NOVELFLEX

دم يوقظ النار

حين استيقظ الجليد · بقلم kamilahmad66

نظرتُ إليه بينما كنا نسير وسط الرياح الشديدة، وقلبي يخفق من شدة التعب، وقدماي تؤلمانني بسبب الجروح التي أصابتهما.

قلتُ في نفسي: حتى إنه لم يتوقف لثانية واحدة، ولم يلتفت خلفه ولو لمرة! أنا لم أعد أحتمل... ساقاي تؤلمانني، ولم أعد أشعر بجسدي. أشعر بأنني على وشك السقوط، وكأنني أتمايل نحو الجهة الأخرى من الجبل.

هل أصرخ طلبًا للمساعدة؟ لكن... هل سيساعدني؟ أ... أنا...

انزلقت قدمي..

وفجأة، شعرتُ بيدٍ تمسك بيدي.

فتحتُ عينيّ، لأجده هو، ينظر إليّ قائلًا بحدة:

— أأنتِ حمقاء؟ لماذا لم تصرخي؟

نظرتُ إليه بحيرة، أتراه غاضبًا مني أم غاضبًا لأجلي؟

وقبل أن أتمكن من التفكير أكثر، سحبني نحوه واحتضنني بين ذراعيه.

للمرة الأولى، أشعر بهذا الدفء...

لم أصدق ما حدث. أهو حقًا ذلك الشخص نفسه؟

رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى وجهه، ثم إلى عينيه اللتين تتلألآن كزمردتين خضراوين، تشبهان أوراق الشجر حين تتسلل أشعة الشمس من بينها، فيغمرها الضوء، بينما يستريح المرء تحت ظلالها، شاعرًا بالراحة والطمأنينة.

لكن أفكاري انقطعت حين قاطعني قائلًا:

— أتظنين أن هذا هو الوقت المناسب للتفكير في مثل هذه الأمور؟

عدتُ إلى رشدي، وتساءلتُ في نفسي: هل كنتُ أفكر بصوت مرتفع؟ لم أدرك ذلك!

وفجأة، بدأت الرؤية تضطرب أمام عينيّ، وأخذ الظلام يتسلل إلى مجال بصري شيئًا فشيئًا، حتى فقدتُ وعيي.

ومع ذلك، شعرتُ وكأن أحدهم يحملني بين ذراعيه الدافئتين...

بعد لحظات، بدأتُ أستعيد وعيي.

فتحتُ عينيّ ونظرتُ حولي، لأجد نفسي داخل الكهف. لم يكن هناك شيء سوى الجليد المتجمّد الذي يحيط بالمكان.

تساءلتُ في نفسي: كيف عاش ذلك الشاب هنا؟ لكن... لقد كان متجمّدًا هو الآخر، أليس كذلك؟ فمن الذي فعل به هذا؟

رفعتُ عينيّ إلى الأمام، فوجدته جالسًا أمامي، مغمض العينين.

هل هو نائم؟

نهضتُ بهدوء واقتربتُ منه، لكنني تذكرتُ ما فعله قبل قليل.

لا أصدق أن هذا الشخص المخيف يبدو بريئًا هكذا عندما يكون نائمًا!

وبينما كنتُ غارقة في أفكاري، فتح عينيه فجأة.

تفاجأتُ من حركته المفاجئة، فتعثّرت قدماي وسقطتُ في حضنه.

يا إلهي، كم هذا محرج!

التقت أعيننا، وساد الصمت بيننا. لم يتكلم أحد، ولم يتحرك أيٌّ منا.

حاولتُ النهوض، لكنه مدّ يده ووضعها خلف ظهري، مانعًا إياي من الابتعاد، ثم قال:

— لم يصف أحدٌ عينيّ بهذه الطريقة من قبل.

نظرتُ إليه بدهشة. لم أتوقع أن يتحدث معي عن شيء كهذا.

قلتُ بتردد:

— ل... لماذا؟ إنهما جميلتان.

قال، وهو ينظر إليّ:

— جميلتان؟ ألستِ خائفة منهما؟

فهمتُ ما يقصده، فأجبته:

— قد تبدوان مخيفتين عندما تخرج منهما تلك النار الخضراء. لا أستطيع استيعاب ما يحدث حينها، لكن... لونهما جميل.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول:

— وما المفاجئ في ذلك؟ ألستِ أنتِ كذلك أيضًا؟ كيف يمكن لدمكِ أن يشفي الآخرين، ومع ذلك لا يستطيع شفاء جسدكِ بالسرعة نفسها؟

أجبته:

— هذا لأنني متعبة...

ثم ترددتُ قليلًا قبل أن أتابع:

— أ... أيمكنني أن أسألك شيئًا؟

نظر إليّ بحدة، وقال:

— وكيف تجرؤين على سؤالي؟

ارتبكتُ من نبرته، لكنني حاولتُ التماسك وقلتُ:

— لكنني لم أطلب منك سوى الإجابة عن سؤال واحد! أرجوك، لا تغضب.

ساد الصمت بيننا، ثم بدا وكأنه وافق على ان اسأله .

ترددتُ للحظة، قبل أن أطرح الأسئلة التي كانت تدور في ذهني منذ البداية:

— أخبرني، ماذا تريد مني؟ أو من دمي؟ فأنت لم تأخذ منه أي شيء حتى الآن. ولماذا كنتَ متجمّدًا في هذا المكان؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟

قال ببرود:

— ألم تقولي إن لديكِ سؤالًا واحدًا فقط؟

تجمدتُ في مكاني، وأجبتُ بارتباك:

— ها... أ... أنا...

ثم خفضتُ رأسي وقلتُ:

— لا بأس، يمكنك ألّا تجيب إن كان ذلك يزعجك.

نهضتُ محاوِلةً الابتعاد، لكنه أمسك بيدي فجأة وجذبني نحوه، ثم قال:

— أخبريني أنتِ، لماذا لم تصرخي طلبًا للمساعدة؟ لولا أنني التفتُّ إليكِ، لكنتِ ميتة الآن!

نظرتُ إليه بدهشة وقلتُ:

— ها؟ لم أكن أعلم أنك ستنقذني!

قطّب حاجبيه وقال:

— أنتِ حمقاء! اسمعي جيدًا، حياتكِ لم تعد ملكًا لكِ، بل أصبحت ملكي. لذلك، من الطبيعي أن أنقذكِ. فلا تتفاجئي.

حياتكِ لم تعد ملكًا لكِ، بل أصبحت ملكي...

ترددت كلماته في ذهني، وعادت بي الذاكرة إلى المرتين اللتين أنقذني فيهما، لكن على طريقته الخاصة.

لقد أنقذني مرتين... ومع ذلك، لم يقل لي أحدٌ من قبل إن حياتي تعنيه.

وبينما كنتُ غارقة في أفكاري، حرّك شفتيه قائلًا:

— سأجيبكِ عن سؤال واحد. دمكِ يا رين...

رفعتُ رأسي نحوه بدهشة.

رين؟

للمرة الأولى، أسمعه ينطق اسمي.

ثم تابع حديثه قائلًا:

— عندما دخلتِ كهفي واقتربتِ مني ولمستِ جسدي، بدأت طاقتي، التي قيّدها أخي، تعود إليّ. تسارعت نبضات قلبي، وعدتُ إلى هذا العالم من جديد، وبدأ الجليد يذوب عن جسدي... وكل ذلك بسببكِ.

أخوه هو من فعل به هذا؟

رفعتُ صوتي وسألته:

— وما علاقة دمي بكل هذا؟

أجابني:

— لا أعرف كيف، لكن دمكِ هو مفتاحي.

صمت للحظات، ثم قال:

— انظري إلى هاتين العينين اللتين وصفتِهما بالجمال.

اقترب من أذني، وهمس بصوت خافت:

— بسببهما، قُتلت أمي وأبي، واحترقت قريتي.

اتسعت عيناي من شدة الدهشة، ولم أستطع تصديق ما سمعته.

ثم عاد يهمس في أذني قائلًا:

— ليتكِ ظهرتِ في وقت أبكر... فأنتِ الوحيدة التي تستطيع إخماد ناري.

ماذا؟!

تسارعت الأفكار في رأسي، ولم أعد أعرف بماذا أفكر.

هل يتألم بسبب ما حدث لعائلته؟ هل هو نادم؟ أم أنه فعل كل ذلك عن قصد؟.