NOVELFLEX

رماد في الجليد

حين استيقظ الجليد · بقلم kamilahmad66

المشهد الثالث

التفتت الفتاة خلفها بسرعة، وما إن وقعت عيناها على الرجال حتى اتسعتا بصدمة.

قالت وهي تتراجع خطوة: — كيف... كيف عثرتم عليّ؟

نظر الفتى إليها للحظة، وردّد الاسم في نفسه باستغراب:

«رين...»

ثم رفع عينيه نحو الرجال الواقفين عند مدخل الكهف، وقال بصوت بارد: — كيف تجرؤون على دخول كهفي؟

تقدّم أحد الرجال الكبار في السن قليلًا وقال: — هذه الفتاة تنتمي إلينا.

رمقه الفتى بنظرة خالية من الاهتمام، ثم قال: — وما شأني أنا بها وبكم؟ هيا، اخرجوا جميعًا من هنا قبل أن أجعلكم رمادًا.

اشتعل الغضب في وجه أحد الرجال، وكان متوسط العمر، يتدلّى حبل غليظ من خصره. أمسك بالحبل وصاح: — كيف تجرؤ على التحدث إلينا بهذه الطريقة؟!

لكن كبيرهم رفع يده، فأسكته قبل أن يتقدم أكثر.

— لا بأس.

ثم وجّه نظره إلى رين وقال بصرامة: — هيا يا رين، تعالي إلى هنا.

هزّت رين رأسها بسرعة، والخوف يملأ عينيها. — لا... لن آتي معكم. أنا لم أفعل شيئًا!

تغيّرت ملامح الرجل وقال ببرود: — بل ستأتين. أنتِ يجب أن تموتي. لقد تسببتِ في الكثير من المشاكل.

وتقدّم نحوها خطوة واحدة.

في اللحظة نفسها، تحرك جسد رين قبل أن تتمكن حتى من التفكير. ركضت بسرعة واختبأت خلف الفتى الشاب، ممسكة بطرف ثوبه.

توقف الرجل وحدّق في الفتى. — ابتعد عنها، وإلا قتلتك معها.

نظر إليه الشاب باستغراب، ثم ألقى نظرة جانبية على رين المختبئة خلفه. — ماذا؟ فتاتكم هي من اختبأت خلفي، لا شأن لي بالأمر.

صمت للحظة، ثم أضاف: — لكن... ألم تهددها بالقتل قبل قليل؟

أدار رأسه قليلًا نحو رين وقال: — رين، هل هؤلاء يريدون قتلك؟

رفعت رين وجهها إليه. كان الخوف واضحًا في عينيها، وصوتها يكاد يرتجف وهي تقول: — أرجوك... اجعلهم يغادرون. اجعلهم يتركونني وشأني ولا يعودون لمطاردتي أبدًا. أبعدهم عني، وأنا... سأفعل أي شيء تريده.

حدّق الفتى فيها لثوانٍ.

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.

— حقًا؟

أومأت رين بسرعة.

فالتفت إلى الرجال وقال: — إذن سأجعلهم يتركونك... إلى الأبد.

تغير وجه كبير الرجال وصاح: — كيف تجرؤ؟! من تظن نفسك؟!

أجابه الفتى بهدوء مخيف: — سأريك من أكون.

ثم رفع يده الفارغة نحوهم.

— أخبرتكم أن تغادروا، ولم تفعلوا. الآن... لن يفيدكم الندم.

ساد الصمت للحظة.

رفع الفتى عينيه.

وفجأة، لمع بريق غريب في عينيه الخضراوين، ثم أخذتا تتوهجان بضوء أخضر ساطع.

تراجع الرجال مذعورين.

لكن الأوان كان قد فات.

انطلق الضوء نحوهم، وفي اللحظة التي لامسهم فيها اشتعلت أجسادهم بنيران خضراء مرعبة.

تعالت صرخاتهم داخل الكهف، وارتطم صداها بالجدران الجليدية بينما راحت ألسنة اللهب تلتهمهم بسرعة.

تبسمّرت رين في مكانها، عاجزة عن استيعاب ما تراه.

ثم خانتها ساقاها فسقطت على الأرض.

— مـ... ما هذا؟!

بعد لحظات، خمدت النيران.

لم يبقَ من الرجال سوى الرماد.

التفت الفتى إلى رين، ثم سار نحوها وجلس أمامها بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.

— لقد أبعدتهم عنك إلى الأبد. هذا ما أردتِه، أليس كذلك؟

حدقت رين فيه، وشفتاها ترتجفان. — لكنني... لم أقصد أن تقتلهم! و... و...

مال برأسه قليلًا. — و؟

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت: — وبهذه الطريقة البشعة!

رفع الفتى حاجبه باستغراب. — بشعة؟

ثم قال ببرود: — لا بأس. يمكنني أن أحرقك بنيراني أيضًا إن أردتِ. سيكون الأمر سهلًا، ولن يستغرق وقتًا طويلًا.

اتسعت عينا رين.

حدقت فيه للحظة غير مصدقة ما سمعته، ثم دفعته بكلتا يديها ونهضت مسرعة.

— ابتعد عني!

ركضت نحو مخرج الكهف، واختفى صوت خطواتها شيئًا فشيئًا في الممرات الجليدية المظلمة.

بقي الفتى مكانه يراقبها وهي تبتعد.

ثم أنزل عينيه نحو أصابعه.

كان عليها أثر صغير من دم رين، علق بها عندما اقترب منها.

مرّر إبهامه فوق الدم ببطء، وظل يحدق فيه لثوانٍ.

ثم رفع عينيه نحو الطريق الذي هربت منه، وتمتم:

— استطاعت هذه الفتاة... أن توقظني من سباتي.