كانت الغرفة غارقة في الظلام، إلا من ضوء القمر الذي تسلل عبر النافذة، ملقيًا بخيط فضي باهت على أرضية الرخام. وقفت ليانا في وسط الغرفة، قلبها يخفق كطبول حرب، والهواء من حولها صار أثقل، كأن الغرفة كلها تحولت إلى قبر بلا جدران.
ثم رأته.
كان يقف في الزاوية، نصف وجهه غارق في الظلال، والنصف الآخر مضاء بخيط القمر. ملامحه كأنها منحوتة من ليل أزلي؛ وسامة قاسية، عيون جمرية تشتعل في العتمة، وابتسامة غامضة لا يعرف العالم مثلها. كل حركة منه كانت تحمل شيئًا من الخطر… وشيئًا من الإغراء الذي لا يقاوم.
تقدّم بخطوة، ثم أخرى، حتى صار على بعد أنفاس منها. أحست بالحرارة تنبعث من جسده، رغم أن الظلام يلفه كالثلج. رفعت يدها بحركة لا إرادية لتمنعه، لكن صوتها خرج ضعيفًا، يرتجف:
"كيف… كيف دخلت هنا؟"
ابتسم ببرود، وقال بصوت عميق يتغلغل في عظامها:
"أنا لا أحتاج إلى الأبواب يا ليانا… يكفيني أن تريدي أن أكون هنا."
ارتجفت كلماتها وهي تهمس:
"أنت… لستَ حقيقيًا… أنت مجرد وهم."
ضحك، ضحكة قصيرة جعلت قلبها يشتعل بالخوف والرغبة في آن:
"أوه، أنا أكثر حقيقة من أي شيء عرفتيه في حياتك."
اقترب أكثر، حتى كادت تلمس صدره، وهمس قرب أذنها:
"أخبريني… هل كنتِ تفكرين بي؟"
شعرت بدمها يغلي. حاولت أن تكذب، لكن لسانها خانها، وصوتها خرج مبحوحًا:
"أنا… لا…"
رفع يده، لامس ذقنها برفق، وأجبرها على النظر في عينيه، حيث اشتعل جحيم أحمر:
"كاذبة…"
أغلقت عينيها، محاولة أن تهرب من نظراته، لكن إحساس أصابعه على بشرتها كان يسرق أنفاسها. قلبها يخفق بجنون، كل حواسها تصرخ: ابتعدي! لكن جسدها كان يهمس شيئًا آخر: اقتربي…
"لماذا… لماذا تفعل هذا بي؟" تمتمت بصوت يرتجف.
ابتسم آزر، ومال حتى لامس أنفه شعرها، يستنشق رائحتها ببطء، وكأنه يتذوق وجودها:
"لأني ملعون يا ليانا… ملعون بلعنة حرمتني من الحب، من الدفء… من النور."
تراجعت خطوة للخلف، لكن يده أمسكت بمعصمها قبل أن تتحرك. لم تكن قبضته مؤلمة، لكنها قوية بما يكفي لتجعلها تشعر بأنها ملكه.
"أتركني…" قالت، وصوتها يائس أكثر مما هو غاضب.
اقترب أكثر، حتى أحست ببرودة ظله يلتف حولها:
"أترُكك؟ بعد أن وجدتُك أخيرًا؟ بعد آلاف السنين في العدم… جئتِ أنتِ."
شهقت، وهمست:
"لماذا أنا؟"
ابتسم ببطء، عيناه تتوهجان بشيء أعمق من الرغبة… شيء يشبه الألم:
"لأن دمك يا أميرة… ليس كما تظنين."
ارتجفت كلماتها:
"ماذا تقصد؟"
اقترب أكثر، حتى صارت أنفاسه تلامس شفتيها، وهمس بصوت كالنار:
"ستعرفين… عندما تتذوق شفتيك طعم الظلال."
وقبل أن تدرك ما يحدث، كان قد مال نحوها ببطء، حتى كادت شفتاه تلامسان شفتيها. شعرت بحرارة لاهبة تجتاح جسدها، ورعشة تسري في عروقها، كأن الدم نفسه صار لهبًا. أغمضت عينيها، دون وعي، كأنها استسلمت لعاصفة كانت تحاربها منذ البداية.
لكن فجأة… قبل أن تكتمل القبلة، دوّى صوت طرق عنيف على باب الغرفة، مصحوبًا بصوت مألوف:
"مولاتي! هل أنتِ بخير؟ افتحي الباب!"
تجمدت ليانا، فتحت عينيها، لكنها لم تجد أحدًا أمامها. آزر اختفى… كما لو كان دخانًا تبخر في الهواء، ولم يبقَ سوى صدى همسته الأخيرة تتراقص في أذنها:
"سنكمل ما بدأناه… قريبًا."
اندفع الباب، ودخل رالف، وجهه يشتعل بالقلق، عيناه تجولان في الغرفة:
"سمعت صوتك… هل حدث شيء؟"
أجابت بصوت مختنق:
"لا… لا شيء يا رالف… مجرد كابوس."
نظر إليها طويلًا، يشك في كل حرف، ثم اقترب ببطء، وقال بصوت خافت:
"أقسم أنني لن أدع أحدًا يؤذيكِ… مهما كان."
لكنها لم تجبه. كانت يداها لا تزال ترتجفان، وشفتيها تحترقان بشيء لم يكتمل… بشيء جعلها تدرك أن حياتها لم تعد لها.
في زاوية الغرفة، حيث الظلام كثيف… ظهر خيط دخان أسود للحظة، ثم تلاشى.