كان ظلام الليل يلفّ المكان، بينما ينساب ضوء القمر الساطع فوق الثلوج، فيجعل بياضها يلمع وسط البرد القارس.
كانت رين تسير بصعوبة، تتعثر خطواتها الواحدة تلو الأخرى، حتى خانتها قدماها فجأة وسقطت على الأرض.
رفعت رأسها ببطء وهي تحاول التقاط أنفاسها، ثم حرّكت عينيها نحو الأعلى.
كان هناك شخص يقف أمامها، يرتدي رداءً أحمر، ممتطيًا حصانه تحت ضوء القمر.
اتسعت عينا رين قليلًا، وتمتمت بصوت خافت متقطع:
— هذا... أنت...
وما إن أنهت كلماتها حتى أُغلقت عيناها، وغابت عن الوعي.
في عمق الظلام، فتحت رين عينيها لتجد نفسها واقفة في مكان غريب.
كان أهل قريتها يحيطون بها من كل جانب.
تراجعت خطوة إلى الخلف، قبل أن ترى والدها يشق طريقه بينهم ويتقدم نحوها.
ابتسم لها ومدّ يده قائلًا:
— رين، ابنتي العزيزة... أعطيني القليل من دمك، حتى تعود إليّ قوتي وأصبح كما كنت في شبابي.
شهقت رين، ثم سمعت صوتًا آخر يناديها من الخلف.
استدارت بسرعة.
كانت والدتها.
اقتربت منها وهي تقول:
— أعطيني من دمك يا رين... أريد أن يتجدد شبابي.
ثم جاءها صوت ثالث.
— يجب أن تكوني فخورة يا رين.
التفتت، فرأت أخاها بين الجموع.
تابع وهو ينظر إليها:
— أنتِ تقدمين حياتك من أجلنا.
وفجأة، امتدت الأيدي نحوها من كل مكان.
والدها.
والدتها.
أخوها.
وأهل القرية جميعًا.
أحاطوا بها حتى شعرت رين بأن الهواء نفسه قد اختفى. حاولت الصراخ، لكن صوتها لم يخرج.
وضعت يديها على عنقها وهي تحاول التنفس.
من...؟
من سيساعدني؟
وفجأة، ظهر في ذاكرتها وجه ذلك الشاب.
فتحت عينيها وسط الجموع...
فرأته.
كان واقفًا بعيدًا، يراقبها بصمت.
مدّت رين يدها نحوه بكل ما بقي لديها من قوة وصرخت:
— أرجوك! ساعدني!
نظر الشاب إليها للحظات، ثم مدّ يده.
أمسك بيدها وبدأ يسحبها نحوه، بينما تشبثت بها عشرات الأيدي من الخلف.
صرخت رين وهي تحاول الإفلات منهم:
— اتركوني! أنا لم أفعل شيئًا! اتركوني!
فتحت رين عينيها فجأة.
شهقت بقوة وهي تحاول الحركة، لكنها شعرت بشيء يمنع ذراعيها وساقيها.
نظرت حولها بارتباك.
كانت في قريتها.
وكان جسدها مربوطًا إلى عمود خشبي أمام حديقة منزلها في وسط القرية، وقد قُيدت يداها وقدماها بإحكام.
— أنا... كيف وصلت إلى هنا؟
ثم عادت إليها آخر صورة رأتها قبل أن تفقد وعيها.
ذلك الشخص ذو الرداء الأحمر.
رفعت صوتها:
— أخي ليو! من أحضرني إلى هنا؟!
فُتح باب المنزل.
خرج ليو وتقدم نحوها، ثم وقف أمامها بوجه بارد.
قال:
— أنتِ تستحقين هذا.
تجمعت الدموع في عيني رين.
— ماذا أستحق؟! أنا... ليس ذنبي أنني وُلدت مختلفة!
وفي تلك اللحظة، خرجت والدتها من المنزل.
كانت تضع إحدى يديها على خدها وهي تبتسم، بينما تحمل في يدها الأخرى سكينًا صغيرة وكأسًا شفافًا.
اقتربت من رين حتى وقفت بجانبها.
— ابنتي العزيزة...
حدقت رين فيها بقلق.
— أ... أمي؟
مررت والدتها أصابعها على وجهها وقالت:
— ألا ترين هذه التجاعيد التي بدأت تظهر على وجهي؟ مستحضرات التجميل لم تعد تنفع معي.
رفعت عينيها نحو رين وابتسمت.
— لا شيء ينفع مثل دمك. إن شربت منه القليل، فسأحافظ على شبابي.
صمتت رين.
أخرجت أمها السكين.
ثم جرحت ساق ابنتها ووضعت الكأس تحت الجرح حتى بدأ الدم يتجمع داخله.
ارتجف جسد رين من الألم، لكنها لم تصرخ.
اكتفت بالنظر إلى والدتها، ثم قالت بصوت مكسور:
— أمي...
لكن والدتها لم تبدِ أي اهتمام بألمها.
مرت ساعتان.
اشتد برد الليل، وبقيت رين وحدها في الخارج، مقيدة إلى العمود.
كانت ساقها مصابة، والجرح السطحي على خدها لم يلتئم بعد.
انسابت دمعة من عينها.
عندها خرج والدها من المنزل ممسكًا بيد زوجته.
قالت الأم:
— سنذهب في رحلة إلى القرية المجاورة يا عزيزتي.
وأضاف والدها:
— سنعود بعد ثلاثة أيام يا ابنتي. أحسني التصرف في غيابنا.
التفتت الأم إلى زوجها وقالت:
— لا تقلق. وهي هكذا لن تستطيع الهرب من هنا، كما أن ليو في المنزل نائم.
ثم غادر الاثنان.
لم تنطق رين بكلمة واحدة.
راقبتهما حتى اختفيا في الظلام.
مر بعض الوقت.
كانت امرأة من أهل القرية تسير في الطريق وهي تحمل كيسًا من الأدوية، وما إن وقعت عيناها على رين حتى سقط الكيس من يدها.
ركضت نحوها بسرعة.
— أهذه أنتِ؟! لقد عدتِ إلينا أخيرًا!
نظرت رين إليها بصمت.
قالت المرأة بلهفة:
— ابني يعاني من الزكام. إنه مريض يا رين!
أجابت رين بتعب:
— لكن... باستطاعتك إعطاؤه بعض الأدوية التي وصفها الطبيب.
انحنت المرأة والتقطت حجرًا من الأرض.
ثم خدشت به ساق رين حتى سال الدم.
شهقت رين من الألم.
بدأت المرأة تجمع قطرات دمها وهي تقول:
— لكن دمك يستطيع شفاء أي شيء، وبسرعة! في اللحظة نفسها التي نشرب فيها منه! وليس هذا فقط... إنه يمتلك خصائص أخرى رائعة.
حدقت رين فيها، غير مصدقة ما تسمعه.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— لكن... ألا يفكر أحد فيّ؟
صمتت للحظة قبل أن تنخفض نبرتها.
— أنا أتألم... حقًا.
لكن المرأة أخذت ما أرادت وغادرت.
ولم تكن الأخيرة.
في تلك الليلة، كل من مرّ بالقرب من رين من أهل القرية أخذ شيئًا من دمها.
جرح بعد جرح.
خدش بعد خدش.
حتى امتلأ جسدها بالآثار.
ثم، بعد وقت طويل، عمّ الهدوء أخيرًا.
لم يبقَ في الخارج سوى رين.
رين وجسدها المنهك.
لم تكن الخدوش هي أكثر ما يؤلمها.
رفعت رأسها نحو السماء.
كان القمر يضيء وجهها، بينما امتلأت عيناها بالدموع.
لم تعد تحتمل.
صرخت بأعلى صوتها:
— ليساعدني أحد!
ترددت صرختها في أرجاء القرية.
— أي أحد...!
خفضت رأسها بيأس.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاءها صوت من خلفها:
— ها أنتِ تطلبين المساعدة مرة أخرى.
تجمدت رين.
رفعت رأسها بسرعة والتفتت نحو مصدر الصوت.
اتسعت عيناها.
كان هو.
الشاب الذي رأته في الكهف.
قالت بدهشة:
— كيف عثرت عليّ؟ بل... هل كنت تبحث عني؟
اقترب منها بخطوات هادئة.
— نعم.
توقف أمامها.
— فلديكِ ما أحتاج إليه.
حدقت فيه رين لثوانٍ، ثم ظهرت على وجهها ابتسامة ساخرة حزينة.
— ماذا؟ أنت أيضًا؟
قطب الشاب حاجبيه.
— أنتِ حمقاء.
وفجأة، أدار نظره إلى الجانب.
كان رجل عجوز يقترب منهما، يحمل سكينًا وإناءً صغيرًا.
قال العجوز:
— من أنت أيها الشاب؟ أنا أتيت قبلك. أريد بعضًا من دمك يا رين، فحفيدي مريض قليلًا و—
لم يكمل جملته.
فتح الشاب عينيه الخضراوين.
برق داخلهما لهيب أخضر.
وفي لحظة، اندفعت النيران نحو الرجل العجوز.
صرخت رين بذعر:
— ماذا فعلت؟! لماذا؟!
نظر إليها الشاب.
— أنتِ حمقاء حقًا.
صرخت بغضب:
— اصمت! لماذا فعلت ذلك؟!
أجاب ببرود:
— أنا أساعدك.
— لا أريد مساعدتك! أنت قاتل!
صمت الفتى للحظة.
ثم رفع نظره نحو القرية.
— سأحرق هذه القرية.
اتسعت عينا رين.
— لا تفعل! أرجوك!
نظر إليها.
— ولماذا؟
— لأن هناك أناسًا أبرياء هنا! هناك أطفال لا ذنب لهم!
تنهد الشاب بضيق.
— الكلام معكِ متعب.
وفجأة، أضاء اللون الأخضر في عينيه مرة أخرى.
انتشر اللهيب بين من حاولوا الاقتراب منه في القرية، وتعالت الصرخات.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب المنزل.
خرج ليو مترنحًا من النوم وهو ينظر حوله بصدمة.
— ماذا حدث؟ ما هذا؟!
التفت إليه الشاب فورًا.
رفع يده، واشتعل بريق عينيه.
صرخت رين:
— توقف!
نظر إليها.
كانت تبكي.
— توقف، أرجوك! انظر ماذا فعلت! على الأقل... اترك أخي! أرجوك!
ثم قالت بسرعة:
— سأفعل أي شيء تريده!
سكنت عينا الشاب.
حدق فيها طويلًا.
— سمعت ذلك من قبل.
اقترب منها قليلًا.
— قلتِ إنك ستفعلين أي شيء أريده، ثم هربتِ.
هزت رين رأسها بسرعة.
— لا! أنا صادقة هذه المرة! في المرة السابقة... أنت من أراد قتلي!
التفت إليها بكامل جسده.
— اسمعي جيدًا.
ساد الصمت.
— حياتكِ ملكي من الآن فصاعدًا.
توقفت دموع رين للحظة من شدة الصدمة.
تابع:
— أنتِ من قلتِ إنك ستفعلين أي شيء أريده. وهذا يعني أنه حتى إن أردت قتلك، فلا يحق لكِ الهرب مني.
انخفض رأس رين.
ثم قالت وهي تبكي:
— حسنًا...
ارتجف صوتها.
— أنا آسفة. لن أهرب منك ثانية... فقط دع أخي يذهب.
كان ليو قد فقد وعيه من شدة الصدمة، وسقط على الأرض.
نظر الشاب إليه، ثم أعاد نظره إلى رين.
اقترب من العمود.
اشتعل اللهب الأخضر للحظة، فأحرق القيود التي كانت تمسك بيدي رين وقدميها دون أن يمس جسدها.
تحررت رين.
انهارت جالسة على الأرض.
رفعت عينيها نحو قريتها، والدموع تملؤهما.
ظل الشاب واقفًا بجانبها ينظر إليها بصمت.
مرت لحظات طويلة لم يقل فيها أي منهما شيئًا.
ثم استدار الشاب وقال:
— هيا.
نظرت رين إليه.
ثم تابع قائلا
— لنغادر.
مسحت رين دموعها بيد مرتجفة.
ثم نهضت ببطء...
وسارت خلفه.