مرت ساعات على اختفاء آزر، لكن ليانا لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، عادت تلك اللحظة إلى ذهنها؛ حين اقتربت شفتاه من شفتيها، حين لامست أصابعه بشرتها كأنها تحفر علامة لا تمحى. قلبها كان يخفق بقوة، ليس من الخوف وحده… بل من شيء آخر لم تجرؤ على تسميته.
وقفت أمام المرآة، تتأمل وجهها الشاحب، وعينيها اللتين احمرّت أطرافهما من السهر. فجأة، لاحظت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها: علامة سوداء صغيرة، تشبه نقشًا غامضًا، ظهرت على عنقها، في المكان نفسه الذي لامست فيه أصابعه!
مدت يدها لتلمسها، لكن في اللحظة نفسها، دوى صوت قوي من الخارج، كأن شيئًا ثقيلًا سقط في الباحة الملكية. أسرعت نحو النافذة، لترى مشهدًا جمد أنفاسها:
جثة حارس ملقاة على الأرض، عروق رقبته مفتوحة، والدماء تنزف في شكل دائرة غريبة مرسومة على العشب!
شهقت ليانا بصوت عالٍ، وهرعت نحو الباب، لكنها توقفت فجأة عندما ظهر أمامها رالف، وجهه يشتعل بالغضب والخوف.
"مولاتي! ابتعدي عن النافذة، لا تنظري!"
لكنه أدرك من عينيها أنها رأت كل شيء. أمسك بيدها بقوة، وقال بصوت حاد:
"لن تخرجي من هذه الغرفة، هل تفهمين؟"
سحبها إلى الداخل وأغلق الباب بإحكام، ثم التفت نحوها، وصوته ينخفض لكنه يقطر غضبًا:
"هذا ليس طبيعيًا، ليانا. هذا ليس عمل لصوص… هذه طقوس! أنا أعرف هذه العلامات."
ارتجفت، وهمست:
"طقوس؟ أي طقوس؟"
اقترب منها ببطء، وعيناه تلمعان بجدية قاتلة:
"طقوس استدعاء… طقوس شيطانية قديمة. أحدهم يحاول فتح باب إلى عالم الظلال."
شهقت ليانا، وابتلعت ريقها بصعوبة. قبل أن تنطق بكلمة أخرى، انطفأت جميع المشاعل في الممر فجأة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس. لم يترك الضوء سوى بريق العيون القلقة.
وفجأة… دوى صوت خافت في الظلام، عميق، مبحوح، كأنه يأتي من قاع الأرض:
"أنتِ السبب يا ليانا… دمك يفتح البوابات."
تجمدت في مكانها، تعرف هذا الصوت جيدًا… آزر!
صرخت بصوت مختنق:
"أين أنت؟! أظهر نفسك!"
ضحك الظل، ضحكة جعلت الجدران ترتجف:
"أنا هنا… وأنا هناك… أنا في كل مكان يلمسه الليل."
صرخ رالف بغضب، سحب سيفه من غمده، عاقدًا العزم:
"أخرج يا جبان! تعال لتقاتلني بدلًا من الاختباء!"
فجأة، اشتعلت النار في المشاعل مرة أخرى، لكن الضوء كشف عن مشهد جحيمي: الجثة التي كانت في الخارج الآن ملقاة عند باب الغرفة… وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وفمها مشوه بابتسامة مرعبة، وعلى صدرها محفور رمز شيطاني!
صرخت ليانا وتراجعت للخلف، لكن قبل أن تصطدم بالحائط، ظهر آزر من الظلال خلفها… ببطء، كأن الظلام نفسه ينساب من جسده، عيناه تقدحان جمرًا، وصوته يقطر سُمًا ورغبة:
"لا تصدقيه، ليانا… هو لا يعرف حقيقتك. لكنني أعرف… أعرف من تكونين حقًا."
أمسك رالف بيد ليانا، سحبها خلفه، موجهًا سيفه نحو آزر:
"لن تلمسها أيها الوغد."
ضحك آزر، ضحكة جعلت السيوف تبدو بلا قيمة:
"أنت لا تفهم… هي لا تخصك. هي خُلقت لي."
وقبل أن يهاجم رالف، حدث ما لم يكن في الحسبان:
آزر رفع يده، وفجأة، تجمد رالف في مكانه، كأن قوى خفية شلت جسده. سقط السيف من يده، وأحست ليانا بخوف لم تعرفه من قبل.
اقترب آزر ببطء، صوته يقطر وعدًا شيطانيًا:
"ليانا… الدم الذي يجري في عروقك ليس إنسيًا خالصًا. أنتِ النصف الآخر من لعنتي. وحدكِ تستطيعين كسرها… أو إكمالها."
صرخت:
"أنت تكذب!"
ابتسم، ثم مد يده ببطء نحو خدها، ولمس بشرتها، لتشتعل العلامة السوداء في عنقها بضوء أحمر مخيف! صرخت من الألم، وسقطت على ركبتيها.
انحنى قربها، وهمس بصوت لا يُسمع إلا في كوابيس الليل:
"اختاري، ليانا… إما أن تصبحي ملكة الظلال… أو تحترقي مع عالمك."
ثم… قبل أن ترد، اختفى في ومضة من الدخان الأسود، تاركًا صدى ضحكته في الغرفة، ورائحة كبريت خانقة.
نهض رالف ببطء، بعد أن تحرر من القيود، وارتمى قرب ليانا، يمسك بيدها بقلق جنوني:
"ماذا فعل بك؟!"
لكنها لم تجبه… كانت عيناها عالقتين على الظلام الذي تركه وراءه، وجسدها يرتجف من الألم… ومن لذة غريبة تسللت من حيث لم تتوقع.
وفي قلبها… كان صوت آزر يهمس، رغم اختفائه:
"الليلة القادمة… سنكمل العهد."