NOVELFLEX

حين يبدأ الأخذ

وادي الظلال · بقلم Yassine

مرّت خمس سنوات وبلغ آدم وسهيلة الخامسة عشرة من عمرهما، لم يعد الوادي كما كان من قبل، لم يكن التغير واضحاً في البداية بل بدأ خافتاً كخللٍ صغير في إيقاع الصمت الذي اعتاده المكان.

كبرت سهيلة وملامحها تحمل هدوءًا غريباً، عيناها تراقبان كل شيء بحذر كأنها تشعر بما لا يُقال.

أما آدم فقد تغير بشكل أعمق صار أكثر انعزالاً يقف طويلاً في أماكن لا يقف فيها أحد، يحدّق في الفراغ وكأنه يستمع لشيء لا يسمعه غيره .

في تلك الفترة بدأ أهل الوادي يلاحظون اختلافهما ، لم يكن خوفهم معلناً ، لكنه كان حاضراً في النظرات، في الهمسات ، ثم شيئاً فشيئاً تحّول ذلك الخوف إلى قسوة .

كانت الاحتكاكات بسيطة في البداية…دفعات خفيفة، نظرات حادة ، ثم تطورت إلى ضربٍ متقطع خاصة حين يبتعدان عن أنظار والديهما .

لم تكن سهيلة تردّ بل تكتفي بالصمت وعيناها تمتلئان بشيء يشبه الألم ، أما آدم فلم يكن يتكلم كان ينسحب فقط لكن الوادي لم ينسحب. 

بعد تلك الحوادث بدأت الأشياء تتغير، لم يكن هناك من يرى ما يحدث ، لكن آثاره كانت تظهر بوضوح.

طفل من أهل الوادي سقط مريضاً دون سبب، رجل استيقظ على خدوش في جسده كأنها ظهرت أثناء نومه، وأحد الأكواخ انهار فجأة في ليلة بلا رياح، لم تكن حوادث كبيرة لكنها كانت كافية لزرع الخوف، والأغرب أنها كانت تحدث دائماً بعد الإحتكاك مع أبناء مالك.                                

في إحدى الليالي خرجت ليلى وحدها لم تكن تبحث عن شيء محدد، لكن قلبها كان مثقلاً ، كأن شيئاً خفياً يدفعها بعيداً عن كوخها نحو عمق الوادي حيث يصبح كل شيء أكثر غموضاً.

كانت الرياح باردة تمرّ بين الأشجار كأنها تحمل همسات لا تُفهم ، توقفت ليلى فجأة…فقد شعرت بشيء.

هناك عند صخرة منخفضة كانت العجوز الباكية ، لم تظهر هذه المرة كظلٍ بعيد بل كانت قريبة أكثر مما ينبغي، شعرها الأبيض يغطي جزءًا من وجهها وجسدها ثابت كأنه لم يتحرك منذ زمن.

تقدمت ليلى ببطء وقلبها يخفق بقوة لكنها لم تتراجع، رفعت العجوز رأسها أخيراً ، عين واحدة فقط…تنظر والأخرى فراغ مظلم.

قالت بصوت منخفض :

"كبروا…أسرع مما ينبغي…"

تجمّدت ليلى وقالت بصوت خافت:

" أنتِ مرة أخرى ؟"

أمالت العجوز رأسها قليلاً ثم قالت :

"ما جاء به زوجك لا يكبر كبشر…" 

شعرت ليلى ببرودة تسري في جسدها ، لكنها تماسكت :

"إنهما أطفالي أيتها العجوز."

صمتت العجوز لحظة، ثم ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح :

" أطفال…!"

رفعت يدها المرتجفة وأشارت نحو كوخ ليلى البعيد :

"لا تتعلقي …"              

سادت لحظة صمت ثقيلة قبل أن تضيف :

"التعّلق هو أول ما يؤخذ منك."

ارتجف صوت ليلى :

"أنا أمّهما…كيف لا…؟"

قاطعتها العجوز بصوت أقوى هذه المرة :

"كنت مثلكِ."

اقتربت العجوز قليلاً وعينها الوحيدة تلمع بشيء من الحزن وقالت :

"حين يبدأ الأخذ …

لن يؤخذ منهم…

بل منكِ."

تراجعت ليلى خطوة إلى الخلف و أنفاسها تتسارع ، وقلبها يرفض ما تسمعه:

"أنتِ لا تعرفينهم…"

ابتسمت العجوز ابتسامة باهتة وقالت :

"الوادي يعرفهم."

ثم اختفت في ظلال الوادي ، وقفت ليلى وحدها في صمت الوادي لكن شيئاً في داخلها لم يعد كما كان .

عادت ليلى ببطء نحو الكوخ، خطواتها مترددة كأن الأرض لم تعد مألوفة تحت قدميها. 

رفعت باب الكوخ بهدوء.

كان مالك في الداخل على كرسيه الخشبي، رفع رأسه فور دخولها وقال :

"تأخرتِ."

صوته لم يكن هادئاً لكنه لم يكن عادياً.