داخل الكوخ كانت ليلى أكثر من مجرد أم، كانت تحاول التمسك بما تبقى لها من هذا العالم .
لم تعد ترى في آدم وسهيلة فقط طفلين كبرا، بل أصبحت تشعر أن شيئاً داخلهما بدأ يبتعد عنها، رغم وجودهما أمامها دائماً كانت تقترب منهما أكثر من اللازم ، تراقب نظراتهم وحركاتهم وتتمسك بأي لحظة بينهما كأنها دليل على أنهما ما زالا بخير.
لكن آدم كان مختلفاً لم يكن يرفضها مباشرة، لكنه لم يعد يسمح لها بالوصول إليه كما من قبل .
أما سهيلة فكانت أكثر لطفاً في ظاهرها لكنها أيضاً أصبحت حذرة ، تتجنب كشف ما تفكر فيه وكأنها تخفي شيئاً خلف ابتسامتها .
ليلى كانت تشعر بذلك دائماً، كل مرة تقترب فيها أكثر كانت تجد نفسها تُبعد بطريقة غير مباشرة، كلمات قصيرة ،تغيير الموضوع، أو صمت طويل يجعلها تتراجع وحدها .
ومع الأيام أصبح وجود ليلى بينهما أشبه بمحاولة إمساك ظلّ، فكلما حاولت الإقتراب شعرت أنهما ينسحبان بخفة ، دون أن يختفيا تماماً، لكن دون أن يبقيا قريبين أيضاً.
أما مالك فكان يعرف كل شيء، لم يكن يتدخل لكنه كان يفهم أن ما يحدث داخل هذا الكوخ لم يعد طبيعياً، وأن التعلّق الذي تتمسك به ليلى بأبنائها أصبح هو نفسه مصدر ألمها .
وفي الخارج كان الوادي ساكناً بشكل مقلق كأنه ينتظر اللحظة التي ينكسر فيها آخر حاجز لكي يظهر ما في باطنه.
في لحظة غير متوقعة تحّول هدوء الوادي إلى اضطراب ثقيل، لم يعد الخوف مكتوماً كما كان ، بل خرج إلى العلن في أعين أهل الوادي ، كانت نظراتهم تتجمع حول كوخ مالك وليلى، وكأن شيئاً داخله أصبح مرفوضاً بشكل نهائي.
في ذلك الوقت كان مالك بعيدًا عند العجوز الباكية فوق أطراف الوادي لا يعلم ما يحدث خلفه.
شعرت ليلى أن شيئاً غير طبيعي يقترب بسرعة. أصوات خطوات، همسات غاضبة ، وحركة متسارعة في الخارج .
جعلتها تدرك أن الوقت لم يعد في صالحها، لم تنتظر تفسيراً بل تحولت غريزتها إلى قرار واحد، أخذ أبنائها والهرب .
أمسكت سهيلة بقوة ثم نادت آدم محاولة جمعهما بسرعة قبل أن يصل أي خطر إلى الداخل .
فتحت ليلى باب الكوخ بسرعة وخرجت محاولة شق طريقها وهي تنادي على مالك، لكن مالك لم يكن هناك.
حاولت ليلى التقدم نحو أطراف الوادي ممسكة بأبنائها ، لكن الطريق لم يعد واضحاً كما كان، كل خطوة كانت أثقل من قبلها وكأن المكان يغيّر شكله لمنعهم من المغادرة.
آدم كان يمشي خلفها بصمت، بينما سهيلة كانت تنظر حولها بخوف متزايد تحاول فهم لماذا تحول كل شيء ضدهم فجأة.
وفي تلك اللحظة كان واضحاً أن الهروب لم يعد مجرد قرار…بل اختبار حقيقي لما إذا كان الوادي يسمح لأحد أن يغادره فعلاً ، أم أن كل محاولة خروج هي بداية شيء أسوء.
عندما اختفت ليلى وأبناؤها بين ضباب أطراف الوادي ، كان أهل الوادي ما يزالون يلاحقونهم ، أصوات خطواتهم تتردد بين الأشجار والصخور كأن المكان كله يركض معهم.
لكن في لحظة عجيبة ساد صمت ثقيل بدأ كل شيء يتغير.
توقفت الخطوات فجأة…
الهمسات اختفت…
والغضب الذي ملأ المكان قبل لحظات تلاشى بطريقة غير مفهومة، الرجال الذين كانوا يركضون خلف ليلى وقفوا كأنهم استيقظوا من حلم طويل، نظراتهم فارغة، أنفاسهم بطيئة ، وكأنهم نسوا لماذا جاؤوا أصلاً. بعضهم نظروا حولهم بارتباك ، وآخرون تراجعوا نحو الضباب دون كلمة .
لم يكن أمر بالرحيل ولم يتحدث أحد ،لكن الجميع بدأ يختفي تدريجياً داخل الوادي بنفس الغموض الذي ظهروا به منذ سنوات.
الأكواخ التي امتلأت بالحياة أصبحت فارغة ، الأبواب تتحرك مع الرياح والنار تنطفئ وحدها دون أن يطفئها أحد .
وخلال وقت قصير عاد الوادي كما كان قديماً…ساكناً ، فارغاً، وكأن البشر الذين عاشوا فيه لم يكونوا سوى ظلال عابرة جاءت لتنهي أمراً واحداً فقط، هو إخراج ليلى من الوادي .
كانت تركض بين ضباب الوادي، تمسك بيد سهيلة بينما يسير آدم خلفهما بصمت. لم تعد تسمع سوى أنفاسها المرتجفة وصوت الرياح الباردة وهي تحرك الأشجار اليابسة.
أحست ليلى بالسكون المفاجئ وكأن أهل الوادي قد توقفوا عن ملاحقتها ،وحين اقتربوا من حدود الوادي توقفت فجأة.
كان الساحر هناك، واقفاً وسط الضباب هادئاً بشكل مرعب ، كأنه كان ينتظرهم منذ البداية. لم يتحرك ، لم يقترب ، فقط رفع رأسه ببطء نحو الطفلين وتمتم بكلمات غير مفهومة وعندها تغيّر كل شيء.
في أعلى الوادي كانت العجوز الباكية جالسة على صخرة ثابتة ، عندما وصل مالك إليها، لم تنظر مباشرة بل ضلّ نظرها معلقاً في الفراغ كأنها ترى ما حدث منذ زمن بعيد يتكرر أمامها مرة أخرى.
جلس مالك أمام العجوز فأخبرها بما قاله الساحر وعن الخطر الذي بدأ يلتف حول عائلته في الوادي ثم قال :
"أخبريني عن حالك وكيف وصلتي إلى هنا ."
بعد هذه الجملة وكأن باباً قديمًا انفتح داخل العجوز، بدأت تتكلم بصوت منخفض ، متقطع ، لكنه يحمل ثقل سنوات طويلة من الألم .
أخبرته أنها كانت في يوم من الأيام مثل ليلى ،امرأة عادية لم تستطع الإنجاب وعاشت مع زوجها في قلق وصمت حتى وصلها الحديث عن الساحر الذي في وادي الظلال وعن قدرته في تغيير المصير ، فظنت أن الحل بسيط وأن الثمن يمكن تحمله .
قالت إنها ذهبت إليه وقدمت له ما لم تكن تفهم عواقبه حينها، جزءًا من ذاتها شيئاً لم تدرك قيمته إلا بعد فوات الأوان
وعاشت في الوادي معتقدة أن ما أخذته كان كافياً لتغيير حياتها.