جلس فتى صغير إلى طاولة الطعام، ينتظر أن تنتهي أمه من إعداد الطعام.
خرجت الأم من المطبخ وهي تحمل الأطباق، ووضعتها على المائدة أمامه، ثم قالت:
— اذهب ونادِ والدك يا بني، وأخبره أن الطعام جاهز.
نهض الفتى مسرعًا، ووقف عند أسفل الدرج، ثم رفع رأسه ونادى بصوت عالٍ:
— هيا يا أبي! حان وقت الطعام!
جاءه صوت والده من الطابق العلوي:
— أنا قادم يا بني.
بعد لحظات، اجتمعوا حول المائدة وبدأوا بتناول الطعام. وما إن تذوق الفتى أول لقمة حتى رفع رأسه نحو أمه وقال بسعادة:
— طبخك لذيذ يا أمي!
ابتسمت الأم بحنان وقالت:
— يسرني أنه أعجبك، صغيري.
وبينما كانوا يتناولون الطعام، فُتح باب المنزل، ودخل أخوه الأكبر حاملًا حقيبته المدرسية بيده.
نهض الفتى الصغير فور رؤيته، واتجه إليه مرحبًا:
— أعطني حقيبتك يا أخي، سأضعها جانبًا.
ابتسم أخوه ومدّها إليه.
— شكرًا لك.
أخذ الفتى الحقيبة، لكنه ما إن استدار حتى توقف فجأة.
شعر بألم حاد يخترق عينيه.
أسقط الحقيبة وأخذ يفرك عينيه بكلتا يديه بقوة، وهو يقول بصوت متألم:
— أمي... عيناي تؤلمانني!
نهضت أمه بسرعة واقتربت منه، ثم أمسكت بذراعيه برفق.
— لا تفركهما يا بني... دعني أرى.
أبعد الفتى يديه ببطء.
وفتح عينيه.
وفجأة...
اندلعت منهما ألسنة من النار.
صرخت أمه، لكن النيران التهمتها في لحظة، وامتدت إلى والده ثم إلى أرجاء المنزل. تصاعد اللهب في كل مكان، واختفت دفء اللحظات السابقة خلف جدران من النار والدخان.
وقف الفتى وسط الحريق عاجزًا عن الحركة، يحدق أمامه في رعب.
ثم التفت نحو أخيه.
كان أخوه واقفًا وسط الدخان، ينظر إليه بوجه غارق في الألم.
وقال بصوت ظل يتردد في أذنيه:
— بسببك فقدنا والدينا...
توقفت أنفاس الفتى.
— أنت السبب.
فتح الشاب عينيه فجأة.
انتفض من نومه وهو يلهث، والعرق يتصبب من وجهه رغم البرد القارس داخل الكهف.
ظل ساكنًا للحظات، ثم وضع يديه على عينيه وقال بصوت خافت:
— كان حلمًا...
أنزل يديه، وحاول أن يستعيد هدوءه.
لكنه سرعان ما لاحظ شيئًا.
نظر إلى المكان من حوله وقال:
— لكن... أين ذهبت تلك الفتاة؟
نهض وراح يبحث عنها داخل الكهف، إلا أنه لم يجد لها أثرًا.
خرج نحو مدخل الكهف، فوجدها جالسة في الخارج أمام كومة صغيرة من الحطب، تحاول إشعالها دون جدوى.
كانت الرياح قد هدأت، لكن الهواء بقي شديد البرودة، ولم تكن رين ترتدي سوى ثوبها الأبيض الطويل.
التفتت إليه عندما شعرت بوجوده خلفها.
نظر إلى ما تفعله وسأل:
— ماذا تفعلين؟
نظرت إليه باستغراب.
— ألا ترى؟ أحاول إشعال النار، لكن الأمر لم ينجح... لا أجيد إشعالها.
قال باقتضاب:
— ابتعدي.
ابتعدت رين قليلًا.
رمش الشاب بعينيه، فانطلقت شرارة صغيرة أشعلت الحطب في لحظة.
اتسعت عينا رين، ثم ابتسمت وهي تمد يديها نحو دفء النار.
— شكرًا لك. أستطيع الآن تدفئة يديّ وقدميّ.
نظر إليها للحظات، ثم قال:
— لماذا ترتدين ملابس كهذه؟ لن تحميك من هذا البرد.
نظرت إليه رين وقالت:
— وأنت أيضًا لا ترتدي الكثير من الملابس.
أجابها بهدوء:
— البرد لا يؤثر فيّ.
ساد الصمت بيننا.
بقيت تحدق في النار، إلى أن سمعت صوته مجددًا:
— هل يكرهونك؟
توقفت للحظة.
شعرت بألم يعتصر قلبي، وامتلأت عيناي بالدموع رغم محاولتي منعها. هززت رأسي ببطء وقلت:
— أجل... وهؤلاء الرجال الذين قتلتهم... كانوا أعمامي. أرادوا قتلي لأنني هربت من القرية. وحتى والداي يكرهانني... إنهما يحبان أخي أكثر مني، لأنني لم أعد أطيعهما كما كنت أفعل.
نظر إليّ وسأل:
— أيرغبان في دمك؟
هززت رأسي بالإيجاب.
ظل صامتًا لوهلة، ثم قال:
— أنت حمقاء.
رفعت رأسي نحوه بانزعاج.
— توقف عن مناداتي بالحمقاء!
قال ببرود:
— لكنك فعلًا حمقاء. كنت تدافعين عنهم.
قلت مندفعة:
— لأنهم عائلتي!
توقفت للحظة، وشعرت بصوتي يرتجف.
— كنت آمل أن يتغيروا... كنت آمل أن يفكروا بي ولو للحظات. أنا... أنا أحبهم.
ظل الشاب يحدق بي طويلًا.
لم أستطع فهم ما كان يدور في ذهنه، إلى أن قال أخيرًا:
— على أي حال... أنت لم ترتكبي أي ذنب.
رفعت رأسي إليه بدهشة.
لم أتوقع أن أسمع كلمات كهذه منه.
لكنه لم يقل شيئًا آخر، بل استدار وعاد إلى داخل الكهف.
بقيت أنظر إلى ظهره وهو يبتعد.
ربما... ليس كما أظن.
ثم تذكرت حالته عندما استيقظ.
لكن لماذا كان يتصبب عرقًا؟ ألم يكن نائمًا؟ هل رأى حلمًا مزعجًا يا ترى؟
نهضت بعد لحظات، ودخلت خلفه.
وجدته واقفًا وسط الكهف أمام كومة الحطب الأخرى التي كنت قد جمعتها سابقًا. وما إن اقتربت حتى أشعلها من دون أن أطلب منه ذلك.
بقيت أنظر إليه، ثم قلت:
— أخبرني، أرجوك... لماذا يبدو عليك كل هذا الحزن؟ أشعر أنك مررت بالكثير أيضًا.
لم يجب.
تابعت:
— ما الذي حدث لك؟
ظل صامتًا للحظات، ثم قال:
— ليس من شأنك.
عبارتان اختصر بهما كل شيء.
كم هو غريب حقًا... وعلى الرغم من قسوة قلبه، فإنه يبدو لطيفًا أحيانًا.
وفجأة، قطع الصمت صوت قرقرة معدتي.
تجمدت في مكاني، وشعرت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهي.
التفت إليّ.
قلت متلعثمة:
— أنا... لم آكل منذ أيام.
لم يقل شيئًا.
تحرك نحو خارج الكهف وكأنه لم يسمعني.
نظرت خلفه باستغراب.
— إلى أين؟
لم يجب.
وجدت قدميّ تسيران خلفه من دون أن أدرك.
بعد مدة، وصلنا إلى نهر جارٍ تحيط به الثلوج. كانت الأسماك تقفز فوق سطح الماء بين الحين والآخر، ثم تعود إلى التيار.
اقترب الشاب من حافة النهر، وانحنى واضعًا يديه في المياه شديدة البرودة.
أغمض عينيه.
راقبته باستغراب.
وفجأة، تحركت يده بسرعة.
أخرجها من الماء ممسكًا بسمكة تتخبط بين أصابعه.
اتسعت عيناي بدهشة.
وقبل أن أقول شيئًا، رماها نحوي.
صرخت وتراجعت خطوة:
— ما خطبك؟!
قال ببرود:
— طعامك.
حدقت فيه للحظات، ثم نظرت إلى السمكة.
أكان... يفكر بي؟
مر بعض الوقت.
جمعت قليلًا من الحطب قرب النهر، وأشعل هو النار لي، ثم جلست أشوي السمكة فوقها.
وبينما كنت آكل، نظرت إليه.
كان متكئًا على جذع شجرة قريبة، مغمض العينين بصمت.
قلت:
— شكرًا لك على الطعام.
لم يجب.
عدت إلى طعامي، بينما بقي هو ساكنًا.
لكن خلف ذلك السكون، عادت صورة الحلم إلى ذهنه.
النيران...
صرخات والديه...
ثم صوت أخيه.
بسببك فقدنا والدينا...
أنت السبب.
فتح عينيه فجأة.
تسارعت أنفاسه، وبدأ العرق يظهر على جبينه من جديد.
توقفت عن الأكل ونظرت إليه.
— ما الخطب؟ هل هناك ما يزعجك؟
نظر إليّ وقال:
— ليس من شأنك.
نهضت من مكاني.
— بل هناك شيء يؤلمك.
لم يجب.
اقتربت خطوة وقلت:
— أهو متعلق بماضيك؟ أخبرني... من الذي حبسك داخل ذلك الكهف الجليدي؟
ترددت قليلًا قبل أن أسأله:
— أهو... أخوك؟
رفع رأسه نحوي فجأة.
رمقني بنظرة غاضبة، وبدأ وهج النار يلمع داخل عينيه.
قال بصوت حاد:
— لقد قلت إنه ليس من شأنك.
تراجعت خطوة ولم أقل شيئًا.
ثم تمتمت بين شفتيّ:
— يا لك من أحمق...
التفت إليّ فورًا.
— ماذا قلتِ؟
رفعت رأسي بسرعة.
— لم أقل شيئًا.
ظل ينظر إليّ للحظة، ثم استدار وقال:
— هيا، لنغادر.
رمشت باستغراب.
— إلى أين؟ ألن نعود إلى الكهف؟
— كلا. أصبح مكانه معروفًا.
توقفت.
— ماذا؟ ومن يعرف مكانه؟
قال وهو ينظر بعيدًا:
— عما قريب... ربما سيجدونه.
صمت لحظة، ثم أضاف:
— أو سيجدونني.
حدقت فيه.
ماذا؟ هل هناك من يبحث عنه؟
قلت:
— أنا كنت مطارَدة، لكنني لم أعلم أنك مطارَد أيضًا.
لم يجب عن سؤالي، واكتفى بقوله:
— قلت لنذهب. هيا يا رين.
مشيت خلفه خطوة، ثم توقفت.
التفت إليّ.
— ماذا؟
نظرت إليه وقلت:
— أحيانًا تناديني باسمي... وهذا يسرني أكثر من مناداتك لي بالحمقاء.
رفع حاجبه قليلًا، فتابعت:
— لكنك تعرف اسمي، بينما أنا لا أعرف اسمك.
قال بلا مبالاة:
— وماذا في ذلك؟
— أخبرني... ما اسمك؟
صمت.
انتظرت إجابته، لكنه قال بعد لحظات:
— لنذهب يا رين. ليس مهمًا.
شعرت بالانزعاج.
— بل هو مهم بالنسبة إليّ!
توقف.
ثم التفت نحوي ببطء.
التقت عيناه بعينيّ، وبقي صامتًا طويلًا.
للحظة، شعرت أنه سيتكلم أخيرًا.
فتح شفتيه...
لكن صوت خطوات غريبة قطع اللحظة.
التفتنا معًا.
كان ثلاثة رجال يقفون على مسافة منا، يرتدون معاطف سوداء طويلة.
ثبتوا أنظارهم على الشاب.
تغيرت ملامحه فور رؤيتهم.
تقدم أحد الرجال خطوة، وقال:
— لقد وجدناك أخيرًا.