لم تتوقف إيلارا عن الركض.
كانت الأغصان تضرب وجهها، والحجارة الحادة تغوص في حذائها، والضباب الكثيف يجعل الطريق أمامها شبه مستحيل الرؤية.
لكنها لم تجرؤ على التوقف.
كان الرجل المقنع يركض أمامها بخطوات ثابتة، وكأنه يعرف الغابة شبرًا شبرًا.
أما هي، فلم تكن تعرف حتى أين هي.
كل ما تعرفه أن منزلها احترق.
وأن خالتها كانت تحمل العلامة نفسها.
وأن رجلًا غريبًا أخبرها بأن عالمًا آخر موجود خلف عالمها.
وأكثر ما أرعبها...
أنها بدأت تصدق كل ذلك.
"توقف!"
صرخت وهي تلهث.
لم يتوقف الرجل.
"قلت توقف!"
تابعت الركض حتى أمسك بذراعها وسحبها خلف شجرة ضخمة.
وضع إصبعه أمام فمه.
"اصمتي."
حدقت فيه بغضب.
"أريد تفسيرًا."
لم يجب.
كان ينظر إلى الضباب خلفهما.
ثم سمعا صوتًا.
خطوات.
بطيئة.
منتظمة.
تقترب.
أمسك الرجل بسيفه.
همست إيلارا:
"من هؤلاء؟"
قال:
"الحرس الأسود."
"قلت هذا من قبل. من هم؟"
"رجال لا يتركون شاهدًا حيًا."
شعرت بقشعريرة.
توقفت الخطوات.
كان شيء ما يقف خلف الأشجار.
ثم ظهر ظل طويل بين الضباب.
رجل يرتدي درعًا أسود.
كان وجهه مغطى بقناع معدني، وعلى صدره رمز غريب يشبه عينًا محاطة بسبعة خطوط.
ظهر رجل ثانٍ.
ثم ثالث.
ثم رابع.
همس الرجل المقنع:
"إنهم أربعة."
قالت إيلارا:
"وهذا سيئ؟"
"إنهم أربعة فقط."
"هذا يبدو جيدًا."
نظر إليها.
"إنهم أربعة من الحرس الملكي."
ثم أضاف:
"وكل واحد منهم قادر على قتل عشرين رجلًا."
ابتلعت إيلارا ريقها.
اقترب أحد الحراس من الشجرة.
توقف.
رفع رأسه.
قال:
"أشعر بها."
تجمدت إيلارا.
الرجل المقنع أمسك كتفها بقوة.
"لا تتحركي."
أغلق الحارس عينيه.
بدأ الهواء من حوله يتحرك.
الأوراق ارتفعت عن الأرض.
وفجأة أضاءت العلامة على يد إيلارا.
شهقت.
التفت الحارس مباشرة نحو الشجرة.
"هناك!"
خرج الرجل المقنع من مخبئه بسرعة.
رفع سيفه.
اصطدم نصله بسيف الحارس، وانفجرت شرارة زرقاء.
تراجعت إيلارا.
لم تكن المعركة طبيعية.
كل ضربة من السيفين كانت تترك أثرًا من الضوء في الهواء.
تحرك الرجل المقنع بسرعة مذهلة، تفادى ضربة، ثم ضرب الحارس في صدره.
لكن الدرع الأسود امتص الضربة.
رفع الحارس يده.
خرج منها دخان أسود اندفع نحو الرجل.
قفز الرجل بعيدًا.
"إيلارا! اهربي!"
لم تنتظر.
ركضت بين الأشجار.
لكن بعد عدة خطوات توقفت.
لم تعرف إلى أين تذهب.
الغابة كانت متشابهة في كل اتجاه.
ثم سمعت صوتًا.
"إيلارا..."
توقفت.
الصوت لم يكن صوت الرجل المقنع.
كان صوت خالتها.
"إيلارا، عودي."
التفتت.
لم يكن هناك أحد.
"خالتـي؟"
جاء الصوت من بين الأشجار.
"أنا أعرف أنك خائفة."
بدأت إيلارا تتنفس بسرعة.
"أين أنت؟"
"خلفك."
استدارت.
لا أحد.
ثم سمعت ضحكة خافتة.
تراجعت.
"أنت لست خالتي."
ساد الصمت.
ثم جاء صوت آخر.
"أحسنتِ."
تجمدت.
لم يكن صوت خالتها.
كان صوت فتاة صغيرة.
خرجت من بين الأشجار فتاة ترتدي ثوبًا أبيض قديمًا.
كان شعرها أسود طويلًا، ووجهها شاحبًا.
وقفت على بعد أمتار من إيلارا.
قالت:
"بدأتِ تتعلمين."
"من أنت؟"
ابتسمت الفتاة.
"هذا السؤال لا يجب أن تسأليه هنا."
"أين أنا؟"
"في الغابة."
"أعرف ذلك."
ضحكت الفتاة.
"لا. أنت لا تعرفين."
اقتربت خطوة.
"هذه ليست غابة عادية."
نظرت إيلارا حولها.
"ماذا تقصدين؟"
قالت الفتاة:
"هذه الغابة تتذكر."
شعرت إيلارا بالبرد.
"تتذكر ماذا؟"
"كل شخص دخلها."
توقفت الفتاة أمامها.
"وكل شخص مات فيها."
ثم رفعت يدها وأشارت إلى شجرة خلف إيلارا.
كان على جذعها اسم محفور.
إلياس فالين.
تجمدت إيلارا.
"أبي..."
لم تستطع الحركة.
اقتربت من الشجرة.
وضعت أصابعها على الاسم.
كان محفورًا منذ سنوات.
لكن أسفل الاسم مباشرة كان هناك شيء آخر.
تاريخ.
قبل اثني عشر عامًا.
ثم خط آخر.
جديد.
حديث.
إيلارا فالين — لم تصل بعد.
تراجعت.
"ما معنى هذا؟"
الفتاة لم تجب.
بدأت الأشجار من حولهما تتحرك.
ليس بسبب الريح.
بل كأنها تنحني نحو إيلارا.
ثم سمعت همسات.
عشرات الأصوات.
"إيلارا..."
"إيلارا..."
"الوريثة..."
وضعت يديها على أذنيها.
"توقفوا!"
ظهر الرجل المقنع بين الأشجار.
كان الدم يغطي كتفه.
نظر إلى الفتاة.
وتغير وجهه.
"أنت."
ابتسمت الفتاة.
"مر وقت طويل."
رفع سيفه.
"ابتعدي عنها."
ضحكت.
"دائمًا تحاول حمايتها."
قال:
"لن آخذها منك."
"لأنك تعرف ما سيحدث إن أخذتها."
تدخلت إيلارا:
"كفى!"
نظر الاثنان إليها.
قالت:
"أريد الحقيقة."
ضحكت الفتاة.
"الحقيقة؟"
ثم نظرت إلى الرجل.
"هل أخبرتها من تكون؟"
سكت.
قالت:
"هل أخبرتها لماذا قتلوا والديها؟"
تغير وجه إيلارا.
"ماذا قلتِ؟"
أجاب الرجل:
"إنها تكذب."
قالت الفتاة:
"هل أخبرتها لماذا أخفتها خالتها؟"
"اصمتي."
"هل أخبرتها لماذا تحمل العلامة؟"
اقتربت إيلارا من الرجل.
"أجبني."
صمت.
قالت:
"هل كان والداي مقتولين؟"
لم يجب.
صرخت:
"أجبني!"
رفع الرجل عينيه إليها.
"نعم."
شعرت كأن الأرض اختفت تحت قدميها.
كل ما اعتقدته طوال حياتها كان كذبة.
والداها لم يموتا في حادث.
لم يكن الأمر طبيعيًا.
لقد قُتلا.
قالت:
"من قتلهما؟"
قبل أن يجيب، ارتجفت الأرض.
رفعت الفتاة رأسها.
اختفت ابتسامتها.
"لقد وجدونا."
ظهر صوت قرن بعيد.
ثم آخر.
الحرس الأسود كانوا يقتربون.
قال الرجل:
"علينا الرحيل الآن."
لكن إيلارا لم تتحرك.
"لن أذهب قبل أن أعرف الحقيقة."
قال:
"إذا بقيت هنا، لن تعيشي حتى تعرفيها."
اقترب منها.
"والدك ترك لك شيئًا."
نظرت إليه.
"ماذا؟"
أخرج من داخل عباءته مفتاحًا صغيرًا.
كان المفتاح أسود بالكامل، وفي رأسه سبعة أسنان مختلفة.
قال:
"هذا كان معه عندما مات."
أخذته إيلارا.
وفي اللحظة التي لمست فيها المفتاح، اشتعلت العلامة على يدها.
بدأت الأشجار تصرخ.
نعم...
تصرخ.
ارتفعت أصوات تشبه أنين البشر من أعماق الغابة.
ثم انشق جذع شجرة ضخمة أمامهم.
ظهر باب حجري.
لم يكن موجودًا قبل لحظات.
كان أسود، وعليه نفس الرمز الموجود على يد إيلارا.
سبعة خطوط.
فتحت إيلارا عينيها.
تذكرت الرسالة.
ابحثي عن الباب الذي لا يملك مفتاحًا.
نظرت إلى المفتاح في يدها.
ثم إلى الباب.
قال الرجل:
"هذا هو."
همست:
"الباب الذي لا يملك مفتاحًا..."
"نعم."
"لكن لدي مفتاح."
نظر إليها.
"هذا ليس مفتاح الباب."
تجمدت.
"إذن ما هو؟"
اقترب منها.
"إنه مفتاحك أنت."
فجأة دوى صوت من خلفهم.
كان الحرس الأسود قد وصلوا.
رفع الرجل سيفه.
أما الفتاة الغامضة، فقد بدأت تتراجع نحو الظلام.
قبل أن تختفي، قالت لإيلارا:
"عندما تفتحين الباب، لا تثقي بأول شخص ترينه."
ثم اختفت.
بقيت إيلارا أمام الباب.
سمعت صليل السيوف خلفها.
سمعت الرجل يقاتل.
سمعت الحرس يصرخون.
لكنها لم تعد تهتم.
رفعت يدها نحو الرمز.
ما إن لمسته حتى انفتح الباب وحده.
لم يكن خلفه ممر.
بل ظلام كامل.
ومن داخل الظلام جاء صوت رجل.
صوت تعرفه.
صوت سمعته في أحلامها منذ طفولتها.
قال:
"إيلارا..."
توقفت أنفاسها.
ثم جاء الصوت مجددًا:
"أخيرًا عدتِ."
تراجعت خطوة.
"أبي؟"
ساد الصمت.
ثم ظهر ضوء خافت في أعماق الباب.
وشخص يقف خلفه.
رجل طويل.
شعره أسود.
وجهه متعب.
وعلى رقبته العلامة نفسها.
رفع رأسه.
وقال:
"لا تدخلي."
تجمدت إيلارا.
"أبي؟"
نظر إليها بعينين مليئتين بالخوف.
ثم قال:
"لأنني لم أعد وحدي."
ومن خلفه...
فتحت سبع عيون حمراء في الظلام.
الغابة التي تتذكر
مملكة الظلال السبعة · بقلم Amor Ken