت عيناها وابتلعت لسانها خلف شفتيها. إن الطريق المؤدي للإسطبل كانت أرضه قد برقت وأضاءت بقدر الشتائم التي زرعتها فيه، كاساندرا بيريز لم تحببه قط. بعد أن أودعت فرسها بالحظيرة، غادرت الإسطبل وهي تمسد كتفها وتحركه بصورة حلزونية وتتأوه بوهن. كانت قد قصدت مطبخ المهجع، فأنارته وولجته وغدت تبحث عن شيء يؤكل، ولكنها لم تجد سوى بعض قطع الفطائر مغطاة بمنديل أحمر.
«ذلك التوبيخ كله من أجل قطع خمس فطائر؟ أي وجبة قصدها ذلك الوقح؟» غمغمت من خلف الفطيرة المحشورة بفمها، أثناء مضغها المستمر أوقدت النار بالطباخ من أجل تغلية بعض المياه كي تعد حليبًا يكمل وجبتها.
على حين غرة، سمعت صوت صهيل قوي. على إثره أطفأت الطباخ وهرعت للخارج، بلغت الفناء وهي تسمع الصهيل يرتفع شيئًا فشيئًا، إذ الحصان بدأ بالزمجرة، كان صوته مهوّلًا، وعند بلوغها بؤرة الصهيل وجدت ألونسو يضرب لسان السوط بالأرض. لم تتحمل ما تراه، لقد ضُرب الحصان أمامها بالسوط، فسرعان ما اندفعت نحو السياج وهددت الواقف وراءه: «دعه أيها المتوحش!».
«عودي إلى المهجع كاساندرا بيريز ولا تحشري أنفك بأمور لا تعنيكِ!».
«أمور لا تعنيني؟ أنت تعنف الحصان المسكين!» صرخت بقوة.
«أنا أروضه».
«ترويض؟» هزأت فيه فلم تكد تكمل حتى عاد للحصان وشرع بالنيل منه، لم تحتمل قط، الشهامة التي كُنّت في روح كاساندرا قد بانت، وذلك تجلى باختراقها الميدان ووقوفها المباغت أمام ألونسو بغية ردعه ودحر شره كما ترى، ولكنها تدخلت بالوقت الخاطئ، إذ التف السوط حول هيكلها ابتداءً من خصرها حتى كتفها. حينئذٍ أطلقت صرخة مجلجلة، فالوجع كان جليلًا وقد باتت تشعر بأن نارًا حامية قد سُكبت على جلدها.
رمى ألونسو السوط أرضًا واندفع ناحيتها وهو ثائر، فاعتصر كتفيها بقوة وقرّبها منه وهو يهدر بوجهها موبخًا: «مراهقة طائشة! أنّى لك الجسارة للوقوف أمامي أثناء عملي!».
كانت تئن وهي تذرف الدموع، جلدها يحترق وهو يوبخها بتزمت ويصرخ بوجهها، كما وأنه يضغط بقوة على الإصابة بكتفها، كانت تلك الأسباب كافية لجعلها تهشم شخصها القوي وتذرف دموعها بضعف.
صرخ عند عينيها: «أنا أكلمك!».
«أنت تؤلمني» تهدجت بعد محاولتها جمع أحرفها المشتتة. استفاق من غضبه وفك قبضته عنها، وقبيل حديثه مجددًا بنبرة أهدئ نسبيًا، أطلقت العنان لقدميها وهرولت نحو المهجع وهي لا تدري أتلمس جسدها أم لا، في كلتا الحالتين سيؤلمها. دخلت غرفتها بهلع وخلعت قميصها فبقيت بملابسها الداخلية، نظرت بالمرآة للخط الرفيع الذي امتد من جانب خصرها الأيسر بلون أحمر وانتهى بكتفها الأيمن. سقطت دمعتها أثناء معاينتها للرقعة، ستغدو بنفسجية عمّا قريب، رأت بأن جسدها قد تشوه بسبب تلك اللحظة المتهورة. ظلت لبعض الوقت وهي متسطحة على بطنها تئن وتبكي، وصوت طرق الباب المفاجئ من قد شاركها أنينها، فالتفتت ولم تجب، هي حتمًا تعلم هوية الطارق.
«كاساندرا افتحي الباب» أفشى بنبرة غير صبورة، فالتزمت الصمت وعضت شفتيها كيلا تصدر ترانيم الألم، مسحت دمعها عن وجنتيها واستمرت بصمتها.
» كاساندرا» كرر اسمها عدة مرات، طرق الباب دواليك مرارًا وتكرارًا لكنها لم تستجب إليه.
«لا خيار لدي، سأدخل» فور أن سمعته يفصح بذلك اتسعت عيناها والتقطت قميصها وهي تجهر: «لا تفعل!».
مقبض الباب قد تحرك فعلًا بخضم ارتداؤها لقميصها، ولحسن الحظ أنها كانت سريعة.
«ماذا تريد؟» أظهرت تعابيرًا هادئة وفاترة وهي تواجهه. تنهد وتقدم خطوتين ثم مدّ لها علبة دائرية: «استخدمي هذا المرهم، إنه ذو مفعول سريع».
«لا أريد شيئًا منك، هيا اخرج» قالت وهي ترمقه بحنق، كانت تزجره بالفعل إلا أن ذلك لم يؤثر فيه إطلاقًا، وإنما زاده إصرارًا: «يجب أن تدهني الإصابة فورًا، سيخفف من حدة الألم أيضًا».
أمسك بيدها ووضع العلبة. قضمت شفتها بسبب الألم فهي بالكاد تتحمل اللسعات، لقد أدركت بأن أجواء إشبيلية الحارّة تزيد الأمور سوءً، كانت تريده أن يخرج بسرعة كي تخلع ثيابها وترتاح، ولذلك رمت العلبة بالأرض وهسهست: «سأصبر وسأتحمل».
«لا تكوني صبيانية كاساندرا، ضعي المرهم حالًا» كان يحدق بها بنفاذ صبر.
» لن أفعل!».
دنا من الأرض والتقط علبة المرهم ثم رفع بصره إليها ورمقها بنظرة أربكتها.
«ماذا؟» قالت وهي ترفع راية الجسارة بينما تستند على أساس مهترئ.
» أخبرتكِ أن تضعيه، لا تكوني عنيدة».
» في أحلامك أيها المستبّد!».
«أيجب عليّ وضعه لكِ بنفسي؟» أُصدرت صافرات الإنذار بكاساندرا، وقد لاحظ ألونسو شحوب وجهها.
خرجت الكلمات تتناطح على لسانها المتمرد: «حسنًا سأضعه فقط أخرج!».
المستبّد
في أرض الغرام · بقلم Sarah