لكن الحقيقة بدأت تنكشف ببطء، زوجها لم يتحمل المكان ولم يحتمل ما يحدث فيه فحاول الهروب وأخذ ابنهما معه خارج الوادي وفي لحظة الهروب تلك تدخّل الساحر، ولم يعد الزوج أبداً .
توقفت العجوز قليلاً ثم أكملت بأن ابنها أيضاً اختفى ولم تعرف إن كان نجا أم ضاع خارج حدود الوادي لكنها لم تراه منذ ذلك اليوم.
ومنذ تلك اللحظة لم يتبقى لها سوى هذا الجبل، وهذا الصمت، وبكاء لا يتوقف كأنها تعيش في دائرة لا نهاية لها من الندم.
رفعت رأسها أخيراً نحو مالك وعيناها تحملان تحذيراً قاسياً وقالت:
"ما تعيشه الآن ليس جديداً…بل تكرار لقصة لم تنته بعد."
وما إن أنهت العجوز جملتها حتى دوى الرعد فوق الوادي بشكل مرعب، اهتزت الأرض من تحت أقدامهم.
وقفت العجوز وهي تلتفت يميناً ويساراً وتهز بيديها إلى السماء وتقول :
" أجل الصوت نفسه….! الصوت نفسه يا مالك …! زوجتك كسرت العهد."
في حدود الوادي أضاء البرق السماء للحظة ، ثم سقط ضوء هائل خلف الطفلين، مما جعل ليلى تصرخ وهي تغطي وجهها .
وعندما اختفى الضوء…
كان كل شيء قد تغير.
وقف آدم بلا حركة رأسه منخفض وأنفاسه ثقيلة بينما بدأت عروقه السوداء تظهر ببطء على رقبته ويديه.
أما سهيلة فكانت ترتجف بقوة وتضع يديها على رأسها وكأن شيئاً يمزق عقلها من الداخل.
ثم رفع الاثنان رأسيهما ببطء ، كانت أعينهما حمراء تماماً.
تراجعت ليلى خطوة وهي تبكي :
" آدم…سهيلة…انظرا إليّ…أنا أمكما.."
لكن صوتها بدا بعيداً عنهما، كأنهما لم يعودا يسمعانها.
ابتسم الساحر ابتسامة باردة ثم قال بصوت عميق اهتز له الوادي:
" الدم يعود إلى أصله "
في تلك اللحظة تحرك آدم نحو ليلى ببطء مكشراً على أسنانه التي أصبحت حادة.
صرخت ليلى وهي تبكي :
" لا…لا يا بني …!"
أما سهيلة فبقيت في مكانها ترتجف، عيناها الحمروان تمتلئان بالدموع وكأن جزءاً منها ما يزال يقاوم.
فجأة اندفع آدم بسرعة مخيفة نحو ليلى ليطرحها أرضاً محاولاً قضم عنقها ، لكن سهيلة اندفعت لتمنعه من ذلك محاولة سحبه للخلف .
كانت سهيلة تبكي وهي تدفع أخاها بعيداً بينما الساحر يقف بثوبه الأسود المتطاير نتيجة الرياح وسط الظلام نتيجة غروب الشمس وتكتل الضباب في السماء.
بدأ الساحر يتقدم نحو ليلى التي بدأت تفقد قواها وهي تزحف نحو سهيلة التي كانت في صراع مع آدم لكنه تغلب عليها وأسقطها أرضاً محاولاً تثبيتها على الأرض.
ليصل الساحر ويستخرج من تحت ثوبه خنجراً به بقع من الدم ليغرسه مباشرة في صدرها مع صرخة عالية تردد صداها في أنحاء الوادي .
بعد جملة العجوز نزل مالك من الجبل وخطواته تزداد إضراباً مع كل لحظة ، كان يمشي وكأنه يرى لم يتوقف لم ينظر خلفه، كل ما كان في ذهنه هو ليلى وأطفاله.
عند وصوله أسفل الوادي أدرك أن الوقت لم يكن في صالحه ، كان هناك صمت غير طبيعي ، لم يسمع صوت أحد مما أدى إلى سؤال نفسه :
" أين اختفى الكل .؟ "
ركض نحو كوخه وهو ينادي ويصرخ لعل وعسى أن يجيب أحد، لكن بدون جدوى، توقف مالك عند باب كوخه، أنفاسه متقطعة، وفي تلك اللحظة سمع صوتاً خلفه.
كانت العجوز، وضعت يدها على كتفه لم يلتفت لكنه شعر ببرودة تمتد على جسده.
قالت بصوت هادئ لكنه مخيف:
" تظن أنك تأخرت…لكنك وصلت في الوقت الذي كُتب لك."
التفتت مسرعة وهي تمشي بخطوات بطيئة بملامح بدأت تبهت كأنها تذوب داخل الضباب جسدها غير ثابت، كأنها ليست من هذا العالم أصلاً، ثم أضافت بصوت أعمق يحمل ثقل كل ما عاشته :
" ستفهم…حين تصبح أنت ما أنا عليه الآن."
توقفت لحظة، ثم قالت جملتها الأخيرة :
"ستكون…العجوز الباكي."
وفي نفس اللحظة لم يعد هناك أحد أمامه ،لا أثر لها فقط الفراغ والصمت الثقيل الذي عاد إلى الوادي من جديد.
وفجأة سمع مالك صرخة جعلته يلتفت نحو المكان الذي جاءت منه، ليشد على عصاه ويركض وسط الظلام الحالك .
توجهت ليلى نحو ابنتها محتضنة إياها وهي تبكي بانهيار كامل . كانت تنزف دماً أسوداً من شق في صدرها ، وكانت تنظر إلى أمها بضعف والدموع تنزل من عينيها ببطء ، قبل أن تخفت نظرتها شيئاً فشيئاً .
رفعت ليلى رأسها نحو الساحر ووجهها غارق بالدموع :
" ماذا فعلتْ ؟ "
أجاب بكل برود :
" أنتِ من فعلتِ لقد حدّرتُ زوجكِ أن لا يُخرج الطفلين من الوادي لكنه لم يصغي ."
بعدها حمل الساحر جثث سهيلة على كتفه وأمضى ليرمي الخنجر ناحية آدم مشيراً له بقتل أمه.
رفعت ليلى رأسها نحو آدم ووجهها غارق بالدموع وقالت :
" آدم…أنا أمك…"
اقترب نحوها ببطء وهو يمسك الخنجر الذي قُتلت به سهيلة .
كانت ليلى ترتجف وهي تمد يدها نحوه ، كأنها مازالت ترى طفلها الصغير داخله، وقالت بصوت منكسر:
" كنت سأضحي بروحي من أجلك…لا تفعل هذا يابني …"
لحظة قصيرة ارتجفت فيها ملامح آدم وكأن شيئاً داخله يقاتل .
لكن صوت الساحر عاد كالرعد خلفه :
" الضعف لا مكان له بين الشياطين "
تقدم آدم نحو ليلى، بينما هي كانت تجلس على ركبتها وتبكي بصمت منهك ثم همست آخر كلماتها:
" أنت لست شيطان ، أنت ابني جزء مني، وحتى الآن….مازلت أحبك "
وفي لمح البصر وجه لها طعنة في بطنها، لتتدفق دمائها على الأرض مُحدثةً بركة من الدماء البريئة.
ساد صمت ثقيل بدأت معه عاصفة من الرعد تلتها هطول الأمطار لتسقط ليلى على الأرض المبللة وعيونها تلمع نتيجة ضوء البرق في السماء .
أغلقت العاصفة كل شيء ، وبين البرق والضباب وقف الساحر يراقب النهاية بهدوء مؤشراً لآدم باللحاق به، ليختفيا معاً داخل ظلام الوادي، تاركين خلفهم أماًّ مات قلبها قبل جسدها ، ووادياً ابتلع آخر ما تبقى من الرحمة داخله.