-
.
جلستْ على الأريكة المخملية تتكئ بجذعها على المسند بإرهاق، مغمضةً عينيها لتجد نفسها تلتفت إلى الوراء، تراجع شريط حياتها معه كما هو الحال في الفترة الأخيرة كلما انفردت بذاتها سنتان كاملتان من الزواج.
باتت تتساءل في سِرّها
*كيف مرّ الوقت بهذه السرعة؟ وكيف تحولت من تلك الفتاة الحرة الطموحة، إلى هذه النسخة الباهتة التي لا تختار حتى ما ترتديه؟*
هي متأكدة أن عامهما الأول كان مثالياً، لم تمر ليلة واحدة تنام فيها حزينة، وإن أرادت النجوم لأعطاها إياها
إذن ما الذي حدث معهما ليدخلا في هذا الفتور؟ الكثير من الأفكار تتصارع داخل رأسها
*هل عدم حصولهما على طفل حتى الآن، برغم كل المحاولات هو السبب؟ أم أنه منذ بداية علاقتهما كان يحمل ذات الطباع التي باتت تراها الآن خانقة، وأن غمامة الحب سابقاً زينتها لها ليس إلا وماكانت تعيشه كما يسمى بـ 'وهم البدايات'؟ *
كان رفضه لإستمرارها بعملها أنه متعب لها وسيبتعدان عن بعضهما لساعات طويلة، وأن عليها التروي في العودة إليه
ولم يكن الأمر وكأنه يحتجزها داخل المنزل بل على العكس، كان يصطحبها معه خلال ساعات عمله خشية شعورها بالملل،
إن لم يكن لديها خطط أخرى مع صديقتها الوحيدة منذ زواجهما -وهي أخته-
وبعد العمل يأخذها في نزهات ويغدق عليها الهدايا.
فما الذي تغير لتبدأ برؤية جوانبه التي كانت متيمةً بها كعيوب، وبات اهتمامه خانقاً كأنه قيوداً من ذهب؟
قطع حبل أفكارها صوت مفتاح الباب وهو يدور في القفل.
انقبض قلبها فجأة شعور لم تعهده من قبل، كان أشبه بالخوف منه للاشتياق.
دخل بخطواته الواثقة، يحمل في يده باقة صغيرة كما اعتاد من زهورها المفضلة 'زنبق الوادي'، بإبتسامتهِ الهادئة التي كانت يوماً ما ملجأها الآمن تملأ وجهه.
اقترب منها، وانحنى ليطبع قبلة رقيقة على جبينها وهو يهمس لها
"اشتقتُ إليكِ صغيرتي.. كيف قضيتِ يومكِ؟".
نظرت إلى الزهور في يده، ثم إلى عينيه اللتين تشعان بذات الطريقة منذ بدايتهما، فأخذت نفسًا عميقًا عله يعينها بدفعها لتلك الافكار واجابته بنبرة حاولت جعلها طبيعية
"بخير.. كنتُ أفكر فقط".
تغيرت ملامحه في أجزاء من الثانية، تقلصت عيناه وضاقتا وهو يجلس بجانبها، ممسكاً يدها بقوة نسبية، متسائلاً بنبرة هادئة
"تفكرين؟ بِمَ تفكرين ييوني؟ ألم نتفق أن التفكير الزائد يتعبكِ، وأنني هنا لأهتم بكل شيء نيابةً عنا؟".
تلك الجملة، التي كانت تراها في بداياتهما قمة الرومانسية والاحتواء، نزلت على مسامعها الآن خانقة.
سحبت يدها برفق وكانت هذه المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك مجيبة إياه
"أفكر في كلام الطبيبة... بيكهيون، مضت سنتان، وكل الفحوصات تؤكد أن كلانا لا يواجه مشاكل في الإنجاب، إذن لمَ لم ننجح في الأمر حتى الآن؟
أشعر أن غياب الطفل بيننا هو سبب فتور علاقتنا مؤخرًا، أولن يكون من الجميل حصولنا على طفل يملأ حياتنا؟ فأنا حقاً اشعر بالوحدة في اوقات غيابك".
ساد صمت رهيب في الغرفة، تلاشت ابتسامته تمامًا وتحولت نظرته إلى هدوء غريب.
نهض ناقلاً خطاه نحو النافذة يراقب السماء بصمت، وظهره مشدود كوتر قوس مستعد للإطلاق.
كان الصمت يمتد لدرجة أنها سمعت دقات قلبها المتسارعة.
التفت إليها فجأة، وعادت ملامحه للاسترخاء المصطنع المقلق، إقترب يمسح على شعرها بحنان مفرط أثار قشعريرة في جسدها مردفاً بتوجس استشعرته من نبرته
"طفل؟ ومن قال لكِ إنني أريد طفلاً يشاركني فيكِ؟ أنتِ لي وحدي.. طفلتي، وزوجتي، وكل ما أملك... أولم نتفق على ألا تتعبي ذاتكِ بالتفكير في الأمر؟
مؤكد أننا سنرزق بالكثير من الأطفال في الوقت المناسب، أما الفتور الذي تستشعرينه فهو فقط لأنني أغيب أوقاتاً طويلة هذه الأيام بسبب الأعمال ولن يدوم الأمر أشهر قليلة وتتخرج جييو وتتولى أمور الفندق عني،
ولن تبقى سوى باقي أعمالنا في المدن الأخرى، والتي ستكون سبباً في جعلنا نقضي أوقاتاً أكثر معاً ونعاود الذهاب في رحلات كما السابق".
حديثه لم يُزِدها سوى هماً، فقد لمعت فكرة مرعبة في رأسها جعلت الدماء تجف في عروقها.
كلماته الأولى ذكرتها بالفيتامينات والأدوية اليومية التي يجبرها على تناولها بانتظام بحجة الحفاظ على صحتها،
وتذكرت حرصه الشديد على أن يرى ابتلاعها بنفسه كل صباح.
هل يعقل أنه... يمنعها من الإنجاب عمداً لتبقى معتمدة عليه كلياً؟
نهضت واقفة، راجعةٍ خطوة إلى الوراء، تنظر إليه وكأنها تراه لأول مرة منذ سنتين.
فهذه الفكرة زادتها تخبطاً، لينهض هو الآخر متجهاً ناحيتها ويده تداعب وجنتها بخفة
"ما بالكِ عزيزتي؟ تبدين شاحبة.. هل نسيتِ تناول فيتاميناتكِ اليوم؟".
أجابته وهي تنزل يده عن خدها ببطء لتنهي الحديث، تاركة قبلة خفيفة على خده علّها تساعد في تخفيف ريبته من حالها
"لا شيء، فقط أريد الحصول على حمام دافئ مؤكد أنه سيريحني، وكيف لي أن أنسى فيتاميناتي وأنت تعطينني إياها كل صباح؟".
"حسناً، حتى تنتهي سأطلب من الطاهي تجهيز العشاء في غرفة الجلوس لنشاهد فيلماً ونحن نتناول الطعام، فقد مضى وقت مذ آخر مرة شاهدنا فيها شيئاً معاً".
أردف يداعب وجنتها بحنو، لتومئ له بهدوء ناقلة خطاها نحو حمام غرفتهما.
انهمرت قطرات الماء الدافئة على جسدها، لكنها لم تفلح في إذابة الصقيع الذي استقر في أعماقها.
أغلقت صنبور المياه فجأة، وحلّ هدوء ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسها المتلاحقة.
نظرت إلى المرآة الضبابية، ومسحتها بيدها لترى انعكاس وجهها وهي تراجع في داخلها كل لحظاتهما منذ لقائهما الأول حتى هذه اللحظة.
لملمت شتاتها وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تخرج تجفف خصلاتها الشقراء، تعيد ذكرى ذلك اليوم الذي أخبرته فيه برغبتها في إعادة شعرها للونه الطبيعي الأسود، وكيف غضب بشدة ولم يرحب بالفكرة، وحتى عندما أرادت قصه.
فجأة شعرت وكأنها باتت تكره شعرها الذي كانت تراه أجمل ما فيها.
نفضت هذه الأفكار بعيداً عنها، وارتدت بيجامة منزلية مريحة عائدةً للأسفل، فقد قررت بالفعل أنها لن تواجهه الآن
فالمواجهة مع ذاتها المتخبطة وبشكوك لادليل لها كنحر علاقتهما بكلتا يديها، عواقب افعالها المشتتة قد تفوق احتمالها ناهيك عن غضبه
فكما هو عاشق محب لها، في الوقت ذاته مخيف إن غضب، باتت دون سابق إنذار تراودها ذكريات حبسها في تلك الغرفة بحجة عمله في بداياتهما بعدما أغضبته، ونوبات غضبه على جييو إن فعلت شيئاً لم يعجبه.
زفرت ما برئتيها ورسمت على وجهها قناع الاستسلام والهدوء المعتاد، ثم تقدمت ناحيته.
كانت إضاءة غرفة الجلوس خافتة، وصوت موسيقى هادئة ينبعث من شاشة التلفاز الكبيرة.
على الطاولة الخشبية، وُضعت أطباق العشاء الفاخرة التي تفضلها، وهو يجلس بملابس منزلية مريحة، واضعاً قدماً فوق الأخرى، وبيده كأس النبيذ الخاص به يلاعب محتواه بحركات بطيئة ويراقبه بشرود.
التفت إليها فور دخولها، وامتصت عيناه مظهرها بنهم وشغف لم ينطفئ يوماً.
أردف بنبرة رخيمة وهو يشير إلى المقعد بجانبه
"نعيماً حبيبتي، تعالي فالطعام سيبرد".
تقدمت بخطى بطيئة، وجلست بالقرب منه، متعمّدة أن تسند رأسها على كتفه لتخفي ملامح وجهها عن عينيه الفاحصتين.
لف ذراعه حول كتفيها فوراً، ممسكاً بها بقوة يضمها لصدره، مكملاً حديثه لها وهو يطعمها قطعة من الحلوى بيده
"تبدين أفضل الآن، هل زال التعب؟".
مضغت الطعام ببطء، وابتلعت غصتها مع مابفمها قبل أن تجيب بنبرة ناعمة
"نعم، كان الحمام دافئاً ومريحاً جداً.
كلامك أيضاً أراحني ربما أبالغ في التفكير بأمر الإنجاب الآن، فأنت محق وجودنا معاً هو الأهم".
شعرت بجسده يرتخي قليلاً، وصدره يتسع بارتياح، ليقبّل أعلى رأسها بحنان مفرط مردف
"هذه هي ييون خاصتي. غداً سآخذكِ معي إلى الفندق، هناك بعض الأوراق التي أريد إتمامها سريعاً وبعدها سنخرج في موعد معاً، وجييو ستكون هناك أيضاً هكذا لن تشعري بالملل حتى انتهائي".
أجابته بهدوء ويدها تلاعب زر قميصه تطالع الفراغ
"بالتأكيد، سأكون سعيدة بذلك".
كانت شاشة التلفاز تعرض فيلماً رومانسياً قديماً، إلا إن عينيها لم تكن تريان سوى انعكاس ظلالهما على جدران الغرفة ذات الأضواء الخافتة.
مرّت السهرة بالكثير من الكلمات المعسولة منه و الكثير من الإيماءات المزيفة منها، عندما حان وقت النوم رافقها إلى السرير كعادته، وطبع قبلة طويلة على جبينها قبل أن يغط في نوم عميق وهو يضمها لحضنه كحال كل ليلة لا يفلتها حتى الصباح.
في الصباح التالي، استيقظت قبله و توجهت إلى المطبخ ببطء وبخطوات خفيفة كي لا يستيقظ، وبدأت في إعداد القهوة و فطورهما.
ماهي إلا دقائق قليلة حتى نزل بخطواته الهادئة، يحمل في يده علبة الفيتامينات اليومية كالمعتاد،
محدثاً إياها بعدما طبع قبلة صباحية صغيرة على شفتيها، يمد لها بكوب الماء وقرصي الدواء
"صباح الخير حبيبتي، فيتاميناتكِ أولاً قبل القهوة، مؤكد إنكِ نسيتِها ككل يوم".
ابتسمت له وأخذت الحبتين واضعة إياهما في فمها، ثم شربت الماء أمام عينيه الفاحصتين.
ابتلعت الماء، لكنها أخفت القرصين تحت لسانها بدل ابتلاعهما.
وفور أن التفت ليصب لنفسه القهوة، سحبت منديلاً ورقياً من جيب روبها متظاهرة بمسح فمها لتنفث الحبتين فيه،
ثم أعادت المنديل إلى جيبها بهدوء تام.
أكملا فطورهما متجهين نحو الفندق، وقد تصادفا وجييو عند البوابة، لذا تحركت الفتاتان ناحية المقهى بالطابق السابع عشر،
وهو اتجه لمكتبه يكمل أعماله ليقلها بعد ساعتين كما وعدها سابقاً
بعد القليل من الأحاديث تسحبت الكبرى بحجة الذهاب للمرحاض، ناقلة خطاها ناحية الصيدلية القريبة في الخفاء قبل إدراك بيكهيون أو الحراس لخروجها.
دلفت بخطوات سريعة مخرجة منديلاً أبيض من جيب معطفها واضعة إياه على الطاولة الفاصلة بينها وبين الصيدلي،
وأردفت بنبرة حاولت جعلها ثابتة
"هل يمكنك تأكيد نوع هذا الدواء من فضلك؟".
أجابها الآخر بعد لحظات من تفحصه بما جعل أطرافها تتصلب، فبرغم توقعها للأمر إلا أن تأكيده كان أصعب من أن تتقبله بهذه السهولة
"إنه دواء هرموني مركب سيدتي، يُستخدم كمانع حمل قوي ومثبط للتبويض، كما إنه لا يُصرف إلا بوصفات طبية خاصة لحالات محددة".
ابتلعت غصتها ومحدثة إياه بهدوء
"حسناً، شكراً لك. هل يمكنني الحصول على شيء يساعد على الهضم؟".
أخذت الكيس الورقي من الرجل عائدة حيث المقهى كحجة لذهابها للصيدلية في حال اكتشف بيكهيون خروجها.
وما إن دخلت حتى تأكد لها ظنها فقد اكتشف غيابها وتبدو ملامحه غاضبة وهو يوبخ شقيقته.
تقدمت ناحيته تحاوط ذراعه بيمينها لينتبه أخيراً لوجودها ويكف عن حفلة توبيخ جييو والحراس، وأردفت بتساؤل تناظر عينيه تسبقه بالحديث
"ماذا حدث حبيبي؟ لمَ تبدو غاضباً؟".
"لست بغاضب، فقط قلقت لأنكِ خرجتِ دون حراسة، أين كنتِ؟".
أردف بنبرة قلقة بعدما زفر وهو يتفحص كل إنش منها، لتجيبه بذات الهدوء تلوح له بالكيس الورقي الذي بيسارها
"قصدت الصيدلية القريبة بعدما شعرت باضطراب في معدتي، أعتذر لأنني أخفتك كانت قريبة لذا لم أشاء إقلاقك بلا شيء".
"هل أنتِ بخير؟ لنذهب للمستشفى".
أردف بقلق يتفحصها للمرة الثانية لتجيبه وهي تربت على خده بنعومة
"لهذا لم أخبرك بخروجي انظر كيف قلقت لأجل حرقة طفيفة في المعدة، سأكون بخير بعد تناول الدواء، كفاك قلقاً حبيبي".
مررت الكبرى طرف سبابتها الأيمن على حواف كوب القهوة الخاص بها بشرود، تفكر فيما يجب فعله بشأن دواء منع الحمل هل ستستمر بتظاهرها بتناوله وكأنها جاهلة بأمره أم تكرر ما فعلته اليوم؟
ومن جانب آخر برفضه الغريب لحملها رغم ادعائه عشقها، أوليس من المفترض أن يتمنى حصولهما على طفل يكون ثمرة حبهما؟
فِلمَ يكرر دائماً بأنه لا يرغب بأن يشاركه أحد بها وإن كان من دمه؟
وهل من الطبيعي أصلاً أن يشعر بالغيرة من صغيره الذي لم يُخلق بعد؟!
قطعت حبل أفكارها بعدما شعرت بأنها أطالت الصمت، وأولت اهتمامها للصغرى الجالسة أمامها منذ أكثر من نصف ساعة تطالع الهاتف بابتسامة بلهاء وتستمر أصابعها بالنقر على شاشته تراسل أحدهم.
أطلقت تنهيدة خافتة محدثةً إياها بهدوء
"منذ متى وأنتما تتواعدان؟".
تصلبت أطراف أصابع الصغرى على شاشة الهاتف ما إن وصلها حديث ييون، لتجيبها بتوتر وهي تتلفت في جميع الاتجاهات تتأكد إن كان أحد ما قريب منهن قد يسمع الحديث
"ماذا تقصدين؟ مَن يواعد مَن؟".
قلبت الكبرى عينيها بملل من نبرة جييو الذي تتخذها ملجأً كلما تم إمساكها تقوم بشيء يرفضه اخاها،
لتجيبها بملل تسند ذقنها على راحة يدها اليمنى
"حقاً؟ هل سنتبع هذا الطريق؟ تعرفين أنني أحفظكِ عن ظهر قلب".
أردفت جييو بنبرة خافتة مرعوبة بينما عيناها ما تزالان تراقبان محيطهما ويداها تعتصران أصابعها
"منذ متى تعلمين بالأمر؟ هل بيكهيون يعلم أيضاً؟ هل اكتشف مَن يكون؟".
أمسكت ييون بكلتا يديها تفك تشابكهما مجيبة إياها بهدوء تطمئنها
"على رسلكِ يا فتاة، لا أحد يعلم بشيء، فقط شككت في الأمر لأنكِ ذكرتِني بذاتي في بداية زواجي وأخيكِ، وتلك الابتسامة البلهاء المحبة ذاتها... جييو عزيزتي، لِمَ خفتِ إلى هذا الحد؟ لن يرفض أخوكِ أن ترتبطي بمن تحبين إلا إن لم يكن شخصاً جيداً".
لتجيبها بنبرة مخنوقة والدموع تجمعت في كلتا عينيها
"سيقتلني إن اكتشف مَن يكون يا ييون، حتماً سيقتلني، بيكهيون يكرهه بشدة ولن يتفهم الأمر".
ربتت الأخرى على يدها بحنو محدثة إياها بصوت خفيض
"لمَ قد يكرهه؟ مَن يكون هذا الرجل؟ وكيف التقيتما حتى دون علمه مع كل هذه الحراسة علينا أينما نذهب؟".
التقطت الصغرى نفساً عميقاً تسرد عليها ما حدث والكبرى تصغي لها بكل تركيز
"إنه منافسه في العمل، بل يراه كعدو أكثر من كونه منافساً.
منذ مايقارب الخمسة أشهر التقيته في أحد النوادي الليلية عندما ذهبت وأصدقائي لحفل عيد ميلاد أحد رفاقنا وهو يكون أحد معارفه. كان النادي خاصته، ولم أكن أعلم حتى إنه له أو هو الشخص ذاته الذي ينافس أخي.
تناولنا مشروباً معاً وتحدثنا قليلاً، وبعد عودتي للمنزل وجدت بيكهيون ينتظرني في شقتي تشاجر معي تلك الليلة وكانت لديه صور لكلانا وأخرى عندما كنا مع أصدقائي نحتفل.
بالكاد أفلتُّ من العقاب بعدما أقسمت له مئة مرة أنني لم أكن أعلم أنه الرجل ذاته أو أن المكان له.
وبعد أيام قليلة التقينا مجدداً بمنزل ذلك الصديق، وبعدما تعرفنا على بعضنا لم يكن سيئاً كما كان يقول أخي بل على العكس، إنه رجل نبيل وطيب وعالم أعمالهما فقط هو مَن يجعلهما يظنان ذلك ببعضهما".
ربتت على يدها متسائلة بتعجب طفيف
"كيف لم يعلم بيكهيون بأي من لقاءاتكما بعد ذلك؟ من غير المعقول أن تكونا تتواعدان فقط عن طريق الهاتف".
فأجابتها الأخرى وهي تنكس رأسها للأسفل
"الحراس متواجدون فقط خارج المبنى الذي أسكنه، لذا هو استأجر الشقة التي بجانب خاصتي ويتنكر عند الدخول والخروج من المبنى كي لا يتعرفوا عليه.
إنه لطيف ومتفهم لكره أخي له، لذا نلتقي هناك وفي بعض الأماكن الخاصة التي أذهب إليها مع أصدقائي في بعض الأحيان".
أطلقت ييون زفرة خفيفة وأردفت بنبرة متسائلة بضيق
"لا أفهم لِمَ أقحم بيكهيون نفسه في هذا العالم إن كان سيئاً ويعرضه وعائلته للخطر؟ حتى أنا لا يسمح لي بالخروج دونه أو دون جيش من الحراس، والمنزل محصن كأننا نعيش في البيت الأزرق".
لتجيبها الأخرى بحزن على حال أخيها وهي تناظر الإطلالة أمامهما خلف الزجاج
"لم يكن أخي يوماً محباً لهذا العمل أو حتى دخله بإرادته فلطالما حلُمَ بأن يصبح رساماً ويقيم معرضاً فنياً يستعرض فيه أعماله، لكنه تخلى عن حلمه ليحميني.
كنت للتو قد بلغت العشرين عندما أعطاه أبي خيارين لا ثالث لهما إما أن يتولى هو أعماله أو يبقى يتهرب من مسؤولياته وعندها أنا مَن سأُجبر على تولي كل شيء.
والدنا هو مَن سحب أخي للوحل ذاته الذي خسرنا والدتنا بسببه، لذا هو مهووس بالأمن والحراسة لكي لا يخسر إحدانا كما حدث مع أمي فقط لأن أبي لم يأخذ احتياطاته".
تنهدت الكبرى تحادثها وعيناها تراقبان المكان ذاته
"أخوكِ غامض جداً، نعيش معاً منذ عامين وما زلت لا أستطيع فهمه بصورة كاملة.
بالمناسبة، هل أستطيع رؤية صورة حبيبكِ أو معرفة اسمه؟".
"بالطبع، أعلم أنكِ لن تفعلي شيئاً يؤذينا ولكن للتأكيد فقط، إن علم أخي بأمري وأنكِ تعلمين وتسترتِ عليّ سيقتل كلانا حتماً، لذا حذاري من أن تبيني أمامه أي شيء".
أردفت تؤكد على الكبرى لتومئ لها الأخرى تراقب شاشة هاتف جييو باهتمام تنتظر أن تظهر لها صورته، بينما الأخرى تحدثها عنه
"يدعى كيم يونغجو، قد تكونين سمعتِ بيكهيون يتحدث عنه باسم 'ريڤن'، يظن أخي دائماً أنه وراء أي حادث أو أمر سيء نواجهه".
حددقت الكبرى في شاشة الهاتف بتركيز شديد، وحفرت ملامح الرجل في الصورة أمامها في ذاكرتها، كون تلك المرة التي أظهر لها بيكهيون صورته يحذرها منه إن صادفته في مكان ما لم تركز بملامحه جيداً أو توله أي اهتمام.
لم يكن رجلاً عادياً، بل كانت ملامحه الحادة تشي بالقوة والغموض، تماماً كنوع الرجال الذين يشابهون زوجها.
انقبض قلبها ليس خوفاً من الرجل، بل شفقةً على جييو وعليها فكلتاهما سجينتان في هذا العالم المظلم، وكلتاهما تمتلك الآن سراً قد يودي بحياتهما إن كُشف. أعادت الهاتف للصغرى، وهمست بنبرة حازمة
"سرّكِ في أمان معي يا جييو.. تماماً كما سيكون سرّي في أمان معكِ. فنحن الآن في الخندق ذاته".
قطع حديثهما ونظرات جييو ناحيتها بغير فهم لما قصدته بجملتها الأخيرة اقتراب بيكهيون بخطواته الرزينة وملامحه عادت لهدوئها بعد أن اطمأن من وجود زوجته وشقيقته معاً كما تركهما.
تظاهرت الفتاتان بالحديث عن الموضة والتسوق، ومرّ ذلك اليوم بسلام ظاهري بعدما غادر كلاهما الفندق لموعدهما الذي أخبرها عنه صباحاً، لكن الصدع في جدار الثقة داخلها كان قد اتسع ليصبح فجوة لا يمكن ردمها.
إنقضى أسبوع كامل على اكتشافها حقيقة دواء منع الحمل، كانت ييون تجلس في غرفة الجلوس ليلاً تنتظر عودة بيكهيون المتأخرة من الفندق.
كانت تمسك بين يديها علبة الفيتامينات تراقبها بشرود، سمعت صوت فتح باب المنزل لتعيد العلبة لمكانها على الطاولة أمامها.
دخل إلى الغرفة، وبدت عليه علامات الإرهاق التي تخللتها نظرة الارتياح المعتادة فور أن وقعت عيناه عليها.
نزع سترته واضعاً إياها على مسند الأريكة، ثم اقترب منها بخطوات متمهلة، ليرتمي بجسده بجانبها، دافناً رأسه في عنقها مستنشقاً رائحتها بعمق كأنه يستمد منها الحياة
"لقد كان يوماً طويلاً وقاسياً يا ييوني... لكن رؤيتكِ تنهي كل هذا التعب".
تمتم بنبرة خافتة، بينما كانت يده تتحرك تلقائياً لتمسح على خصلات شعرها الشقراء.
تصلب جسدها للحظة قبل أن تجبر عضلاتها على الاسترخاء.
مررت يدها على كتفه بنعومة مصطنعة، بينما كانت عيناها مثبتتين على علبة الدواء الموضوعة على الطاولة أمامها، وأردفت بصوت هادئ و نبرة إهتمام
"هل سارت الأمور على ما يرام في العمل؟ جييو أخبرتني أنك كنت مشغولاً باجتماعات مكثفة اليوم".
"نعم، كانت هناك بعض التحركات المقلقة في السوق من طرف ذلك الحشرة الذي يحاول التدخل في صفقاتنا الأخيرة بالمدينة الشمالية مجدداً، لكنني سأدفنه في مكانه قبل أن يجرؤ على خطو خطوة أخرى نحو ممتلكاتي".
اضطربت دقات قلبها حالما أنهى جملته كونها تعرف بالفعل عمن يتحدث، فذلك الرجل هو الشخص الوحيد الذي يذكره بهذا الوصف والطريقة الغاضبة.
أمسك وجهها بين كفيه، رافعاً رأسها لتلتقي عيناه بعينيها، يلتهم ملامحها بنظراته الفاحصة التي اخترقت هدوءها المزيف، ثم هبطت عيناه إلى الطاولة حيث علبة الفيتامينات
"لما أحضرتِ دواءكِ إلى هنا.. أولم تتناوليه صباحا؟".
سأل بنبرة هادئة جعلت الدم يتجمد في عروقها.
ابتسمت بهدوء بعدما ابتلعت ريقها، محاولة الحفاظ على ثبات نظراتها، مجيبة إياه
"نعم معك حق، ظننتني نسيته صباحاً. ساذهب لتحضير عشاء خفيف لك، تبدوا جائعاً".
أمالت رأسها لتقبّل باطن كفه الذي كان بين يديها بنعومة. أومأ لها باسترخاء، وتركها تتحرك نحو المطبخ بعدما أفلت يدها.
فور دخولها المطبخ، وقفت تسند يديها على حافة الرخام، تنظر إلى الفراغ بأنفاس متلاحقة خشية كونه قد شك بها.
مر يومان آخران، واستغلت خروج بيكهيون في رحلة عمل سريعة لم تتجاوز الأربع وعشرين ساعة لكي تلتقي بجييو في شقتها، محدثة إياها بينما تعتصر كلتا يدي الصغرى بقبضتيها
"إنه يخطط لتدميره يا جييو، بيكهيون يتحدث عن يونغجو كأنه يخطط لإنهاء وجوده تماماً،
عليكِ أن تحذريه، وعليكِ أنتِ أيضاً أن توقفي لقاءاتكِ معه فوراً حتى يهدأ الوضع،
إن استمر الأمر على هذا النحو سيكشفكما".
أردفت الصغرى تهز رأسها بنفي ودموعها تنهمر على وجنتيها
"لا أستطيع يا ييون لا أستطيع... يونغجو ليس شخصاً سيئاً، هو يحاول فقط حماية أعماله، وأنا أحبه.
إذا علم بيكهيون.. سيقضي علينا جميعاً".
قاطعتها الأخرى بنبرة قوية وحاسمة لم تعهدها جييو فيها من قبل علّها تعيدها لرشدها قليلاً
"ولهذا السبب تحديداً يجب أن تبتعدا عن بعضكما حتى تهدأ الأمور، أخاكِ ليس مجرد رجل أعمال عادي وأنتِ تعلمينه جيداً وإلى ما يؤدي غضبه، إنه يدير حياتنا كقطع شطرنج.
لقد اكتشفتُ أنه يمنعني من الإنجاب عمداً، الدواء الذي يعطيني إياه كل يوم طوال السنتين الماضيتين هو مانع حمل قوي، هذا وهو يدعي تيتمه بي أي إن اخطائنا معه تساوي حياتنا".
شهقت الصغرى بصدمة، واضعةً يدها على فمها متسائلة بغير تصديق
"بيكهيون؟ يفعل هذا بكِ؟".
"نعم، وكل مرة أفاتحه بموضوع الإنجاب يخبرني أنه لا يريد مَن يشاركه بي الآن، إنه يريدني تابعة له بالكامل،
مسلوبة الإرادة لا تملك سوى حضنه، لست أنا فقط، الأمر ذاته معكِ هل يوجد قرار واحد فقط يخصكِ استطعتِ اتخاذه بنفسك دون تدخلاته يامدللته؟".
مسحت الأخرى دموعها تنكس رأسها للأسفل دون إجابة، لتتنهد الكبرى مردفة بخفوت
"بصراحة يا جييو، في الأيام الأخيرة دائماً ما أفكر هل كان قراري صائباً بالموافقة على زواجنا بهذه السرعة، أم أنني أخطأت بعدم استماعي لنصيحة تشانيول؟
أشعر باضطراب كبير ومشاعري متخبطة، أكان حباً ما عشناه أم مجرد غمامة إعجاب لأنه علاقتي الأولى؟
والآن بعدما وعيت لما نعيشه بت أفكر في الانفصال بهذه السهولة".
"هل حقاً تفكرين في الانفصال؟ لا أظن بيكهيون سيسمح بهذا الأمر، تعلمين كم هو يحبك بجنون".
اردفت جييو بحيرة لتجيبها الكبرى بهدوء ظاهري يخفي تخبطاتها
"لذلك أحاول إيجاد حل، فلا أستطيع طلب المساعدة من تشانيول لأنه قد يتعرض وأمي للخطر كما كانا في بداية علاقتي ببيكهيون، فلم آمن عليهما حتى يوم زفافنا بعدما وعدني بحمايتهما من كل شيء، حقاً لست مستعدك للتعرض للتهديد والضغط بهما مجدداً لأني تعبت من كل هذا".
في المساء، عاد بيكهيون من سفره. ودخل الغرفة بخطى متعبة، ليجد ييون تجلس ببيجامتها الحريرية، تمشط خصلات شعرها الشقراء أمام المرآة بهدوء وهي تغوص في أفكارها لدرجة أنها لم تشعر بتواجده.
اقترب من الخلف، وأخذ المشط من يدها برفق، وبدأ يمشط شعرها بنفسه وهو يتأمل انعكاس وجهها في المرآة، يهمس بقرب أذنها
"لقد اشتقت إليكِ بحجم السماء.. هل كان المنزل هادئاً بغيابي؟".
التفتت إليه تطبع قبلة رقيقة على ذقنه بعدما تمالكت أعصابها لظهوره المفاجئ خلفها، ورسمت على وجهها ابتسامة هادئة، مجيبة إياه بنبرة ناعمة
"كان هادئاً ومملاً جداً دون وجودك حبيبي.. لذا قضيت النهار مع جييو في شقتها لأطرد بعض الوقت حتى تعود، فالمنزل لا معنى له بغيابك".
ابتسم الآخر برضا تام، وضّمها إلى صدره بقوة يعتصر جسدها إليه وكأنها طائر قد يفلت منه ويحلق بعيداً إن أرخى قبضته على جناحيه.
استمرت الأيام في التتابع كحبات إسوارة انفرط خيطها وتناثرت خرزاتها في كل مكان، مخلّفةً وراءها أسابيع من الهدوء الحذر. بالنسبة لييون، كانت تلك الأسابيع بمثابة إعادة تأهيل طبيعية فجسدها بدأ يستعيد توازنه الطبيعي بعد أن تخلصت تماماً من ترسبات دواء منع الحمل، وباتت تشعر بنشاط أكبر.
بعد مرور شهر ونصف، كانت تقف في حمام غرفتها في الصباح الباكر، بينما كان بيكهيون في الأسفل يتناول قهوته.
يدها ترتجف وهي تمسك بجهاز فحص الحمل الصغير، تناظر الخطين الورديين الواضحين.
انقبض قلبها بمزيج صارخ من الفرح العارم والخوف الشديد إنها حامل.
الطفل الذي تمنته لسنتين بات حقيقة في أحشائها، لكن المفارقة المرعبة هي أن هذا الطفل الصغير بات وجوده في هذا الوقت يرعبها، فحملها سيكشف لزوجها أنها كانت ترمي الدواء وأنها اكتشفت خطته، فكيف سيتصرف حتى بعد علمه بالأمر؟ هل سيؤذيه؟ او حتى إن تقبله هل تصرفها المتهور سيكلف طفل لم يولد حتى مصاعب إنتمائه لأب غير سوي؟
ردمت تلك الأفكار تخفي الجهاز في أعمق نقطة بحقيبتها الخاصة، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم نزلت إلى الأسفل بخطى ثابتة.
كان هو ينتظرها عند طاولة الفطور، ومعه كوب الماء المعتاد وحبتا الدواء
"صباح الخير حبي، فيتاميناتكِ أولاً".
التقطت منه الدواء ككل يوم بعدما تركت قبلة صغيرة على وجنته معيدة إليه تحية الصباح.
أخذت الحبتين ووضعتهما في فمها، وجرعت الماء أمام عينيه المبتسمتين.
ابتلعت الماء، وأخفت الحبوب تحت لسانها مجدداً، لكن هذه المرة، كاد قلبها يخرج من قفصها الصدري خوفاً و رهبة، إلا إنه لم يكن بسبب تمرد بل خوفاً على الروح الصغيرة التي تنبض بداخلها.
التفت ليلتقط حقيبة عمله، وبحركتها المعتادة، تخلصت من حبتي الدواء تحشرهما في جيبها، تحدثه بعدما أعاد أحد ملفاته لحقيبته وسكب عصير البرتقال في كأسها
"حبيبي، سأذهب اليوم للقاء جييو وبعدها نخرج للتسوق".
أومأ لها بالموافقة يكمل وضع الطعام في طبقها ليكملا إفطارهما.
نظرت من نافذة غرفة الجلوس الكبيرة المطلة على الحديقة الأمامية للمنزل وهي تودعه ملوحة له ببسمة خفيفة، وشعرت لأول مرة أن الوضع بات أخطر مما كانت تظنه، بل أصبحت حرباً مصيرية، وخطوتها القادمة يجب أن تُحسب بميزان من ذهب لتحمي طفلها وذاتها دون أن تلحق أذى بمن تحبهم.
لملمت شتاتها مغادرةً المنزل وهي تفكر بكيفية مساعدة جييو للقاء حبيبها دون أن تتخلف مصيبة بعد ذلك.
تسير والصغرى في مركز التسوق تحاولان إضاعة الحراس خلفهما دون أن يشعروا بأن الأمر مقصود، بعدما وصلت لجييو رسالة من حبيبها يخبرها أنه ينتظرها في مرآب السيارات الخاص بمركز التسوق في الدور الرابع.
نجحتا أخيراً بالإفلات منهم ليتوجها نحو المرآب بسرعة قبل أن يتم كشف مكانهما من قبلهم أو حتى يصل خبر لبيكهيون.
كان يونغجو يقف أمام سيارته بينما جييو تقابله، يفصلها عن رؤية المباني الخارجية أحد تلك الأعمدة الخرسانية المنتشرة داخل المرآب، وييون خلفها تضم يديها لصدرها تراقب المكان تارة وتنظر لهما تارة أخرى منتظرة إنتهاء حديثهما قبل إيجاد الحراس لهم.
التفتت صدفة تناظر المبنى أمامهم والذي يقابلهما سطحه، لتتيبس أطرافها حالما التقت عيناها بعيني بيكهيون الذي ينظر إليها وإلى عدوه بنظرات لو كانت رصاصاً لرُمي كلاهما قتيلاً، ظناً منه أنهما يلتقيان سراً.
نقل خطاه مسرعاً ينزل من سطح المبنى القديم ذاك، لتردف ييون وجسدها يرتجف قبل صوتها محدثة كلاهما
"مصيبة، بيكهيون رآنا!".
انتفضت الصغرى مما سمعته تبحث عن المقصود في كل مكان، تسأل الأخرى أين رأته لتشير لهما حيث كان يقف.
انهمرت دموع جييو وهي تنتفض، لا تستطيع التفكير في كيف ستخرج من هذه الورطة التي أقحمت ييون فيها أيضاً
"سيقتلني، سيقتل كلانا بسببي! ماذا سنفعل؟ ما الذي جاء به إلى هنا حتى؟".
أخذت الكبرى نفساً عميقاً لتهدأ قليلاً، ممسكة بجييو من كلتا كتفيها وأردفت بنبرة حاولت جعلها رزينة قليلاً
"لا يعلم بوجودكِ، رآني فقط معه، والآن قد يكون أخبر الحراس بمكاننا وسيأتون، لذا ستتوجهين للخارج وإن صادفتِهم ادّعي أننا ذهبنا للحمام وهناك تركتِكِ دون أن تشعري".
هزت رأسها بنفي ودموعها تأبى التوقف تجيبها بصوت متقطع اثر شهقاتها
"مستحيل، لن أدعكِ تتحملين ذنب فعلتي، سيظنكِ تخونينه ولن يرحمكِ أبداً".
أمسكت الكبرى بوجنتي الأخرى محدثة إياها بهدوء ظاهري عسى ان تطاوعها
"كنت أرغب في فرصة للابتعاد وها هي أتت لي، إنها فرصتي الوحيدة لأحمي كلانا، سأخرج من هنا وأغادر لمكان لا يستطيع إيجادي فيه".
ما إن أكملت جملتها حتى أردف يونغجو موافقاً إياها يضم محبوبته لحضنه يهدئها
"لا تقلقي، سأخرجها من هنا وأتأكد أنها بأمان، أعدكِ بذلك.
هل أخلفت يوماً بوعد قطعته لكِ؟".
مسحت جييو دموعها بعنف تهز رأسها بمعنى "لا" له، ليدفعها بخفة ناحية المخرج يحثها على المغادرة، اسرعت ييون خطاها لسيارة يونغجو تعيد المقعد الأمامي للخلف كي لا يستطيع أحد رؤيتها بالداخل، بينما هو ارتدى قبعته وقناع الوجه يجلس بجانبها خلف مقعد السائق.
وما إن انطلقت السيارة حتى فتحت النافذة بجانبها قليلاً ترمي حقيبتها وبداخلها هاتفها والبطاقات البنكية بعدما أخذت منها فقط محفظة نقودها التي تحوي بعض الأوراق النقدية وهويتها، معيدة إغلاق النافذة حتى لا تترك أي خيط قد يتم ملاحقتها من خلاله.
هرولت جييو بسرعة ناحية الحمام تغسل وجهها محاولة تنظيم أنفاسها، لتخرج بعد أن هدأت قليلاً تنفذ ما أخبرتها به الكبرى.
ما إن مشت قليلاً مدعية البحث عنها حتى ظهر أمامها أخوها وبيده حقيبة يد ييون، وأردف محدثاً إياها بنبرة غاضبة وعيناه ككتلة دم من شدة احمرارهما
"أين كنتِ واللعنة؟".
انتفضت قليلاً من هيئته مجيبة إياه مدعية الجهل بما يحدث
"أخي، ماذا تفعل هنا؟ لمَ أنت غاضب؟ ذهبنا أنا وييون للحمام لأن معدتي تؤلمني، لكن بعدما خرجت لم أجدها لذا كنت أبحث عنها وعن الحراس، لمَ حقيبتها فقط معك؟".
ضرب الحقيبة بالأرض بغضب عارم لتتناثر محتوياتها محدثاً شقيقته ويكاد يجن جنونه
"لقد ذهبت وتركت...".
لم يكمل جملته بعدما وقعت عيناه على اختبار الحمل الصغير بجانب الحقيبة، ليهبط يلتقطه وهو يطالعه بغير تصديق.
ما إن لمحت جييو الخطين الورديين فيه حتى شهقت تضع يدها على فمها وقد فهمت معنى كلام ييون سابقاً
"إنها الفرصة الوحيدة لأحمي كلانا"
كانت تقصد ذاتها والطفل، لتردف بخفوت
"ييون حامل!".
ضحك بسخرية ينقل أنظاره للاختبار الصغير بيده تارة ومحيطه تارة أخرى، محدثاً ذاته بصوت يكاد يُسمع كالمجنون
"كانت تعلم بأمر الدواء إذن! وكانت تعاملني كما لو كنت مغفلاً، لا بل أنا مغفل بالفعل لأنني نسيت كيف أن لقطتي مخالب حادة ويجب الحذر منها دائماً وليس لمرة واحدة فقط أعطيها ظهري، لكن أحقاً تستغفلني وتخطط للهروب مني مع طفلنا وبالتعاون مع عدوي؟!".
اعتصر الاختبار الصغير يحشره في جيب بنطاله محدثاً رئيس الحرس خلفه
"ابحثوا عنهما في كل مكان بالمدينة، وراقبوا جميع أماكن ذلك الحشرة ريڤن داخل المدينة والمدن الأخرى، إن اضطررتم اقتحموا، اقتلوا، افعلوا أي شيء، وإن اضطررتم لنبش الأرض حتى تجدوها، لا تهمني الوسيلة، أريدها أمامي بأي ثمن، لكن حذاري أن يمسها سوء وقتئذ سأقتص منكم".
ما إن ابتعدت السيارة عن مكان مركز التسوق حتى أعادت ييون المقعد لوضعه الطبيعي محدثة الآخر الذي يصب تركيزه على الطريق بصمت منذ انطلاقتهم
"شكراً لك سيد يونغجو على المساعدة، هلا تنزلني عند محطة الحافلات فمن هناك سأجد طريقي".
"ولكنني أستطيع إخفاءكِ في أحد أماكني الخاصة ولن يستطيع الوصول لكِ هناك".
أردف بهدوء عارضاً عليها المساعدة، لتنفي بأسى مجيبة إياه
"أشكر حسن نيتك، لكنه سيجدني وإن نبش الأرض، وأول الأماكن التي سيتوجه إليها هي أوكارك، إنه زوجي ولن يعرفه أحد كما أفعل، لديه عناوين أماكنك داخل المدينة وخارجها،
وأيضاً هروبي لا يعني أبداً أنني سأقبل التواجد مع رجل آخر وأنا ما زلت زوجته، فنحن لم نتطلق بعد".
أومأ لها بتفهم وقاد ناحية محطة الحافلات ليقدم لها قبعته وقناع الوجه خاصته وكنزة بقلنسوة رمادية اللون من المقعد الخلفي ما إن ركن السيارة أمام المحطة
"على الأقل خذي هذه، فالشوارع مليئة بكاميرات المراقبة وإن خرجتِ هكذا سيجدكِ بسهولة، لذا تخفي جيداً بهن للتمويه".
التقطت الأشياء منه تومئ له برأسها تشكره للطفه، ارتدت الكنزة وأخفت شعرها داخلها بعدما تخلصت من سترتها بالسيارة، وغطت وجهها بالقناع ورأسها بكلتا القبعة وقلنسوة السترة لكي لا يظهر منها شيء.
ترجلت من السيارة تودعه ناحية محطة الحافلات، تشتري تذكرة سفر لإحدى القرى البعيدة بعدما استفسرت من السيدة التي تقطع التذاكر عن مكان ريفي بعيد تستطيع قصده في هذا الوقت، ونقلت خطاها نحو الهاتف العمومي بعد لحظات من إدخالها الرقم وصلها صوت الرجل عبر السماعة لتردف بصوت خفيض
"أخي هذه أنا ييون"
تبدلت ملامح تشانيول فوراً من الهدوء إلى القلق، تفقد شاشة هاتفه ليجد رقماً غريباً، وتحدث بنبرة سريعة دافئة
"أهلاً عزيزتي لماذا لم تتصلي من هاتفك أأنتِ بخير لما صوتك يبدوا متعب؟"
أغلقت عينيها بشدة، وحاولت كبح دموعها التي هددت بالسقوط.
أحكمت قبضتها على سلك الهاتف المعدني، محاولةً استجماع كل ما تبقى من شجاعتها تضغط بسماعة الهاتف الثقيلة على أذنها،
وتلتفت حولها بقلق وتوجس كأنها تخشى أن يظهر طيف بيكهيون من بين زحام المحطة.
فخرج صوتها خفيضاً تملؤه الوحشة
"لقد تخلصت من هاتفي... في الحقيقة تشاني أنا هربت من المنزل، احدثك الآن من هاتف عمومي في محطة الحافلات لكيلا تقلق علي إن أتاك بيكهيون يسالك عني"
اتسعت عينا الآخر من الصدمة، وشعر ببرودة تجتاح أطرافه، تأجج قلقه رافعاً نبرة صوته لشبه صراخ
"هربتي؟! لماذا، ييون ابقي مكانك سآتي حالاً لأقلك من هناك"
انهمرت دموعها، وهزت رأسها بالرفض خلف السماعة وكأنه يراها.
وقد انقبض صدرها بضيق شديد، وامتزج صوتها بالبكاء والرجاء، تردف بنبرة يائسة تتوسله
"لاتفعل أرجوك إنه الخيار الوحيد لأستطيع بدأ حياة جديدة، إن سألك بيكهيون عني ادعي جهلك التام بالأمر، أرجوك أخي افعل هذا لا فحقاً لا طاقة لي تسعفني على تكرار رعبي الدائم عليك و أمي من خطره، او حتى لأكمل باقي حياتي معه أفهمني أرجوك"
عقد تشانيول حاجبيه بغضب غير مستوعب حجم التهديد الذي تشعر به، وتملكه الانفعال معارضاً لها
"أي رعب هذا، البلاد فيها قانون سيحميكي منه"
أطلقت ييون ضحكة يائسة وساخرة، مجيبة إياه بهدوء
"أنت لا تفهمني، لن يفعل أحد هو يستطيع القضاء علينا دون أي دليل يمسه بسوء، ارجوك أفعل هذا الشيء الأخير لي، لن استطيع مواصلة حياتي إن مس احدكما سوء ففي النهاية أنت عائلتي و هو الرجل الذي مازلت احبه و والد طفلي"
ساد صمت رخيم بينهما لثوانٍ وتلاشت نبرة الغضب من صوته لتحل محلها صدمة ألجمت لسانه. فأردف بصوت شبه هامس
"طفل؟ أنتِ حامل؟"
مسحت الأخرى دموعها بعنف بطرف كمها، تنهدت بعمق، وارتسمت ابتسامة حزينة باهتة على شفتيها محاولة إنهاء المكالمة خوفاً أن يصل بيكهيون له وهو مازال يحادثها
"نعم لذا سأغادر الآن فهذا هو الخيار الأمثل للجميع، اعتني بنفسك و امي واعدك بأني سأتواصل معك كل فترة ما إن أصل لوجهتي، يجب أن اذهب حان موعد رحلتي"
أنهت المكالمة دون إنتظار رده حتى، ووضعت السماعة مكانها ببطء ناقلةً خطاها الثقيلة نحو الحافلة التي ستقلها لوجهتها التي لاتعرف عنها شيء حتى.
⁶ أكان حباً؟
Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋