NOVELFLEX

⁵ فيض المشاعر

Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋

-

.

انقشعت عتمة الليلة الطويلة وعاصفتها لتترك مكاناً لخيوط شمس الصباح الباكر،
وهي تتسلل بنعومة من بين شقوق الستائر الداكنة،
لتغزل خطوطاً ذهبية على وجهها.

فتحت عينيها ببطء،
تحاول استيعاب إن كان ما حدث ليلة أمس حلماً أم واقعاً.

لامست أطراف أصابعها مكان نومه الفارغ لتستشعر دفأه الذي منحها شعوراً بالطمأنينة مؤكداً لها صحة ما عاشته.

راحت تفكر كيف لرجل كانت تراه منذ أيام قليلة فقط مصيبة حلت بحياتها،
أن يمنحها اليوم هذا الشعور بالأمان لتنام بعمق دون وعي بما يدور حولها؟
أهو تأثير عناقه، أم ما للحب من سلطان علينا؟

لم تكد تخرج من أفكارها وتحاول النهوض للبحث عنه،
حتى وصلتها إجابة سؤالها،
من صوت مقبض الباب يلتف حول نفسه ببطء،
ليظهر من خلفه من باتت تراه محبوبها،
وهو يدفع أمامه عربة طعام صغيرة تفوح منها رائحة القهوة الساخنة،
المعجنات الطازجة، ورائحة عجة البيض التي ملأت أرجاء الغرفة.

ركن العربة بجانب السرير جالساً جوارها،
وهي تطالعه بنظرات مترقبة مصدومة مما تعيشه.

رفع يده ناحيتها يعيد خصلات شعرها خلف أذنها،
مردفاً بنبرة شجية تملؤها السعادة الظاهرة على تقاسيم وجهه قبل صوته

"صباح الخير لأميرتي الجميلة."

"ما هذا؟"

أردفت بتساؤل وهي تشير نحو عربة الطعام بعينيها، ليجيبها بينما يعدل خصلات شعرها المبعثرة من النوم، منهياً جملته بنقر أصبعه على أنفها بلطف

"فطور في السرير لمدللتي."

بقيت تقسم نظراتها بينه وبين العربة بتأثر حقيقي،
فما تعيشه الآن هو تجربتها الأولى،
وكأن ما كانت تظنه حكراً على الأفلام والقصص الخيالية قد تجسد واقعاً أمامها به هو فقط.

ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها،
ثم وقفت على ركبتيها مقتربة منه لتطبع قبلة صغيرة على وجنته،
قبل أن تنزل من على السرير وتهرول بخفة ناحية الحمام محدثة إياه

"سأغسل وجهي وأعود بسرعة."

ابتسم وهو يراقب طيفها يختفي خلف باب الحمام،
والبهجة تحتل محياه.

لم يكن يصدق هو الآخر أن تلك الجميلة باتت اليوم ملكه كما هو لها،
تركض بخفة كالفراشة أمام ناظريه.

أخذ نَفَساً عميقاً، واستنشق رائحة القهوة التي تمازجت مع عطرها الذي ما زال عالقاً بالوسائد، مستشعراً نشوة انتصار لم يذقها من قبل، انتصار حبه على عنادها.

في الداخل، وقفت أمام المرآة تتأمل وجهها.
كانت وجنتاها متوردتين بفعل الخجل والسعادة التي تجتاحها،
وعيناها تلمعان ببريق لم تعهده فيهما من قبل.

وضعت كفيها على فمها لتكتم ضحكة طفولية نبتت من أعماق قلبها.

غسلت وجهها بالماء البارد محاولة استجماع شتات نفسها، هامسةً للمرآة

"هل أنا في حلم حقاً؟".

ربتت على وجنتيها المبلولتين وجففت وجهها بسرعة لتخرج له وهي تلملم شعرها على شكل كعكة مبعثرة رفعتها للأعلى.

وجدته قد رتب السرير ووضع صينية الطعام بعناية، وجلس ينتظرها واضعاً وسادة خلف ظهرها، ليردف وهو يربت على المكان بجانبه

"تأخرتِ.. كادت القهوة تفقد صبرها وتبرد."

اقتربت بخطوات خجولة وجلست متسائلة

"أنت من صنع كل هذا؟ لا أصدق أن الرجل الصارم الذي كان لا يبتسم في وجهي طيلة الفترة الماضية يجيد إعداد عجة البيض!".

ضحك وهو يقرص وجنتيها بخفة، وسكب لها كوباً من القهوة الدافئة مردفاً

"الرجل الصارم مات ليلة أمس مع العاصفة.. من يجلس أمامكِ الآن هو رجل خلقه سحركِ ليكون فقط ما تتمنين.
تذوقي واحكمي بنفسكِ."

ناولته قطعة من المعجنات، وبدآ يتناولان الفطور وسط نظرات مغلفة بالدلال وعتب رقيق على الأيام الخوالي التي ضاعت في الخصام.
وبينما كانت تمضغ طعامها بهدوء، أخذ يراقبها بصمت ساحر، قبل أن يمسك يدها برفق محدثاً إياها بنبرة لامست قلبها

"أعلم أن البداية كانت غريبة، وأعلم أنني كنتُ مصيبة كما كنتِ تظنين.. لكنني أعدكِ،
من هذا الصباح فصاعداً، لن تكوني سوى المدللة التي لا يمسها حزن وأنا حي."

توقفت يدها عن الحركة، واجتمعت الدموع في عينيها، لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل كانت إعلان استسلام لقلبها الذي اختاره رغماً عن كل الظروف.

ارتمت في حضنه مجدداً، واختبأت بين يديه وهي تهمس

"إذاً.. سأقبل بهذا، شرط أن تصنع لي هذه العجة كل صباح."

امتزجت ضحكاتهما معاً، كما لو كان هذا العالم بلا أي مشكلات.

بعد أن انتهيا، وضع الصينية جانباً ببطء، والتفت نحوها واضعاً كفيها بين يديه الكبيرتين،
يتأمل تفاصيل وجهها وكأنه يحفظها للمرة الأولى تحت ضوء الشمس الحقيقي، مردفاً بنبرة دافئة

"بمَ تفكرين؟ أرى في عينيكِ حزن، لكنه هادئ هذه المرة."

تنهدت بعمق، وأسندت رأسها على كتفه مجيبة إياه

"أفكر في تلك الليلة التي التقيتك فيها.. كيف أصبحتَ ملجئي الوحيد.
أخاف أن أستيقظ غداً فأجد كل هذا قد تبخر،
كما أنني اشتقت حقاً لأمي ولتشانيول".

شدد من حضنه لها، وقبّل أعلى رأسها بحنو، ثم أردف بهدوء وهو يوزع قبلات هادئة على شعرها

"الخوف رحل مع ليلة البارحة ييوني. ما بيننا لم يعد مجرد مصادفة، إنه قرار.. وأنا اخترتُ أن أكون أمانكِ،
حتى لو وقفت الحياة كلها ضدنا.
أما بالنسبة لعائلتكِ، فسنزورهما قريباً عندما تكونين مستعدة أعطي الإشارة فقط وأنا تحت أمركِ."

رفعت رأسها لتنظر في عينيه، ورأت فيهما صدقاً لم تلمحه في بشر من قبل.
في تلك اللحظة، أدركت أن حياتها القديمة قد انتهت تماماً خلف ذلك الباب،
وأن كتاباً جديداً قد فُتحت صفحاته مع أول خيوط شمس هذا الصباح.

نهض من السرير ومد يده إليها مبتسماً

"هيا بنا، اليوم ينتظرنا الكثير.. سآخذكِ إلى مكان لم تزوريه من قبل، مكان يشبهكِ تماماً".

تشبثت بيده دون تردد، فقلبها يخبره أنها مستعدة للذهاب معه إلى آخر العالم، ما دام هو الدليل وهو الأمان،
دون السماح لمجرد تساؤل طفيف عن كيف غدت متعلقه به بهذه السرعة.

نهضت من السرير وهي تتشبث بيده، والشعور بالفضول يداعب دواخلها.
التفتت نحو النافذة حيث كانت أشعة الشمس قد ملأت الغرفة تماماً، وكأنها تطرد أي بقايا خوف أو تردد من روحها، وسألته بعينين تلمعان بالفضول

"إلى أين سنذهب؟ ألن تخبرني؟"

ابتسم بغموض ساحر وهو يسحبها بخفة نحو الحمام

"سر.. كل ما عليكِ فعله الآن هو أخذ حمام سريع و ارتدي ملابس مريحة، الباقي اتركيه عليّ".

اختارت ثوباً ربيعياً بسيطاً بلون دافئ فوقه سترة صوفية خفيفة، كون الطقس ما زال يميل للبرودة، نقلت خطاها تحصل على حمامها الصباحي.

تركت شعرها ينساب بحرية على كتفيها، و نزلت السلالم وخطواتها تراقص درجاته كان قد غيّر ملابسه هو الآخر وبدا حيوياً،
واختفت من ملامحه تلك الصرامة الجافة التي كانت تغلف محياه في الفترة الأخيرة،
وحلّت محلها وسامة هادئة تشع بالثقة والراحة.

طوال الطريق في السيارة، كانت يده تشبك يدها بينما الأخرى مرتكزة على عجلة القيادة.
لم تكن بحاجة لمعرفة الوجهة، فالموسيقى الهادئة التي تنساب في أرجاء السيارة،
والطرقات الممتدة المحفوفة بالأشجار والزهور البرية،
كانت كافية لتبث في نفسها سلاماً عميقاً.

توقفت السيارة أخيراً أمام تلة مرتفعة تطل على بحيرة واسعة زرقاء كالسماء، يحيط بها حقل من الورود البرية التي تتراقص مع النسمات الصباحية.
ترجل من السيارة وفتح لها الباب، لتستنشق هواءً نقياً تمازجت فيه رائحة الأرض المبتلة بالمطر مع عطر الورود.
وقفت مذهولة من جمال المنظر، وهتفت بنبرة حالمة

"ما هذا الجمال!.. كيف عرفت بهذا المكان؟"

وقف من خلفها، ولف ذراعيه حول خصرها هامساً بجانب أذنها

"كنت آتي إلى هنا كلما ضاقت بي الحياة، حين كنت أظن أنني سأعيش وحيداً للأبد.. لكنني اليوم جئت لأهبكِ مكاني السري،
ليكون شاهداً على بداية قصتنا الحقيقية، وأيضاً لأعرفكِ على أعز الأشخاص إلى قلبي بجانبكِ وجييو."

استدارت لتواجهه وعيناها يملؤهما التساؤل و الفضول لمعرفة من المقصود بكلامه.
شابك يديهما وتقدما حتى اعتليا التلة،
ليقف أخيراً بها أمام شجرة صغيرة أسفلها رخامة سوداء منقوش عليها اسم وتاريخ ولادة ووفاة سيدة،
عرفتْ أنها والدته من الصورة الموضوعة عليها بسبب الشبه الكبير بينهما.

نقلت عينيها بينه وبين شاهد القبر، لينظر لها ببسمة خفيفة قبل أن تلامس ركبته الأرض العشبية بينما يثني الأخرى،
وبدأ بمنديله القماشي يمسح شاهد القبر.

جلست جواره بوضعية القرفصاء تزيل أوراق الأشجار المتساقطة عن شاهد القبر معه، ليخرج أخيراً صوته بهدوء
بعدما أمسك بيدها الأخرى، يناظر تارة شاهد القبر ويتأمل وجهها تارة أخرى

"مرحباً أمي، أعتذر لأنني تأخرت هذه المرة في زيارتكِ.. لكني أتيت بهدية ستغفرين لي بفضلها.
أمي، أعرفكِ هذه ييون، المرأة التي جعلتني أتذوق طعم الحب كما كنتِ تتمنين لي."

كانت تستمع له بتأثر وصمت، لتكمل بعدما أومأ لها كإشارة لرغبته بمشاركتها الحديث معه

"مرحباً سيدتي... آسفة فلستُ جيدة بالحديث، وأيضاً كان لقاؤنا اليوم مفاجئاً لذا لم أحضر معي شيئاً،
لكني حقاً أريد شكركِ على إحضار بيكهيون وجييو لهذا العالم،
وأعدكِ بأنني سأكون حبيبة جيدة له وصديقة كفؤاً لجييو."

ما إن أكملت حديثها حتى استقام ممسكاً بكلتا يديها ليساعدها على الوقوف،
مردفاً بـهدوء يتأمل عيناها

"هل تستطيعين وعدها بأن تكوني زوجة جيدة لابنها وأختاً كفؤاً لطفلتها بدلاً من ذلك؟"

قطبت حاجبيها بعدم فهم لكلماته، ليركع أمامها على ركبته بينما يخرج بيمينه علبة صغيرة من جيب سترته الداخلي،
ويساره لا تزال متمسكة بيدها.
فتح العلبة مظهراً ما بداخلها من خاتم ألماسي ناعم تزينه نجوم متفاوتة الحجم بين اللونين الأبيض والبنفسجي الفاتح،
ليردف بعد صمت دام بينهما لثوانٍ معدودة

"جانغ ييون، هل تقبلين أن تكوني زوجة لي؟"

كانت تنظر إليه وإلى الخاتم بداخل العلبة بدهشة كبيرة، فهي لم تكن تتخيل حتى أن تسير الأمور بهذه السرعة،
لتومئ له عدة مرات ومقلتاها غرقتا بالدموع.
أخرج الخاتم من مكانه واضعاً إياه في بنصرها الأيمن، تاركاً قبلة على يدها،
ليستقيم بعدها يناظرها بشغف وامتنان بعد سماعه لكلماتها الصادقة

"شكراً لأنك لم تترك لظنوني السيئة مكاناً.. وشكراً لأنك جعلتني أرى العالم بهذا البهاء."

دنى قليلاً منها يواجهها دون ترك مسافة بينهما تاركاً قبلة طويلة على شفتيها جاعلاً منها جوابه،
لتبادله والابتسامة تأبى الزوال عن محياها.
أمسك يدها مجدداً وسارا بين ممرات الورود، لتستوقفه بعد مسافة قليلة مردفة بهدوء

"أولم تخبرني هذا الصباح أننا سنذهب لرؤية أمي وتشانيول ما إن أستعد؟ فلنذهب الآن،
فهما عائلتي الوحيدة وحقاً أرغب بمشاركتهما لحظاتي السعيدة هذه."

أومأ لها ماسحاً على شعرها، عاكساً طريقهما بغية العودة للسيارة.
ما إن جلسا بداخلها، التقطت هاتفه الذي يضعه في مكانه المخصص بجانب المقود محدثة إياه

"هل أستطيع إرسال رسالة إلى تشانيول لينتظرنا في المنزل مع أمي؟"

شرعت بكتابة رقمه ثم محتوى رسالتها القصيرة تلك تخبره فيها أن يذهب للمنزل كونها في طريقها إليهم،
حالما همهم لها بيكهيون موافقاً على مراسلته،
أعادت الهاتف إلى مكانه المخصص، معيدة يدها لتشابك يد الآخر حتى وصولهما.

أوقفت السيارة محركها أمام الباب المألوف، ذلك البيت الذي شهد طفولتها وتفاصيل حياتها السابقة.
ترجلت من السيارة والبهجة تكاد تطير بها، بينما لحق بها بيكهيون بخطوات واثقة،
يبتسم لمرأى حماستها الطفولية.

تشابكت أصابعهما مجدداً عند عتبة الباب، وقبل أن ترفع يدها لتقرع الجرس، فُتح الباب فجأة ليظهر من خلفه تشانيول.

لكن ملامحه لم تكن تحمل ذات الرقة المعتادة نظر إلى يديهما المتشابكتين،
ثم نقل بصره ببطء بين وجه ييون المشع ووجه بيكهيون الهادئ.
تراجع خطوة إلى الخلف مفسحاً المجال لهما بالدخول، مردفاً بنبرة جافة حاول جعلها عادية

"أهلاً بكما.. أمي في المطبخ تجهز بعض الشاي."

دخلت ييون ولم تلاحظ في غمرة سعادتها نبرة صديق عمرها المقرب، بل أسرعت نحو المطبخ لترتمي في حضن والدتها التي استقبلتها بالدموع وبعض العتاب لمغادرتهم دون وداع.
استغل بيكهيون تلك اللحظة ليلتفت نحو تشانيول، ماداً يده بوقار

"مرحباً سيد بارك.. يسعدني لقاؤك مجدداً في ظروف أفضل."

نظر تشانيول إلى اليد الممدودة لثانيتين، ثم صافحه ببرود ملحوظ دون أن تنفرج أساريره

"أهلاً بك سيد..؟"

"بيون بيكهيون."

بعد دقائق، اجتمع الأربعة في غرفة المعيشة.
ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى رنين الأكواب وهي توضع على الطاولة.

لم تطق ييون الانتظار أكثر، فرفعت يدها اليمنى لتعدل خصلة من شعرها،
متعمدة إظهار الخاتم الألماسي الذي يتلألأ تحت ضوء الغرفة، وقالت بنبرة تكاد تلتهمها السعادة

"أمي.. تشانيول.. هناك أمر نريد إخباركما به. بيكهيون طلب يدي للزواج اليوم.. وأنا وافقت."

اتسعت عينا الأم بذهول ممزوج بالفرحة لسعادة صغيرتها، ووضعت يدها على صدرها هامسة

"مبارك يا ابنتي.. مبارك لكما".

لكن الرد الذي قطع خيط السعادة في الغرفة جاء من الجانب الآخر حالما وضع تشانيول كوب الشاي الخاص به على الطاولة بقوة أحدثت صوتاً رناناً،
إستقام من مجلسه، وعيناه تشتعلان بجدية صارمة وعتاب حاد. نظر إلى ييون مباشرة متجاهلاً وجود الآخر تماماً

"زواج؟ هل تمزحين معي؟ أم أن هذه نكتة الصباح! جانغ ييون هل جننتي؟"

تلاشت الابتسامة عن وجه ييون ببطء، مستغربة ردة فعله العنيفة

"تشانيول.. ما بك؟ أنا لا أمزح، نحن جادان."

"جادان؟"

سخر تشانيول بنبرة حملت الكثير من الغضب والحرص الأخوي، والتفت أخيراً يوجه حديثه لبيكهيون بحدة

"سيد بيكهيون، مع كل احترامي لك، لكن ألا ترى أنكما تتصرفان باندفاع أعمى؟
زواج ماذا هذا الذي تتحدثان عنه؟

ييون.. أنتِ تعرفين هذا الرجل منذ فترة قليلة فقط! أسابيع تعد على أصابع اليد الواحدة! وبلقاء أول يثير الريبة.

كيف لقرار مصيري يحدد شكل حياتكِ بأكملها أن يُتخذ بهذه السرعة الجنونية؟"

حاولت الأم التدخل لتهدئة الأجواء علها تستطيع لجم غضب إبنها لكن هيهات

"تشانيول بني، اهدأ قليلاً، الحب لا يقاس بالوقت..."

قطع تشانيول حديث والدته برفق ولكن بإصرار شديد دون فسح المجال لها لإكمال جملتها

"لا يا أمي، معذرةً، لكن الأمر هنا لا يتعلق بالحب، بل بالمنطق والمسؤولية."

تنحنح بيكهيون بهدوء، وحافظ على نبرة صوته الرزينة والعميقة التي لم تخلُ من الحزم،
متفهماً تماماً الدافع وراء ثورة تشانيول، وقال وهو ينظر في عينيه مباشرةً

"أنا أحترم خوفك عليها، وفي الحقيقة.. لو كنتُ مكانك لربما اتخذتُ الموقف ذاته. لكن دعني أوضح لك أمراً الأيام التي قضيناها معاً، رغم قصرها، وضعتنا في مواقف واختبارات كشفت لنا من نكون حقاً.
الوقت ليس دائماً مقياساً لعمق المعرفة، هناك من يعيشون لسنوات تحت سقف واحد وكأنهم غرباء."

"هذا كلام شاعري وجميل يا سيد بيكهيون، لكنه لا يصلح لبناء عائلة!"

قاطعه طويل القامة بحدة، وعيناه لا تزالان تشعان بالرفض،
ثم التفت إلى ييون التي كانت تقف عاجزة عن التعبير والدموع تحتبس في عينيها.

تقدم نحوها وأمسك كتفيها بحنوه المعتاد

"ييون.. انظري إليّ. أنا لست ضد سعادتكِ، بل أنا أكثر من يتمنى أن يراكِ مستقرة ومحمية.
لكن فكري بعقلكِ قليلاً، هل سألتِ نفسكِ كيف يتصرف في لحظات غضبه؟ كيف يتعامل مع المشاكل اليومية البسيطة
بعيداً عن الرومانسية؟ أنتِ لا تعرفين عن عاداته، عن عيوبه،
ولا هو يعرف عنكِ سوى هذه الصورة المثالية التي يراها الآن.
السرعة في هذه الأمور غالباً ما تتبعها خيبات أمل كبرى، وأنا لا أريد لقلبكِ أن ينكسر."

نزلت دمعة عنيدة على وجنة ييون، فشعرت ببيكهيون يشد على يدها من الخلف مستشعرة منه القوة.

أخذت نَفَساً عميقاً، ونظرت إلى تشانيول بصدق محدثة إياه

"تشانيول... أنا أعلم أن الأمر يبدو جنونياً من الخارج، وأعلم أننا لم نأخذ وقتنا الكافي بالمعايير التقليدية.
لكنني لست مندفعة وراء وهم.

الرجل الذي يقف أمامي الآن هو نفسه الذي حماني عندما كنتُ في أمسّ الحاجة للأمان،
وهو الذي جعلني أرى جانباً من نفسي لم أكن أعرفه.
أنا لا أطلب منك أن تبارك زواجنا غداً، لكنني أطلب منك أن تثق باختياري.. وتثق بي."

"غداً؟!!! غداً؟! هل جننتم جميعاً بحق السماء!"

ألقى كلماته الغاضبة تاركاً إياهم خلفه ومغادراً المنزل.

ليْردف أخيراً بيكهيون محاولاً انتشال الأخرى من دوامة أحزانها

"سيدتي، يجب أن نذهب الآن لتجهيز بعض الأشياء لحفل الغد، سيأتي سائق خاص لأجلكِ
والسيد تشانيول سيتكفل بنقلكما إلى قاعة الزفاف."

أجابته السيدة بارك بامتنان ناقلة نظراتها لطفلتها، تربت تارة على يدها وتمسح شعرها بحنو اعتادته منها تارة أخرى

"شكراً للطفك بني... ييون صغيرتي لا تحزني، أولا تعرفين طباع ذلك الأخرق الطويل؟
كوني متأكدة بأنه سيحضر غداً بعدما تهدأ نوبة جنونه هذه، وأيضاً سأحرص على أن يسلمكِ لعريسكِ بيده."

أومأت ييون لها بخفة محتضنة إياها تودعها، بعدما نهضا للذهاب لتعيد تشابك يدها بيد الآخر.

كانت صامتة طوال الطريق، وعلى وجه التحديد بعد صراخ تشانيول في وجهها.

أعاد انتباهها لمحيطها صوت فتح الباب بجانبها، لتجد بيكهيون يقف ماداً يده ليساعدها على الخروج من السيارة،
والآن فقط لاحظت أنهما أمام متجر لخياطة الملابس الخاصة.

قطبت حاجبيها بعدم فهم محدثة الواقف بجانبها يتأمل ردود فعلها

"لماذا نحن هنا؟ أوليس من الأفضل الذهاب لمتجر فساتين زفاف جاهزة؟ فلا وقت لدينا لخياط خاص!"

"بالداخل تنتظركِ مفاجأتكِ."

ألقى كلماته ساحباً إياها بخفة خلفه حتى وطأت قدماهما أرض المتجر،
ليستقبلهما رجل يبدو في السبعين من عمره ينحني لهما باحترام، استنتجت أنه صاحب المكان.

"سيد ليم، هل طلبي جاهز؟"

أردف بيكهيون محدثاً الرجل العجوز، ليجيبه الآخر بالاحترام ذاته ناقلاً خطاه نحو غرفة جانبية

"بالتأكيد بني، سآتي به".

عاد بعد لحظات مع فتاة تبدو في أوائل ثلاثينياتها وبيده صندوق كرتوني كبير قليلاً يشبه صناديق الهدايا باللون العاجي،
واضعاً إياه على الطاولة أمام الأريكة ليخرج من داخله فستان زفاف خلاباً بأكمام طويلة من الشيفون مطرزاً عليه
زهور صغيرة جداً بذات لون القماش الأبيض،
وطيات خفيفة عند منطقة الخصر من الساتان، وتنورته من الشيفون المبطن تنتشر عليها كريستالات لامعة خلابة.

كانت تحدق بكل إنش منه وعيناها تلمعان ذهولاً، ليصلها صوت الآخر محدثاً إياها

"إذن ما رأيكِ به؟ إنه تصميم خاص ومميز لكي يكون لكِ فقط، استغرق السيد ليم أربعة أشهر لإكماله."

"إنه رائع! من صمم هذه التفاصيل حقاً فنان."

أجابته بذهول وعيناها لا تزالان تتأملان تفاصيله، ليردف ببسمة خفيفة على شفتيه مكملاً حديثه ليروي التساؤل الذي التقطه من عينيها

"شكراً لكِ حبيبتي... نعم، أنا الذي صممته. بعد لقائنا بفترة رأيت في منامي حلماً لطيفاً كان عن زفافنا وأنتِ ترتدينه،
لذا حالما استيقظت قمت برسمه وطلبت من السيد ليم تنفيذه. والآن، ألن تجربيه؟"

"أنت حقاً غير متوقع!"

أجابته بذهول وفم مفتوح مما يقول، فهي حقاً لم تكن تتخيل حتى أنه وصل لهذه الدرجة من حبه لها.

التقطت الفستان من الرجل تتبع خطوات الفتاة الأخرى لتساعدها على ارتدائه.

خرجت بعد دقائق وكانت الفتاة قد ساعدتها على رفع شعرها بكعكة تعلو عنقها ثبتت عليها خمار الفستان،
وكان الآخر من الشيفون الشفاف.

ما إن لمح الآخر دخولها الغرفة حيث يجلس بانتظارها، نهض متقدماً ناحيتها ببطء يتأمل كل إنش منها
كان جمالها يفوق ما كانت عليه في حلمه، على الرغم من أنها كانت دون زينة، لا تضع سوى ملمع شفاه
باللون الوردي الهادئ وماسكارا.

أمسك بطرف أصابعها يلفها حول نفسها لكي لا يفوته أحد جوانبها، ليوقفها أخيراً مقابلاً إياها
وقد تسللت يداه تطوقان خصرها يشدها إليه أكثر حتى تلاصق صدره بخاصتها.

أما هي فقد تمسكت بأطراف سترته من حركته المفاجئة، ويمينه التي ارتفعت تعيد خصلة من
غرتها قد تمردت على وجنتها إلى خلف أذنها.

ترك قبلة هادئة على جبينها، عينيها، وجنتيها وأنفها، وأسند جبينه لجبينها وأنفها يلامس خاصتها لقربه الشديد منها،
مردفاً وشفتاه تكاد تلامسان خاصتها

"هذا غير عادل بالنسبة لي، لماذا تزدادين جمالاً في كل ثانية تمر... كيف لي أن أتحمل حتى يأتي الغد؟
لمَ لا نتزوج الآن فقط؟"

رفعت كفيها تحتضن وجهه مبعدة إياه قليلاً وقد اكتسحت حمرة الخجل وجنتيها، مردفة بصوت خافت

"كفاك جنوناً، وأيضاً ابتعد قليلاً فنحن متلاصقان بطريقة غير ملائمة، قد يأتي أحد ويرانا".

ليجيبها بالخفوت ذاته مداعباً أنفها بخاصته

"كيف لي ألا أصاب بالجنون ومحبوبتي بين ذراعيّ وبهذه الهيئة؟".

دفعته بخفة هروباً من هذه الوضعية خوفاً أن يتمادى أكثر، محدثة إياه وهي تعود للخلف بسرعة

"سأغير ملابسي لنذهب ونكمل التجهيزات، وأيضاً لم نخبر جييو بعد".

"اتصلت بها بالفعل، ستقابلنا غداً في قاعة الزفاف.
الآن سنعود للمنزل فريق المساج وأيضاً فريق متخصص بالعناية ينتظراننا هناك،
لذا فقط دعي نفسكِ وكل شيء لي وسأتفرد بتنفيذه."

-

في غرفة تجهيز العروس، كانت تجلس أمام المرآة والبسمة تزين محياها بينما خبيرة المكياج تقوم بتجهيزها،
وخلفها كانت جييو تجول في المكان بتوتر وثرثرة نصفها غير مفهوم،
تتفقد كل ما ستستخدمه ييون لتنقل خطاها ناحية الجالسة محدثة إياها بتذمر

"هل من الطبيعي أن تكوني بهذا الهدوء وأنا المتوترة الوحيدة هنا؟
كيف تقرران إقامة حفل الزفاف بهذه السرعة!
أقسم بأنه سيغمى عليّ في أي لحظة من شدة القلق أن يكون شيء في غير مكانه أو حتى قد غفلنا عنه."

لتجيبها ييون أخيراً تربت على يدها علها تهدأ قليلاً

"صغيرتي اهدئي، ليس هناك ما يدعو للقلق،
شقيقكِ بالفعل قام بكل شيء،
كما أنه من أخبرني ألا أفكر وأترك الأمر له وأنا أثق به".

قامت العاملات بمساعدتها على ارتداء فستانها وترتيب هندامها مع جييو مرة أخيرة استعداداً لخروجها إلى عريسها،
ليصل إلى مسمعهن صوت طرقات الباب يليه فتحه قليلاً لتظهر من خلفه والدة صديقها والبسمة تشق محياها.

اقتربت تحتضنها وعيناها اغرورقتا بالدموع،
دموع التأثر والسعادة لرؤية طفلتها بفستان الزفاف تحيا أسعد لحظاتها،
لتردف ييون بنبرة مرتجفة محاولة كبح دموعها

"أمي بحقكِ لا تبكي وإلا سأفعل أنا أيضاً وتفسد زينتي."

أجابتها الأخرى تمسد كفها بلطف

"آسفة صغيرتي ليس بيدي، أقسم أن رؤيتي لكِ بفستان الزفاف تؤجج مشاعري".

"أمي... ماذا عن تشان؟ هل ما زال غاضباً؟"

تساءلت بتردد، لتجيبها الأخرى تهز رأسها بنفي

"لا عزيزتي، إنه ينتظر بالخارج".

"فقط لو أن والدايّ هنا اليوم، هل كانا سيوافقان على زواجي ويباركانني أم يغضبان كما فعل هو يوم أمس؟"

"لا تقولي هذا صغيرتي، مؤكد أنهما يشاهدانكِ من الأعلى وسعيدان لسعادتكِ ويباركان حياتكِ الجديدة،
هيا الآن أخاكِ ينتظر خارجاً ليزفكِ لعريسكِ."

أومأت لها بخفة تتبع خطواتها حيث الممر المؤدي لباب قاعة الزفاف، وخلفها جييو تساعدها برفع فستانها،
لتجده يتكئ على الجدار بجانب الباب يحتضن يديه إلى صدره.

اعتدل في وقفته مواجهاً إياها بعدما لمح حضورها، كان ينظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها ليقطع الصمت صوتها محدثة إياه تعض على باطن شفتها بتوتر

"هل ما زلت غاضباً؟"

أجابها بحزم رزين مكملاً حديثه بنبرة هادئة جداً ومليئة بالحنان والأمان

"مجيئي اليوم لا يعني أنني أوافق على زواجكما المتهور هذا أو أدعم فكرته،
لكنكِ تعرفين جيداً أن سعادتي تكمن في سعادتكِ،
إن كنتِ سعيدة سيري في هذا الطريق،
لكن تذكري بأنني دائماً خلفكِ وتستطيعين العودة في أي وقت و ستجدينني بصفكِ حتى آخر أنفاسي."

ما إن أتم حديثه حتى ارتمت في حضنه تعانقه بامتنان وهي تحاول حبس دموعها بشق الأنفس، مردفة بخفوت

"شكراً لك على كل شيء منذ لقائنا الأول والآن ولكل شيء مستقبلاً".

ربت على ظهرها بخفة ليفصلا العناق، ممسكاً بيدها يقودها إلى المذبح حيث عريسها ينتظر
بعدما أنزلت جييو الخمار الشفاف على وجهها وعدلت هندامها للمرة الأخيرة.

سارا ببطء رزين حتى وصلا حيث يقف بيكهيون، ليعطيه يدها بعدما حدثه بحزم وتحذير صارم

"الآن لا أقدم لك أختي فقط سيد بيكهيون، بل أغلى ما لدي من بعد أمي، لذا احرص على جعلها سعيدة دائماً،
فإن اشتكت منك أو حتى لمحت حزناً بعينيها أنت سببه لن يعجبك ما سأفعل."

أجابه الآخر ببسمة خفيفة يحاول أسفلها دفن غيظه من طريقة وكلمات الطويل،
لعلمه كم تكن له محبوبته مكانة مميزة

"لا تقلق سيد تشانيول، ييوني هي كنزي الذي سأحميه بحياتي."

تلاقت نظراتهما خلف الخمار الشفاف، وكانت عينا بيكهيون تشعان ببريق لم تره فيه من قبل،
بريق يمتزج فيه الفخر بالشغف، وكأنه لا يرى في هذه القاعة الممتلئة بالترتيل والأنوار سواها.
كان القسيس يتلو كلمات عهود الزواج بصوت رخيم يتردد صداه في أرجاء القاعة

"بيون بيكهيون، هل تقبل جانغ ييون لتكون زوجتك، في السراء والضراء، في المرض والصحة،
لتساندها وتحميها حتى يفرقكما الموت؟"

​لم ينتظر بيكهيون حتى ثانية واحدة، بل أجاب بصوت واثق، ونبرة هزت دواخلها ناظراً بعمق عينيها

​"أقبل، وأعاهد الله وعينيكِ على ذلك."

​التفت القسيس نحو ييون، التي كانت تشعر بضربات قلبها تتسارع كطبول تقرع في صدرها مكملاً تلاوة العهود

"وهل تقبلين أنتِ، جانغ ييون، أن يكون بيون بيكهيون زوجاً لكِ، وتعدينه بالوفاء والمحبة والأمان؟"

​نظرت إلى بيكهيون، وتذكرت في لمح البصر كل ما مرت به منذ لقائهما الأول حتى لحظة ركوعه أمامها متقدماً لها.
إبتلعت ريقها، وخرجت كلماتها دافئة وصادقة

"أقبل.. بكل جوارحي أقبل."

​تعالت التصفيقات في القاعة،
واختلطت دموع الفرح في عيون والدتها مع ابتسامة تشانيول التي ظهرت أخيراً برضا مستسلم،
بينما كانت جييو تقفز في مكانها بخفة وتصفق بحماس طفولي مع صوت القسيس

"أعلنكما زوجاً وزوجة، يمكنك تقبيل العروس".

​تقدم بيكهيون بخطوات واثقة، يمحي المسافة الصغيرة بينهما و رفع الخمار عن وجهها ببطء شديد،
وكأنه يزيح الستار عن أثمن لوحة في العالم.

تلاقت أعينهما بالكامل، فانحنى قليلاً وطبع قبلة عميقة، طويلة، ودافئة على شفتيها،
قبلة حملت معها وعوداً بحياة جديدة لا مكان فيها للدموع أو العناد.

​انتقلت الأجواء بعد ذلك إلى قاعة الاحتفال،
بعد سيل من التبريكات والتهاني من الحضور، حيث صدحت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة.

سحبها بيكهيون من يدها برفق إلى منتصف الساحة لبدء رقصتهما الأولى كزوجين.

لف ذراعيه حول خصرها، بينما أسندت هي كفيها على كتفيه، ودفنت رأسها في عنقه،
تستنشق عطره الذي بات بالنسبة لها أحد معاني الأمان.

​"تبدين كالملاك.. تصميمي للفستان لم يكن شيئاً مقارنة بما أضفيتِهِ عليه من جمال،"

همس بجانب أذنها بنبرة عاشقة تذيب الصخر.

​رفعت رأسها لتنظر إليه مردفة بابتسامة خجولة

"أنت من جعلتني أرى نفسي ملاكاً.. شكراً لأنك تمسكت بي حتى عندما كنتُ كعاصفة مؤذية".

​شدد من قبضته حول خصرها وطار بها بخفة مع نغمات الموسيقى مجيباً إياها

"العواصف هي من تأتي بالمطر المحيي لقلوبنا.. وأنتِ كنتِ غيثي الذي منّ الربُ به عليّ بعد سنين طوال من الجفاف والقحط".

​
بعد انتهاء الرقصة، توجهت ييون نحو عائلتها.

تقدم منها تشانيول، وفتح ذراعيه على وسعهما، لترتمي بداخلهما دون تردد.

احتضنها بقوة وعمق، وهمس في شعرها بصوت مخنوق من شدة العاطفة

"مبروك يا صغيرة.. صرتِ زوجته الآن، لكن هذا لا يغير حقيقة أنني سأكسر رأسه إن أزعجكِ يوماً."

​ضحكت ييون من بين دموعها مجيبة إياه

"أعلم ذلك يا أخي.. أعلم"

​أما والدتها، فقد احتضنتها وهي تضع في يدها سواراً ذهبياً قديماً، مردفة بنبرة مخنوقة من حپسها لدموعها

"هذا كان يخص والدتكِ عزيزتي،
سيكون كتميمة حظ تحميكما.
حافظي على منزلكِ الجديد وعلى الرجل الذي اختاره قلبكِ،
رأيت في عينيه نظرات لا يملكها إلا رجل صادق الحب".

​
مرت ساعات الحفل كلمح البصر، مليئة بالضحكات،
والتقاط الصور التذكارية،
وتهاني جييو الصاخبة التي لم تتوقف عن تذكير بيكهيون بأنها تريد ابن أخ في القريب العاجل،
مما جعل وجنتي ييون تشتعلان خجلاً وسط ضحكاته على ردود فعلها اللطيفة.

​ومع اقتراب منتصف الليل، وانتهاء مراسم الزفاف، ودعا العائلة .

قاد بيكهيون السيارة متوجهاً بهما إلى مكان لم يكن كطريق منزلهما، مما جعلها تتساءل

"ألن نذهب للمنزل؟"

"لا، لدي مفاجأة أخرى."

​أجابها بهدوء لتعود كما كانت تتأمل الخاتم في بنصرها، وأصابعها تداعب السوار في يدها،
والراحة تحتل كل إنش من روحها.

التفتت إلى بيكهيون الذي كان يركز في القيادة،
لكن يده اليمنى كالعادة كانت تشبك أصابعها بقوة.

​نظرت نحو النافذة، ورأت انعكاس وجهها المبتسم على الزجاج،
وفي تلك اللحظة لاحظت ولوجهما إلى رصيف الميناء لتقف السيارة أمام يخت أبيض تزينه الأنوار.

قام بفتح الباب لها يساعدها على الخروج مستوقفاً إياها أمام اليخت المنشود، يشير بيده ناحيته محدثاً إياها

​"ما رأيكِ بمفاجأتي الأخيرة لهذا اليوم ييوني؟
بما أننا لن نستطيع الذهاب في شهر عسل هذه الفترة،
قررت أن نذهب برحلة ليومين بهذا اليخت ومن ثم نعود."

​أفلتت تشابك يدها بخاصته لتنقلها حيث خصره محتضنة إياه، تسند رأسها لصدره

"إنه رائع حقاً".

​أعادا تشابك يديهما بعدما فصلا العناق ليساعدها على الولوج لداخل اليخت،
يحادثها بكل ما جهزه لرحلتهما القصيرة هذه.

كانت تتأمله وهو يحادثها بحب، تشعر أن عتمة حياتها الطويلة قد انقشعت تماماً،
وأن شمس بيكهيون قد أشرقت ولن تغيب أبداً.