NOVELFLEX

المأساة القديمة

عهد الظلال · بقلم ذات الوشاح الاحمر

أشرقت شمس اليوم التالي على القصر الملكي، لكن ليانا لم تكن تشعر بدفء النور. جلست في شرفتها، تحدّق في الأفق البعيد، بينما النسيم العليل يعبث بخصلات شعرها الذهبي. حاولت أن تقنع نفسها أن كل ما حدث البارحة كان مجرد حلم… لكن قلبها كان يعرف الحقيقة.

لم تكن لمسة يده وهمًا. لم يكن صوته وهمًا.

ذلك الشعور الذي اجتاحها، كأن الظلام نفسه دخل عروقها… لم يكن وهمًا.

أمسكت حافة الشرفة بقوة، تحاول كبح الرعشة في أصابعها.

"ما الذي تفعله بي أيها الشيطان؟" تمتمت بصوت مبحوح.

طرق الباب فجأة، فانتفضت من مكانها. دخلت الوصيفة مارين، وهي تحمل صينية الإفطار، وانحنت احترامًا:

"صباح الخير يا مولاتي. الملك يطلب حضورك بعد قليل في القاعة الكبرى."

"أبي؟" رفعت ليانا حاجبيها بدهشة.

"يبدو أن الأمر عاجل يا سيدتي… لقد استدعى أيضًا كبير الكهنة."

كبير الكهنة؟! لم يكن ذلك يبشر بخير.

ارتدت ليانا ثوبًا بسيطًا بلون أزرق سماوي، وسارت في الممرات الطويلة، تحاول أن تهدئ دقات قلبها. كانت الجدران المذهبة تعكس ملامحها المتوترة، وأصوات الموسيقيين تتلاشى في الخلفية. كل شيء بدا مألوفًا… ومع ذلك، لم تستطع طرد الإحساس بأن الظلام يراقبها من كل زاوية.

دخلت القاعة الكبرى، فرأت والدها الملك جالسًا على العرش، وجهه مغطى بالصرامة، وبجانبه رجل مسنّ بلحية بيضاء وعباءة كهنوتية، يحمل عصًا مرصعة بالأحجار الكريمة.

"تعالي يا ابنتي." قال الملك بصوت مهيب، وأشار لها بالاقتراب.

اقتربت بخطوات مترددة، وانحنت قليلًا احترامًا.

"ما الأمر يا أبي؟ لماذا تبدو قلقًا؟"

نظر إليها طويلاً، ثم قال:

"أريد أن أسمع الحقيقة منك أولاً… هل خرجتِ من القصر الليلة الماضية؟"

تجمدت في مكانها، وارتجفت أنفاسها. كيف عرف؟ هل رآها أحد؟ حاولت أن تتماسك، وقالت:

"كنت بحاجة لبعض الهواء… لا شيء أكثر من ذلك."

ضرب الملك بعصاه على الأرض بقوة، فارتج القاعة:

"أتعلمين كم هو خطر الخروج في ليلة الكسوف؟ أتعلمين ما الذي يمكن أن يحدث؟!"

نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالغضب:

"لماذا يا أبي؟ لماذا هذا الخوف؟ إنها مجرد غابة!"

هنا تدخّل الكاهن بصوت عميق:

"ليست مجرد غابة يا أميرة النور… إنها حدود عالمين."

استدارت إليه بحدة:

"ماذا تقصد؟"

اقترب بخطوة، وعيناه الغائرتان تحفران في روحها:

"الغابة المظلمة كانت يومًا ساحة الحرب العظمى بين مملكة النور وممالك الظلال. وهناك، وُلدت النبوءة التي نخشى تحققها."

شهقت:

"أي نبوءة؟"

فتح الكاهن كتابًا عتيقًا، وأخذ يقرأ بصوت مرتجف:

"إذا اتحد قلب النور مع قلب الظلام… سيسقط التوازن، ويبتلع الجحيم الأرض والسماء."

ارتجفت أنفاسها. قلب النور… قلب الظلام… تلك الكلمات طعنتها في صميم قلبها. وكأن النبوءة وُجدت من أجلها. حاولت أن تخفي اضطرابها، لكن صوت والدها شقّ السكون:

"ليانا… أقسم أنك لن تخرجي من القصر ثانية. هذا أمر ملكي."

أطرقت برأسها، وأخفت يديها المرتجفتين خلف ظهرها، ثم تمتمت:

"كما تشاء يا أبي."

لكن في أعماقها… كان هناك صوت آخر يهمس:

"لن يمنعني أحد… لن يمنعني حتى النبوءة."

خرجت من القاعة، والدم يغلي في عروقها. وبينما كانت تعبر الممرات، التقت بالحارس الشخصي رالف. كان شابًا طويلًا، بملامح حادة، وعينين زرقاوين كالبحر. انحنى احترامًا وقال:

"مولاتي… تبدين شاحبة. هل كل شيء بخير؟"

ابتسمت ابتسامة باهتة:

"لا شيء مهم يا رالف."

لكنه لم يقتنع. منذ سنوات وهو يحرسها، يعرف كل نظرة في عينيها. هذه النظرة اليوم… لم يرها من قبل.

"ليانا…" قال بصوت خافت، كأنه يبوح بسر:

"أقسم أنني سأحميك مهما كلفني الأمر… حتى لو كان الخطر في داخلك."

نظرت إليه بدهشة، ثم ابتسمت بمرارة:

"أخشى أن هناك أشياء… لا يمكنك حمايتي منها يا رالف."

تركته ومضت، لكن رالف ظل يراقبها بعينين يشتعلان بالغيرة والخوف. كان يعلم أن هناك شيئًا تغيّر… شيئًا خطيرًا.

في تلك الليلة، جلست ليانا في غرفتها، تحدّق في الظلام الذي يزحف ببطء على الجدران. لم تستطع التوقف عن التفكير في النبوءة… وفي آزر.

"إذا اتحد قلب النور مع قلب الظلام…" همست لنفسها.

ثم ضحكت بسخرية:

"لكن قلبي… هل ما زال ملكًا للنور؟"

وفجأة… شعرت بالبرودة ذاتها، والظلام يشتد حولها. لم تكن تحلم هذه المرة. كانت مستيقظة. ثم سمعت الصوت… ذلك الصوت الذي صار يسكنها:

"أخشى أن النبوءة تتحدث عنك يا ليانا… وعنّي."

التفتت برعب، فرأته يقف في الظل، عينيه الحمراوين تتوهجان كجمرتين في عتمة الغرفة. قلبها توقف عن النبض للحظة… ثم عاد يخفق بجنون.

همس آزر بصوت كالعاصفة:

"الهروب لم يعد خيارًا يا أميرة النور… الليل طويل… وأنا عطشان لدمك."

اقترب منها، حتى شعرت بحرارة أنفاسه… وعرفت أن حياتها لن تعود كما كانت أبدًا.