-
الندوب لا تختفي، لكنها في النهاية تتوقف عن النزف، واليوم ولأول مرة منذ دهر، لم يكن التنفس عبئاً ثقيلاً.
وصلت الحافلة إلى قرية تانغكيت في أقصى جنوب البلاد مع آخر خيوط شمس هذا اليوم، تعلن غيابها تاركةً المجال للظلام يخيم بسكينته على أهل المنطقة.
كانت القرية هادئة، تلف سماءها الغيوم ومختلفة تماماً عن صخب المدينة.
نزلت ييون وهي تشعر بإعياء شديد ودوار الحمل الذي بدأ يهاجمها منذ أيام، والآن اشتدت آثاره بسبب الطريق الطويل الذي قطعته في الحافلة خلال الست ساعات الماضية.
ترنحت خطواتها وكادت تسقط لولا يد دافئة بانت خطوط الزمان وصعابه على جلدها امتدت لتسندها.
مع بداية تساقط قطرات المطر الخفيفة ليفشي البرد في الطرقات، جلست على مقعد خشبي بمساعدة سيدة كبيرة في السن وهي تشعر بالإنهاك التام والضياع فلا تملك سوى بضعة أموال وهويتها الشخصية بمكان لا تعرف عنه سوى اسمه،
والذي سمعت عنه اليوم حالما قصدته.
بالنسبة لفتاة لم تغادر سيول سابقاً، فوصولها لمكان بعيد مثل مقاطعة هينام لهو مغامرة كبرى، وإن كانت لم تخطُ خارج حدود بلادها.
رفعت رأسها بغية معرفة من مد لها يد العون وشكره، وكانت ملامحها تشع طيبة ودفئاً.
أومأت ييون برأسها تشكرها، لتمسح الأخرى على رأسها محدثةً إياها بلطف
"يا ابنتي تبدين وكأنك قطعتِ طريقاً طويلاً والمطر سيشتد، هل لديكِ مكان تذهبين إليه؟"
لم تستطع الأخرى حبس دموعها، وكأنها كانت تنتظر أي لمسة عطف تسقط لها جدران تماسكها وتسمح لهن بالإنهمار على وجنتيها، هزت رأسها نافيةً لتردف أخيراً بصوتٍ خفيض
"لا أعرف المكان هنا، هلا ترشدينني لـفندق أو نزل أقضي فيه هذه الليلة؟"
ابتسمت العجوز وربتت على كتفها مردفة
"منزلي قريب، فلتبيتي الليلة فيه وصباحاً تقررين وجهتك."
انصاعت الصغرى لحديثها دون أدنى نقاش بعدما شكرتها، فقد كانت بحالة يرثى لها بالكاد تقوى على السير.
ما إن وصلتا المنزل ارتمت على فراشها بعدما أرشدتها الجدة إلى غرفة الضيوف، استسلم جسدها لسكينة لم تشعر بها منذ أسابيع عدة وكأنها كانت وسيلته الوحيدة لنفض صعاب ما عاشته طوال الفترة الماضية عنه.
أشرقت شمس صباح اليوم التالي وتلاشت ساعاته الأولى دون استيقاظها، غير عالمة أسبب نومها الطويل من شدة إجهادها أم لهدوء وسكينة المكان.
استفاقت أخيراً على صوت طرق خفيف على الباب تلاه فتحه ببطء لتظهر من خلفه السيدة من الليلة الماضية تحمل بين يديها صينية الطعام.
ناظرتها الأخرى بتيه تنقل عينيها متفحصة أرجاء المكان حتى استعادت ذكرى لقائهما عند المحطة حتى وصولهما المنزل يتشاركان تلك المظلة ذات اللون الأزرق بنقوش بيضاء بغية الاحتماء من المطر.
عاتبت ذاتها داخلياً لمرافقتها غريباً بمكان تجهله وكأنها كانت مغيبة لا تدرك شيئاً مما تفعله.
تقدمت السيدة ناحيتها تضع أمامها صينية الطعام مردفة بهدوء
"صباح الخير يا ابنتي، قلقت عليكِ بعدما أطلتِ النوم وأنتِ دون طعام منذ الأمس."
حمحمت ييون لاستعادة صوتها مجيبة إياها بخجل مما سببته لها من عناء
"أعتذر يا جدتي لإتعابكِ معي، يوم أمس كان صعباً بالنسبة لي وبالكاد أتذكر ما فعلت، حقاً أشعر بالخجل لتسببي لك بالإنزعاج."
"لا تقولي هذا، أين الإزعاج الذي تتحدثين عنه؟ أنتِ حتى لم تتناولي عشاءك، لذا باشري الآن بفطورك وبعده سنتحدث."
أردفت والبسمة لا تفارق محياها، لتحني الأخرى رأسها بشكر وهمت بتناول طعامها بعدما غادرت السيدة الغرفة كي لا يسبب تواجدها إحراجاً للصغرى فلا تأكل شيئاً.
كان الطعام لذيذاً لدرجة جعلتها تشعر بمدى جوعها الآن فقط، كونها لم تتناول شيئاً مذ إفطار اليوم السابق.
ما إن أنهت طعامها حتى استقامت تعدل فراشها تعيده مكانه، وحملت الصينية ذات الأطباق شبه الخالية تغادر الغرفة لتجد السيدة أمامها بركن الباحة الأمامية تزيد الموقد حطباً والبخار يتطاير من القدر الكبير ذي اللون الأسود إشارة لغليان ما يحويه.
سارت ببطء ناحيتها لتنتبه لها الكبرى بعدما حدثتها بامتنان
"شكراً لكِ على الطعام، كان شهياً لدرجة أني لم أستطع التوقف عن التهامه حتى انتهى."
"هنيئاً مريئاً يا بنتي."
أجابتها لتنقل الأخرى خطاها ناحية صنبور مياه أسفله إناء كبير أحمر اللون بعدما رفضت إعطاؤها الأطباق المتسخة محدثة إياها
"أطعمتِني وأويتِني ليلة أمس بلحظات ضعفي وتيهي، وحقاً لا أعلم كيف أسدد دين لطفك معي، لذا محال أن أتركك تنظفين ما أوسختُ من صحون."
تبسمت السيدة سامحة لها دون اعتراض مردفة بهدوء
"الناس لبعضها يا ابنتي، إن قلتِ مجدداً هذا الكلام سأشعر بالحزن."
لتجيبها ييون بخجل طفيف
"أعتذر إن أزعجك كلامي لكني حقاً ممتنة، وحقاً أقدر لكِ هذا الأمر."
"لا شكر على واجب.
ما هو اسمكِ؟ لم أستطع ليلة أمس التعرف عليكِ لأنكِ كنتِ تبدين متعبة، أنا أدعى أوه هاريم."
ادعت الفضول متسائلة عنها بغية فتح موضوع معها بعدما شاهدت شرود الصغرى السريع ما إن عم السكون على المكان، لتجيبها ييون بابتسامة خفيفة
"تشرفت بمعرفتكِ... أدعى ييون، جانغ ييون."
تحمحمت بعد لحظات تتقدم نحوها بعدما أنهت تنظيف الصحون تسألها والخجل يكسوها من كل هذا الثقل والإزعاج الذي تسببه لها، لكن ما بيديها حيلة فلا يوجد ما يرشدها بهذا المكان سوى هذه السيدة الطيبة
"في الحقيقة قد أكون أثقل عليكِ لكني بحاجة لأجد عملاً بأقرب وقت، وأيضاً مكاناً أستطيع استئجاره للعيش فيه."
"مؤكد صغيرتي، يمكنكِ مساعدتي في حقلي، الأمر ليس بصعب، سأرشدك وحالما تلد زوجة حفيدي ستتعاونان على العمل، هي الآن بالسوق لجلب بعض الحاجيات وحالما تأتي ستتعرفان على بعضكما وحتماً ستحبينها فأنتما بسن متقارب."
أردفت تربت على المكان الفارغ من الطاولة الخشبية المستطيلة لتشاركها مجلسها.
عضت ييون على شفتها السفلية بخفة تنقل أناملها محررةً تشابكهما، ولامست بطنها بخفة مجيبة إياها بصوت خفيض بعدما استقرت بجانبها
"لا أستطيع القيام بأعمال تتطلب تحريك الأشياء الثقيلة أو الوقوف لساعات طويلة لأني حامل بشهري الأول، لكني متعلمة فأنا ممرضة، لكن إن لم تكن العيادة هنا تحتاج مساعدة أستطيع العمل في المكتبة، المتجر أو أي مكان آخر، كما أني جيدة في الحسابات."
أومأت الكبرى لها بتفهم مردفة
"عيادة القرية لديها بالفعل موظفوها، لكن حفيدي هو الطبيب البيطري الوحيد في هذه القرية والقرى المجاورة. يواجه ضغطاً كبيراً هذه الفترة في عيادته ويحتاج بشدة إلى مساعدة تفهم في أمور الأدوية ولتهتم بالحيوانات وتنظيم الجداول. ما رأيكِ؟"
أومأت لها مرات عديدة، تشكرها وهي تمسك كلتا يديها بامتنان، لتردف الجدة وهي تمسد على كفيها بحنو
"إذن فلتبقي هنا، هكذا ستكون العيادة قريبة ويطمئن قلبي، فكونه حملك الأول لن تستطيعي التعامل مع الأمر بمفردك."
"مستحيل، لن أسمح لذاتي بتحميلك عبئي، يكفي أنكِ تساعدينني بكرم لا أستطيع رده لكِ ما حييت."
"كما أخبرتكِ، أنتِ بعمر مقارب لزوجة حفيدي لذا لن تكوني عبئاً، بالعكس ستكونين أنيستنا، ولا تقلقي، المكان الذي ستقطنين به ذاك الملحق كما ترين إنه منفصل عن باقي المنزل، اشغريه بدل كونه مغلقاً منذ سنوات."
فكرت بعرض السيدة وهي تحسب لأيامها القادمة وكيف ستربي طفلها بهذا المكان الغريب، لذا أردفت تؤكد على الجدة شرطها
"سأفعل، لكن بشرط واحد.. أن أدفع إيجاراً شهرياً من راتبي. لا أريد أن أكون عبئاً، وأريد أن أشعر أنني أبني حياتي بجهدي الخاص."
احترمت الجدة رغبتها بشدة، وأومأت لها ذاهبة بها حيث عيادة حفيدها تعرض عليه توظيفها للعمل معه.
ما إن وطئت أقدامهن العيادة استقبلهما شاب يبدو بنهاية عشرينياته، رحب بجدته بحرارة لينتبه أخيراً لوجود الأخرى خلفها، لتردف الجدة تعرفه بها
"صغيري، هذه ييون، أولم تكن بحاجة للمساعدة؟ لذا أتمنى أن تجعلها تعمل معك."
قدمت ييون هويتها معرفة بذاتها للشاخص أمامها
"جانغ ييون، أنا ممرضة حاصلة على شهادتي بالفعل منذ أكثر من عامين سيدي، لذا مؤكد سأكون لك عوناً."
أومأ لها الآخر يعيد لها هويتها مردفاً بهدوء مشيراً لجدته بحديثه
"أنا أوه سيهون، تشرفت بلقائك آنسة جانغ، لقد أتى أمر توظيفك بالفعل من السلطات العليا لذا من المستحيل أن أستطيع الرفض، تستطيعين البدء اليوم إن شئتِ."
قهقهت الجدة على حديثه، تضرب كتفه بخفة محدثة إياه
"ستبدأ غداً، اليوم أنا بحاجة لمستأجرتي الجميلة ببعض الأمور."
أومأ لهما لتغادر الجدة ممسكة بيد الأخرى بعدما انحنت للأكبر تشكره.
"جدتي، قبل العودة للمنزل أحتاج الذهاب لمتجر أستطيع الحصول منه على بعض الثياب لأستطيع تغيير هذه وأستحم، هلا تدلينني على مكان كهذا؟"
"عندما نصل لمنزلنا سأطلب من السيد مين إيصالك، إنه وقت قدوم جراره وينقل معه بعض الأشخاص على طريقه وسيمر بالمتجر."
نقلت خطاها تتبع العجوز التي أبت إفلات يدها حتى وصلتا المنزل، والذي بالفعل حال وصولهما صادفهما رجل يبدو بالخمسين من عمره على جرار أحمر قديم.
أوصت الجدة بإيصال ييون إلى وجهتها مؤكدة عليه الاعتناء بقريبتها.
لطف السيدة المسنة كان غريباً بالنسبة لها، لم تكن تظن بأن الناس ما زالوا يملكون رحمة وطيبة بقلوبهم بعد كل ما قاسته من أقربائها ومعارفها حال وفاة والديها وحتى وصولها السن القانوني، وعندها فقط تمكنت من الانتقال لمنزل تشانيول ووالدته والتي كانت تحبها كحبها لصديقة طفولتها التي فقدتها بعمر صغير تاركة طفلتها تقاسي الصعاب.
اختارت ييون بعض الملابس البسيطة وحاجيات أخرى بالإضافة لصبغة شعر سوداء خالية من الأمونيا ابتعتها من الصيدلية كون الصبغات العادية خطرة على جنينها.
ابتاعت حاجيات قليلة بالقدر الذي تكفيه نقودها، لتقف عند متجر صغير تستأذن صاحبته لاستخدام الهاتف تضغط أزراره لطلب رقم صديقها، ثوانٍ معدودة من الانتظار انتهت بإجابة الآخر متسائلاً بشك بعدما طال صمت المتصل
"ييون، هذه أنتِ؟"
سحبت بعض الهواء لرئتيها مجيبة إياه بنبرة منخفضة كي لا يسمع حوارهما أحد غيره
"نعم أخي... هل أنت وأمي بخير؟ ماذا عن بيكهيون، هل تواصل معكما؟!"
أجاب الآخر يسرد عليها ما حدث، ليُكمل متسائلاً بحيرة واضحة
"نحن بخير لا تقلقي علينا، زارنا يوم أمس بحجة إطالة مدة غيابه، لكنه كان يبدو مختلفاً هيئته، نظراته وحتى نبرته، كل شيء به مريب.
أين أنتِ الآن؟ ماذا حدث لتتركيه بعدما كنتِ ترفضين حتى المبيت لكيلا تبتعدي عنه هلا توضحين لي ماحدث لأني حقاً لا أفهم شيء؟"
زفرت بخفة مجيبة إياه بما زاد حيرته أكثر
"أعتقد إني كنت مخطئة وتسرعت بقرار زواجنا، كنت محقاً برفضك للأمر... أنا حقاً حقاً أحبه أخي وأشعر بالألم لغيابي عنه، لكن منذ البداية كان هناك شيء خاطئ في علاقتنا."
"عما تتحدثين؟ هل قام بإيذائك؟ أين أنتِ الآن بحق السماء؟"
أردف بتيه لا يفهم شيئاً مما تقول، لتجيبه بعدما تنهدت للمرة المئة خلال مكالمتهما القصيرة
"هذه المرة كلانا أذينا بعضنا البعض، لا تقلق علي الأمور هنا تسير بشكل لم أتخيله يوماً، تعرفت على عائلة طيبة جداً وسأعمل مع حفيدهم... أعدك بأني سأعود بعدما أرتب أفكاري وأوفر الأمان لطفلي ولكما، لن أتخلى عنكم مطلقاً."
وصلت لمنزل السيدة أوه عازمة على بدء حياة جديدة بكل ما تملك من طاقة لتوفر لطفلها الاستقرار الذي تتمناه له، وهي تفكر بوسيلة تمكنها من العودة كما وعدت تشانيول سابقاً.
رنت جرس المنزل لتفتح لها فتاة شابة تقاربها عمراً وبطنها تبرز قليلاً توضح أنها بأشهرها الأولى من الحمل.
ابتسمت لها بود محدثة إياها تمد يدها لتصافحها
"لا بد وأنكِ ييون، أنا بارك سويونغ زوجة سيهون، أخبرتني جدتي عنكِ، تفضلي بالدخول."
صافحتها الأخرى تومئ لها برأسها محدثة إياها بابتسامة خفيفة تظهرها كلما حدثت أحدهم مجبرة ذاتها ألا تبدو مغرورة بإنطباعهم الأول عنها
"تشرفت بمعرفتكِ سويونغ، أين الجدة؟"
"إنها توقد المدفأة بغرفتكِ، ففصل الخريف هنا أشد برداً مما هو عليه في المدينة."
"لم يكن عليها إتعاب ذاتها، كنت سآتي وأنظفها بنفسي."
"لا بأس، لم تكن تحتاج الكثير من العمل فجدتي تحرص على تنظيفها كل فترة لذا انتهينا بسرعة، تفضلي سأرشدكِ لمكانها."
اتجهتا لغرفتها الجديدة يرتبن الأغراض التي أتت بها من السوق، لتقوم بعدها بقص شعرها حتى ذقنها معيدة إليه لونه الأسود الأصلي.
-
غيوُم الخريف تغطي السماء وغيوم القلق والحزن تغطي غلاف هذه الغرفة الكئيبة، تتوسط سريرها تقضم أظافر يسارها من شدة التوتر وأنامل يمينها تطرق على زر الاتصال في هاتفها للمرة التي فقدت قدرتها على عدها.
كانت جييو طوال الشهرين الماضيين شبه تحبس ذاتها في غرفتها تحاول الوصول لحبيبها بأي وسيلة كانت، إلا أنه قد تبخر من حياتها بعد ذلك اليوم في الكراج.
وفجأة، انقطع صوت الرنين العقيم ليحل محله صوت التقاط المكالمة.
فزعت من مكانها واعتدلت في جلستها وهي تمسك الهاتف بكلتا يديها والكلمات تخرج من فمها متضاربة ومتلعثمة
"يونغجو أخيرًا أين أنت؟ لماذا اختفيت كل هذه الفترة؟! هل أنت بخير؟ وييون... ماذا حدث لييون؟ أين هي الآن؟!"
ساد الصمت للحظات، صمتٌ بارد ومثقل بجفاء لم تعهده منه قط، قبل أن يأتي صوته هادئاً ببرود مرعب، خالياً من أي دفء كان يغمرها به سابقاً
"اهدئي قليلاً يا جييو... ألم تستوعبي اللعبة بعد؟"
تجمّد الدم في عروق جييو، وانخفض صوتها لتسأل بنبرة مرتعشة
"عـ... عن أي لعبة تتحدث؟"
سُمعت ضحكة خفيفة وساخرة من الطرف الآخر، ضحكة حطّمت آخر أمل في قلبها أن يكون ما قاله مجرد مزحة
"ارتباطي بكِ، كلمات الحب، والوعود... كل ذلك كان مجرد وسيلة للوصول إلى أخيكِ وإسقاطه عزيزتي.
كنتِ الطعم الأسهل يا صغيرة. لكن الحظ وقف بجانبي بشكل رائع، وييون هي التي وقعت في الفخ بدلاً منكِ، على مايبدو تأثيرها عليه أشد."
شهقت بشدة، وكأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة واضعة يدها على فمها محدثة إياه بنبرة مرتجفة
"ماذا تعني؟! ماذا فعلت بها؟! يونغجو أرجوك لا تؤذِ ييون!"
أجابها الآخر بلهجة قاسية ومستفزة زادت حطامها
"من أرسل الرسالة لبيكهيون يخبره أن عائلته ومن يثق بها تخونه وتلتقي بي؟ أنا.
من جعله يأتي ذلك اليوم لسطح تلك البناية بالذات؟ أنا.
ييون الآن في مكان لن تصلوا إليه أبداً، ولن أخبركِ بشيء عنها... اعتبريها ضحية غبائكِ وثقتكِ العمياء بي ياصغيرة."
"يونغجو! أرجوك كفّ عن هذا! أين ييـ..."
قبل أن تنهي جملتها، دوّى صوت نغمة إغلاق الخط.
أبعدت الهاتف عن أذنها وهي تحدق بالشاشة بذهول، قبل أن تسقط يدها على الفراش.
تلاشى كل شيء في لحظة حبيبها الذي ظنته أغلى ما قد تمنحه الحياة لها لم يكن سوى قذر مستغل، صديقتها وزوجة أخيها أصبحت ضحية في جحيم لا تعلم نهايته، وكل ذلك بسببها هي!
انهارت، وسقطت على ركبتيها بجانب السرير. احتضنت رأسها بين يديها وبدأت بالبكاء بشهقات مكسورة، نوبات من الفزع والندم تأكل أحشاءها.
كانت تصارع أنفاسها وهي تتخيل ما قد تعيشه ييون في هذه اللحظة بسبب طيشها.
وفجأة فُتح باب الغرفة ببطء ثقيل.
رفع بيكهيون رأسه ليدخل وكانت ملامحه شاحبة، عيناه متعبتين ومظلمتين، انطفاءة غريبة اكتسحتهما منذ اختفاء ييون.
توقف عند العتبة وهو يرى أخته منهارة بهذه الطريقة البشعة على الأرض.
اقترب منها بخطوات هادئة ونزل إلى مستواها ليمسك كتفيها متسائلاً عن سبب حالتها، فلم يغب عنه تغير تصرفاتها منذ ذلك اليوم
"جييو... ما بكِ؟ لماذا تبكين هكذا؟"
عندما رفعت عينيها المحمرتين وشاهدت وجه أخيها، شعرت بطعنة قوية تمركزت في قلبها من تأنيب الضمير لما آل إليه حاله.
رأت أمامها رجلاً مكسوراً يفقد عقله بحثاً عن محبوبته، بينما هي كانت السبب في هذا الدمار، وخوفها من أن تكون ييون و طفلها تحت أذى شديد بسببها جعلها تفقد القدرة على الكتمان أكثر.
أمسكت قميصه بقوة وهي تنتحب، مغمضة عينيها وهي تصرخ بكل ما كانت تخفيه
"بيكهيون... أنا آسفة! أنا السبب... أنا الأسوأ!"
قطب الآخر حاجبيه بجمود متسائلاً عما تقصده
"عن ماذا تتحدثين؟"
بقيت تبكي وهي تهز رأسها بنفي هستيري
"ييون... ييون لم تكن تخونك! ولم تكن تريد الهروب مع عدوك ذلك اليوم! هي لم تذهب للكراج لتلتقي بـ يونغجو..."
تسمر بيكهيون بمكانه وبردت أطرافه وهو يصغي لها، لتكمل الأخرى بصوت متقطع ومثقل بالندم
"ييون كانت هناك... لتغطي عليّ أنا! أنا من كنت على علاقة بيونغجو، وأنا من كنت هناك معه... هي فقط كانت تحميني منك وتستتر عليّ! لكنها وقعت ضحية لغبائي... أقسم إني لم أكن أعلم أنه سيء ويحاول استغلالي للإيقاع بك ظننته يحبني بحق!"
ساد الغرفة صمتٌ قاتل... صمتٌ أشد رعباً من بكائها، بينما اتسعت عينا الآخر ببطء، وكأن الصدمة شلت تفكيره بالكامل ليردف بهدوء غريب
"أين هي الآن؟"
هزت الأخرى رأسها بهستيرية وصوت شهيقها يعلو بين كل كلمة وأخرى تنطقها
"لا أعلم، رفض إخباري، أنا خائفة أخي، أرجوك أنقذها، إن حدث لها شيء بسببي لن أسامح نفسي."
أبعد يديها المتشبثتين بقميصه بقسوة ملتقطاً هاتفها المرمي على حافة السرير وضربه بالجدار محطماً إياه لأشلاء يخرج غضبه منها به، مردفاً بهسهسة وهو يصر على أسنانه بقوة
"لحسن حظكِ إنكِ اختي وإلا لكانت رأسك هي المحطمة بدل الهاتف، من اليوم لا خروج من المنزل، لمصلحتك صلي لأجدها وإلا لا أعلم ما قد يبدر مني."
-
الأيام كانت تمر ببطء. بدأت ييون عملها مع سيهون منذ شهرين بالفعل إلا إنها شعرت بهما كأنهما دهر، برغم محاولات الآخر لتلطيف الأجواء خلال العمل دون كسر الجدار الذي بنته بينهما بتوصيات مستمرة من جدته وزوجته.
العمل مع الحيوانات الأليفة والمواشي في القرية أعاد لها ولو القليل من استقرارها النفسي وإن كانت تقاتل بشدة علها تتخلص من طيف بيكهيون الذي يلاحقها كل ليلة ما إن تختلي بذاتها وتنجح بكبت مشاعرها، ازداد اهتمامها بصحة جنينها الذي بدأ ينمو يومًا بعد يوم.
رحلتها لم تكن سهلة أبدًا. ففي ليالي القرية الهادئة، كانت تقع ضحية لأفكارها فتجد نفسها فجأة تشتاق له، تارة تتذكر تفاصيل اهتمامه بها، كلماته وحتى اللحظات التي ما زالت تؤمن بأنها كانت حباً صادقاً.
وتبكي تارة أخرى تسأل نفسها إن كانت أخطأت بفعلتها بحقه وبحق ذاتها وطفلهما الذي قد يلومها بعدما يكبر دون أب يحتوي كباقي أقرانه.
فيبدأ عقلها يذكرها بكيفية استغلاله لها وتحكمه الخانق، يؤكد عليها أن مريضاً مثله يجب أن تتم معالجته وما فعلته هو عين الصواب لا أن تضحي بحياة طفلها ليكبر بين يديه.
لذا كلما شعرت بالضعف، كانت تنظر إلى بطنها وتتذكر أن طفلها يستحق أن ينشأ في بيئة صحية، بعيدًا عن هوس والده وسيطرته. بدأت تدريجيًا تقنع ذاتها أن مشاعر الشوق ما هي إلا بقايا ندوب قديمة تحتاج إلى وقت لتلتئم.
ومع نمو طفلها في أحشائها، كانت قوتها تزداد عازمة على ألا تلتفت للوراء، حتى وإن كان قلبها لا يزال ينبض ببعض الحيرة، تخرج مكنوناتها كل فجر للأسماك الصغيرة التي تسكن بحيرة قريبة من المنزل عند خروجها للمشي صباحاً.
في ليلة بعدما دخلت شهرها الثالث من حملها، ضربت القرية عاصفة أمطار قوية انقطع على إثرها التيار الكهربائي.
جلست في غرفتها تشعل شمعة وتراقب تراقص شعلتها، هاجمها طيف بيكهيون بشراسة غير مسبوقة لحظة شرودها.
تذكرت قلقه المفرط عليها عندما تمرض، نبرة صوته الحنونة التي كانت تأسرها.
بكت بحرقة وهي تحتضن بطنها، ودار في عقلها السؤال ذاته
"هل يبحث عني؟ هل هو حزين لأنني رحلت، أم غاضب لأنني خدعته؟".
دخلت الجدة أوه في تلك اللحظة حاملة كوباً من الحليب الدافئ، ورأت دموعها الغزيرة.
جلست بجانبها على طرف السرير، ومسحت على شعرها بحنان دون أن تنبس بحرف متيحة لها المجال لتفرغ ما بداخلها علها تجد السلام.
ومع دخولها شهرها الرابع من الحمل، بدأت التغيرات الجسدية تظهر عليها بوضوح، ومعه بدأت تتشكل شبكة أمان بداخلها لم تكن تتخيل وجودها من قبل.
فمعرفتها لجنس مولودتها وكل الحب والاهتمام الذي كانت تتلقاه من تلك العائلة أعانها لترتيب أفكارها أكثر.
علاقتها بالجدة التي كانت تسندها بطرق تفيض حناناً، فكانت تطهو لها و سويونغ وجبات خاصة غنية بالفيتامينات، وتتركها دافئة عند عودتها من العمل، تراقب ملامحها بدقة كأم تخشى على ابنتها.
وفي العمل، توطدت علاقتها بسيهون، لم يكن مجرد رئيس عمل بل كانت تصرفاته معها تذكرها بتشانيول دائماً.
كان يراعي ظرفها الصحي، ويمنعها من حمل الأشياء الثقيلة، ولا يكلفها سوى بتنظيم المواعيد والتعامل مع جروح الحيوانات البسيطة.
أما علاقتها بسويونغ كانت الأقرب، ورغم الفارق في أشهر الحمل، إلا أن هذا الرابط المشترك خلق بينهما كيمياء فورية. فهي تزور ييون في العيادة ببعض الأوقات حينما توصل طعام الغداء لها ولزوجها، وتجلس معها في حديقة المنزل الخلفية مساءً يدردشن خلال حياكتهن بعض الملابس لطفليهما و اغطية صوفية ذات دمى على شكل حيوانات.
كانت الشخص الوحيد الذي فتحت قلبها لها وحدثتها عن كافة تفاصيل ما حدث معها.
"انظري كيف يتحرك! أظنه سيكره الجزر ويكون مشاغب مثل والده."
قطعت سويونغ ضحكاتها وهي تضع يد ييون على بطنها لتشعر بركلات جنينها.
كانت هذه اللحظات بمثابة علاج نفسي مكثف لها.
فهذه الفتاة بعفويتها وحبها لزوجها وحياتها البسيطة المستقرة، أرتها الجانب 'الطبيعي والصحي' من العلاقات الإنسانية جانب مختلف عما كانت تحياه بعلاقتها وببكهيون ويجعلها تتسائل هل ستستطيع مساعدته ليحصلوا على مثل هذه العلاقة الزوجية السعيدة.
ارتسمت بسمة صادقة لشعورها بحركة جنين الأخرى لتردف بخفوت محدثة الأخرى
"بصراحة سويونغ، منذ فترة اتخذت قراراً مهماً... بعدما ألد سأعود لسيول."
قطبت الأخرى حاجبيها بعدم فهم متسائلة عن مقصدها
"كيف؟ أولم تخبريني أن زوجك له سيطرة قوية هناك؟ كيف ستخاطرين بطفلتك؟ ماذا إن تعرضتما للأذى منه؟"
تنهدت الأخرى تمسح على بطنها بخفة مجيبة إياها
"لم أبتعد عنه لأعود مجدداً لنقطة الصفر، الجميع يتغير بعدما يصبحون آباء. أولم تخبريني أن سيهون كان فتى طائشاً قبل حملك؟ هو الآن يحاول بجد ليكون أباً صالحاً... رؤيتي له وسعادته في كل مرة يشعر بحركة طفلكما وحديثه اليومي معه يجعلني أشعر بالذنب لأني حرمت بيكهيون من هذه اللحظات."
اعترضت الكبرى بضيق تنهرها من الانصياع لهذه الأفكار الغريبة
"أتُمازحينني؟ وضع سيهون مختلف عنه، بعدما عشتِه بسببه هل حقاً ما زلتِ تفكرين به بهذه الطريقة؟! إنه مجرم ومريض، لن أسمح لكِ برمي ذاتك والصغيرة بالتهلكة بسبب مشاعرك المتخبطة!"
"لذلك أُخبركِ إني سأعود بعدما ألد، هو ليس سيئاً لهذه الدرجة، أثق بأنه سيتغير بعدما يراها لذا سأشترط عليه أن يحصل على العلاج إن أراد عودتنا... لن يرفض، هو لم يرفض لي طلباً مطلقاً."
أردفت بصوت خفيض توضح مقصدها، لتجيبها الأخرى بإنفعال هامسة كي لا يسمعهما أحد
"هرمونات حملك أخطر مما ظننت، لذا لا تفكري فتفكيرك سينقص عمري!"
قطع حوارهما صوت سيهون يلقي عليهما التحية ما إن دخل المنزل، ليتقدم باتجاه زوجته يترك قبلة على جبينها
"كيف حال فتاتي الرائعة وجميلة سيول؟"
زفرت ييون بضيق من ذلك اللقب الذي لا ينفك أهل القرية بإطلاقه عليها، لتردف بإنزعاج طفيف بينما الأخرى تقهقه بخفة على طاقته اللطيفة حتى بعد نهاية يوم عمل متعب
"بحقك كم مرة أخبرتك أن لا تناديني بهذا اللقب؟ ألا يكفي الكبار هنا يرفضون التخلي عنه!"
هز كتفيه بلا مبالاة محتضناً زوجته من الخلف مجيباً إياها، خاتماً حديثه بقهقهة شريرة
"ليس وكأنه ذنبي، مينوو من جعل الجميع يحفظه، لا أستطيع نسيان شكله عندما علم أنكِ متزوجة وحامل بعدما كان يراهن بأنه سيوقعك بحبه، كانت صدمته كارثية بعد رؤيته لبطنك المنتفخة ما إن عاد من رحلة عمله!"
هزت رأسها بيأس منه، فهو لا يفوت ثانية يستطيع بها أن يشمت بصديقه.
بحلول الشهر السادس، ازداد حجم بطنها أكثر وأصبحت حركة جنينها واضحة.
عادت العاصفة الثلجية لتضرب قرية "تانغكيت" بعد أيام قليلة من ولادة سويونغ، وفي ذلك اليوم القارس، خرجت برفقة سيهون لجلب بعض المستلزمات الطبية الطارئة للعيادة من مركز المدينة في هينام.
خرجت بإتجاه السيارة حاملة بيدها صندوقاً كرتونياً صغيراً لتلمح عبر الشارع رجلاً يرتدي معطفاً أسود طويلاً ترجل من سيارته لتوه.
تسمرت في مكانها واجتاحها رعب متمنية أن يكون ما تراه مجرد هلوسات. اندثرت آمالها ما إن التقت عينيها بخاصته، وابتسامة سعيدة رسمت على شفتاه بعد لحظات من صدمة ما رآه.
رمت ما بيدها بداخل صندوق السيارة تسحب يد سيهون دون فصل نظرها عمن يقبع أمامها ويتقدم نحوها.
زالت بسمته لتحل محلها نظرات أرعبتها ما إن لمح الآخر بجانبها، لتتمتم بشفتين مرتجفتين مستمرة بسحب سيهون نحو باب السائق
"إنه بيكهيون، بسرعة لنذهب أرجوك بسرعة لا يجب أن يجدني الآن."
لم يفهم ما تتفوه به حتى التفت حيث توجه أنظارها وهي ترتجف، ليرى رجلاً يحاول عبور الشارع ناحيتهم بسرعة ونظرات لا تبشر بأي خير، ليردف بعدما أسرع بفتح باب السائق جالساً خلف المقود
"اركبي بسرعة، سنغادر."
انطلق بالسيارة محاولاً إضاعته حالما لحقهما الآخر بسيارته على ذلك الطريق الجبلي الوعر.
بعدما تركوا طريق المدينة المستقيم خلفهم، انعدمت الرؤية تقريباً بسبب كثافة الثلوج.
انحرفت السيارة بسبب الطريق الزلق حاول سيهون السيطرة عليها، لكن الإطارات انزلقت على الجليد، لتهوي السيارة في منحدر صخري ليس بمرتفع كثيراً وتنقلب وسط صرخات ييون وهي تحاوط بطنها بكلتا يديها وسيلة حماية لطفلتها حتى تلاشى صوتها مع غيابها عن الوعي.
⁷ الهروب و التعافي
Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋