NOVELFLEX

ما بعد التضحية

وادي الظلال · بقلم Yassine

وصل مالك متأخراً ، كانت خطواته فوق أرض حدود الوادي وقلبه يخفق بطريقة لم يعرفها من قبل، فجأة توقف وشعر بها قبل أن يلمسها.

ركع ببطء على الأرض ويداه المرتجفتين تتحسسان المكان حتى لامست أصابعه جسد ليلى البارد، في تلك اللحظة انهار شيء داخله كأن السنوات كلها سقطت فوق صدره دفعة واحدة.

اختنق صوته وهو يهمس :

" ليلى…"

ساد صمت طويل ثم خرج صوته مكسوراً :

" سامحيني…"

خفض رأسه قربها وأنفاسه ترتجف كطفل ضائع.

" أردت فقط أن أراكِ أماًّ…أردتُ أن أمنحكِ حياةً كاملة…ولم أنتبه أنني كنتُ أسلبكِ كل شيء."

شدّ يده بقوة وكأن الألم يمزقه من الداخل .

"ضحّيت بعيني…بعمري…بكل ما أملك…وفي النهاية…لم استطع حمايتك."

مرّت الرياح الباردة تحرك معها شعر ليلى قليلاً فارتجف مالك.

" كنا نظن أن التضحية تصنع المعجزات…لكننا لم نكن نعلم أن بعض الأقدار لا تهزم."

ظل طويلاً بجانبها يتحدث إليها كأنها مزالت تسمعه ، يعتذر مرة، ويبكي مرة، ويعود ليصمت كأن الكلمات لم تعد تكفي لما يشعر به .

ومع اقتراب الفجر بدأ يحفر قبرها بيديه، لم يشعر بالتعب ، ولم يتوقف كأن الألم وحده هو ما يبقيه واقفاً.

وعندما انتهى حملها بين ذراعيه للمرة الأخيرة ، برفق يشبه الخوف من أن يؤذيها حتى بعد موتها.

وضعها في القبر ثم بقي جانبه طويلاً دون حركة ثم قال:

" إن كان آدم ما يزال حياً في مكان ما داخل هذا الوادي…وإن كان ابن العجوز قد اختفى ولم يمت..فهذا يعني أن النهاية لم تأتِ بعد، هذا المكان لا يُنهي قصصه بل يخفيها فقط…ثم يعيدها من جديد مع أناس آخرين، لابد أن يأتي زوجان آخران يوماً ما يحملان نفس الألم الذي حملناه، ونفس الضعف الذي قادنا إلى هنا…وعندما يحدث ذلك سيفتح الطريق مرة أخرى، وسأجد الساحر من جديد وحينها لن. أترك هذا الوادي يبتلع أحداً كما ابتلعنا."

بعد تلك الليلة اختفى مالك من أسفل الوادي .

صار الناس إن مرّ أحد قرب المكان يوماً يرون رجلاً يجلس فوق الجبل وحيداً ، منحني الظهر ، يبكي كل ليلة دون توقف .

لا أحد يعرف اسمه.

لا أحد يعرف قصته.

لكن الوادي…

كان يعرفه جيداً.

لقد أصبح…

العجوز الباكي.

في قرية بعيدة….

خرج الزوجان من المقبرة ببطء شديد خطواتهما أثقل من أن تحملها الأرض ، كانت السماء ملبدة بالغيوم والهواء البارد يمرّ بين القبور بصوت يشبه الهمس، سارت الزوجة وهي تضم معطفها حول جسدها المرتجف ، بينما كان الزوج يسير يجانبها بصمتٍ مرهق، خلفهما بقي القبر الصغير وحيداً بين القبور القديمة…قبر لطفلٍ لم يرّ الحياة أصلاً .

توقفت الزوجة للحظة ، ثم انفجرت بالبكاء وقالت :

" حتى اسماً لم نستطع أن نعطيه إياه."

لم يعرف الزوج ماذا يقول ، فقط خفض رأسه وعيناه ممتلئتان بعجزٍ ثقيل .

وبينما كانا يقتربان من بوابة المقبرة لمحا رجلاً عجوزاً كان يجلس قرب السور الحجري أمامه طاولة خشبية صغيرة تتدلى فوقها حزم من الأعشاب اليابسة والقوارير القديمة .

لم يكن منظره غريب لكن شيئاً كان يثير القلق دون سبب واضح.

رفع الرجل رأسه ببطء عندما اقترب الزوجان ونظر إليهما طويلاً خاصة إلى الزوجة ، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة يصعب فهمها.

قال بصوت هادئ :

" هناك أماكن …تستطيع إعادة ما أخذه القدر ."

توقف الزوج ونظر إليه باستغراب ، بينما شدّت الزوجة يديها بصمت .

أخذ العجوز إحدى الأعشاب بين أصابعه ببطء ، ثم قال :

" بعض الأبواب…لا تُفتح إلا لمن فقد الأمل."

ساد صمت قصير قبل أن يرفع الرجل نظره نحو الزوج مباشرة :

" إن كنت تريد طفلاً حقاً.."

توقف للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول :

"إذهب إلى وادي الظلال…هناك من ينتظرك."

ارتجف شيء خفي داخل الزوج دون أن يفهم لماذا وشعر أنه يرى خلف العجوز ظلّ رجلٍ يقف بعيداً فوق طريقٍ ضبابي بين الجبال لكن عندما رمش بعينيه …اختفى كل شيء.

أما الزوجة فشعرت ببرودة تمرّ في جسدها كأنها سمعت الكلمات من قبل في حلم قديم.

مرّت الرياح فجأة بين القبور فتحركت الأعشاب المعلقة فوق الطاولة ، وعندما التفت الزوج للحظة نحو الطريق ثم عاد بنظره…

لم يجد أحداً هناك.

لا الرجل..

لا الطاولة…

ولا الأعشاب …

" في النهاية لم يبقّ من الحكاية سوى صمت الجبال…

وبكاء رجلٍ لم يغادره الندم."