NOVELFLEX

³ إختطاف

Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋

-

.

على ذلك السرير المريح، كانت تحرك يدها اليسرى بوهن فوق الطاولة الجانبية،
بحثاً عن كوب الماء الذي عادةً ما تضعه هناك قبل النوم، وهي تتمتم بضيق جراء الصداع والألم الذي يفتك بجسدها،
كرد فعل معتاد في كل مرة تثمل فيها.

لامست أناملها كأس الماء أخيراً لتجرعه دفعة واحدة مغمضة عينيها،
غير مستعدة لمواجهة ضوء الشمس الذي تستشعر تسلله عبر جفنيها المغلقين.
"آه تباً، أشعر كأن قطاراً قد دهسني! ألا يكفي ذلك الحلم المزعج؟"

أعادت احتضان الوسادة دافنة وجهها بها، وحركت يدها بعشوائية على السرير بحثاً عن هاتفها،
لتنتبه أخيراً إلى الحجم الهائل للسرير الذي يحتويها.
انتفضت تقف على ركبتيها فاتحة عينيها على وسعهما؛ *لم يكن ذلك حلماً!* هذا ما كان يجول بخاطرها وهي تتفحص الغرفة الواسعة.

نزلت عن السرير بحذر، تبحث في أركان المكان عن شيء يرشدها دون أدنى فائدة؛ فالمكان غريب تماماً،
ولم تكن تعرف أحداً بمثل هذا المستوى من الثراء ليملك مكاناً بهذا الرقي.

والآن فقط، بعدما لمحت خيالها في المرآة أمامها، انتبهت أنها لا ترتدي ثياب ليلة أمس ذاتها،
بل ثوباً أبيض يصل إلى فخذيها، بحافة رمادية عند الرقبة والأكمام القصيرة.
وبالركن بجانب المرآة كانت هناك طاولة في الركن تحوي إطارات لصور التُقطت لها على غفلة،
وهي تقرأ تقارير المرضى بتركيز، وعند خروجها من مقهاها المفضل حاملة قهوتها المثلجة،
وخلال تناولها غداءها بكافتيريا المستشفى، وأخرى لها وهي تضع يدها أسفل ذقنها تطالع الفراغ بشرود فتلك كانت منذ ايام قليلة وهي بعملها الجزئي.

اكتسح الخوف أوصالها، فنقلت خطاها ببطء خشية وجود أحد قد يكتشف استيقاظها.
حاولت فتح باب الغرفة ببطء وهي على يقين أنه مقفل، فمن ذا المجنون الذي سيخطف أحداً ويضعه في مكان كهذه الغرفة ويترك الباب دون قفل؟
هي هنا لغاية مجهولة مع أناس مجهولين، وليست في عطلة.

إلا أن أفكارها تلك تلاشت عندما فُتح الباب بسهولة، لتجد نفسها في ممر يقود بنهايته إلى باب كبير مفتوح على وسعه.
تقدمت بخوف كبير لتجد غرفة الجلوس مضاءة بنور خافت ينبعث من الثريا الكريستالية في السقف،
ورجحت أنها ليست في الطابق الأرضي لوجود سلم ذي سور خشبي في الجانب الآخر.
كادت تخطو ناحيته، لكن عينيها تجمدتا فوراً على أحد الجدران؛ حيث كانت تقبع لوحة زيتية ضخمة لها،
مرسومة بدقة متناهية، تظهر فيها وهي تشع في وسط حلكة ظلام سماء الليل المرصعة بالنجوم.

"هل أعجبتكِ؟ لقد أخذت مني ليالٍ طوالاً دون نوم، فقط في سبيل إتقان سحر نظراتكِ."
انتفضت ملتفتة بفزع نحو الصوت الهادئ خلفها، ودققت في ملامحه لتتذكر أخيراً الرجل الذي يتكئ بذراعه على حافة سور السلم.

"أنت!"
نطقتها بعدما شهقت بصدمة، فهو ذاته ذلك الرجل الذي ساعدته منذ قرابة الثلاثة أشهر؛ "بيون بيكهيون".

"ماذا يحدث هنا؟ هل كنت أنت حقاً خلف ما حدث ليلة أمس؟"
أردفت بتشتت تحاول استيعاب الموقف، فإقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى خطوات قليلة،
ينظر إليها بنظرات جعلتها تستشعر الأمان والخوف في الآن ذاته.

"لأسابيع طويلة حاولت خلق مصادفة أخرى للقائنا، لكنكِ من كان يحول بيننا، لذا فضلت إحضاركِ عندي لنبدأ من هنا."
أجابها بهدوء مستفز، وكأنه أحد المقربين منها وقد جهز لها مفاجأة لطيفة.
تقدمت منه أكثر تطالع عينيه بغضب عارم، دافعة إياه من صدره بين كلماتها الثائرة،
بينما هو يتراجع بخفة يجاري دفعاتها لتخفيف غضبها.

"هل أنت مجنون؟ لقاء ماذا وأي خطط تلك؟ أتظن أننا في فيلم 365 Days أم ماذا؟ ما قمت به يعد جريمة أيها المعتوه المختل!"
أمسك كلتا يديها يحتجزهما بيساره خلف ظهرها بخفة خشية إيلامها، بينما يمينه تتحسس ذقنها بلطف منتقلًا إلى وجنتها.

"كنت أعلم أنكِ ستلاحظين ذلك، لن أنكر، خططت لجعل الأمر مشابهاً. أولم تشاهديه منذ شهر وأعجبكِ؟ لذا خطر لي أن أجعلكِ تعيشين تفاصيله، إلا أنني لن أحتاج عاماً كاملاً لأحصل عليكِ، يكفيني ربع هذه المدة."

ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بجسدها يتصلب تحت تأثير لمسته الدافئة التي تناقضت تماماً مع برودة الخوف الصاعق في عروقها. كلماته لم تكن تهديداً، بل إعلاناً صريحاً عن خطة مدروسة بدقة مرعبة.

بالأصل كيف عرف بخصوص ذلك الفيلم؟
ذلك ما دار في فكرها للحظات قبل ان تحاول سحب يديها المقيدتين، لكن قبضته كانت كقيد لا يتزحزح.
نظرت في عينيه مباشرة، وجمعت كل ما تبقى لها من شجاعة لتصرخ في وجهه
"أنت مريض! هذا ليس فيلماً، هذه حياتي الحقيقية! لدي عمل، وعائلة، وأصدقاء سيبحثون عني فوراً! اتركني أذهب الآن قبل أن ينتهي بك الأمر خلف القضبان!"

ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ثم مال برأسه قليلاً وهمس واضعاً إبهامه على شفتيها ليمنعها من مواصلة الصراخ
"عائلتكِ؟ لقد أرسلتُ لصديقكِ ذاك ووالدته رسالة من هاتفكِ تخبرينهم فيها أنكِ ستسافرين لمدة للابتعاد عن ضغوط حياتكِ، وباقي أصدقائكِ يظنونكِ في عطلة بمكان ريفي بعدما شاهدوا منشوركِ الأخير على الإنستغرام، والذي قمتُ بنشره أيضاً بدلاً عنكِ."

اتسعت عيناها بذهول ورعب حقيقي من كلماته لاتعرف كيف ستخرج نفسها من هذه الورطة.
"أنت مريض..."
همست بنبرة مخنوقة، لتهبط دمعة حارة على وجنتها، مسحها هو ببطء ولين شديدين وهو يطلق سراح يديها أخيراً،
ليتراجع خطوة إلى الوراء قائلاً

"أنا فقط رجل مدين لكِ بحياته، وقررتُ أن أهبكِ حياتي بالمقابل، لكن بطريقتي الخاصة.
الغرفة غرفتكِ لن أشارككِ إياها حتى توافقي على ذلك، والمنزل بأكمله تحت تصرفكِ... باستثناء البوابة الخارجية طبعاً.
الغداء سيجهز بعد قليل، أتمنى أن ترتدي شيئاً مريحاً من الخزانة، و أيضاً ستشاركنا المنزل أختي الصغيرة لكيلا تشعري بالوحدة في أوقات غيابي."

استدار بكل برود متوجهاً نحو السلم الخشبي، تاركاً إياها تقف في منتصف رعبها.
نظرت حولها بتشتت، لكن غريزة البقاء استيقظت بداخلها، لم تكن لتستسلم لتكون بطلة روايته المريضة.
استغلت غيابه ونزلت درجات السلم ببطء شديد، فالاندفاع الأعمى لن يفيدها في مكان كهذا.

عندما وصلت إلى نهاية السلم، وجدت نفسها في ردهة واسعة.
رأت باباً زجاجياً مطلاً على حديقة داخلية بحوض سباحة، ظنته مهربها، إلا أنه كان محاطاً بسياج مرتفع جداً.
عادت أدراجها متجهة ناحية الباب الرئيسي للمنزل، كان ضخم ومصنوع من الخشب الداكن والمعدن،
وبجانبه جهاز تحكم رقمي... أي إنَّ الباب مقفل برمز سري.

"تباً..."
همست بقهر. لكنها انتبهت لضوء خافت ينبعث من غرفة جانبية تبدو كـ "مكتب شخصي".
خطت نحوها تلمس الكتب، لكن ما جذب انتباهها حقاً كان مكتباً خشبياً ضخماً في منتصف الغرفة،
عليه حاسوب مغلق، وبجانبه مفكرة جلدية سوداء.

اقتربت بحذر، وفتحت صفحاتها لتقع عيناها على خط يده الأنيق.
لم تكن مجرد مذكرات، بل كان تخطيطاً دقيقاً لكل تفاصيل حياتها، جداول بمواعيد مناوباتها،
أسماء صديقاتها، وقائمة بأطعمتها المفضلة.
وفي الصفحة الأخيرة، كُتب تاريخ ليلة أمس وجانبه عبارة واحدة: *ييون خاصتي، أهلاً بكِ في منزلنا*.
شعرت بقشعريرة تضرب عمودها الفقري من هذا الجنون الذي تراه.

"هل تجدين ما يثير اهتمامكِ؟"
اخترق صوته هدوء المكان لترتعب، وتغلق المفكرة بسرعة وهي تلتفت إليه.
كان قد بدل ملابسه ويمسك بيده كوبين من الشاي الدافئ، واضعاً إياهما على الطاولة بوقار تام.

"أنت مريض... حقاً مريض يا بيكهيون، هذا الذي تفعله يسمى هوساً قهرياً، تحتاج إلى علاج!"
هتفت وهي تتراجع حتى اصطدمت بحافة المكتب.

تقدم نحوها بهدوء، وحاصرها بجسده مستنداً بيديه على المكتب خلفها، لينحني مستنشقاً عبير شعرها قبل أن ينظر في عينيها.
"العلاج؟"
هذا كل ما تسائل عنه يناظر عيناها ليكمل بابتسامة مريرة،

"لقد كنتُ شبه ميت يا ييون، والجميع كان ينتظر سقوطي. لكن في تلك الليلة الماطرة،
عندما تخلى عني من كنت أظنه صديقي، جئتِ أنتِ وأنقذتِني وضمدتِ جراحي دون أن تسألي حتى عن اسمي.
أنتِ علاجي الوحيد... والآن، حان دوري لأحميكِ من عالم لا يستحق نقاءكِ."

لامست أصابعه وجنتها مجدداً، لكن هذه المرة لم تحاول الابتعاد، ليس استسلاماً، بل لأنها أدركت شيئاً خطيراً،
بيكهيون يرى فيها طوق النجاة الوحيد لروحه المظلمة، ومواجهته بالعنف لن تزيد الأمر إلا سوءاً.
أخذت نفساً عميقاً، وحاولت خفض نبرة صوتها

"إذا كنت تراني طوق نجاة بحق... فالأسرى لا يثقون بسجانيهم. كيف تريدني أن أمنحك الأمان الذي تبحث عنه، وأنا لا أستشعره؟"

توقفت يده على وجنتها، ومرت لمعة من التردد والصدمة في عينيه، وكأن كلماتها أصابت وتراً حساساً بدواخله.
صمت لثوانٍ قبل أن يبتعد عنها خطوة قائلاً بنبرة غامضة
"سأعطيكِ الوقت لتفهمي... ولتعتادي. لكن تذكري دائماً، الخروج من هنا ليس خياراً مطروحاً إذا لم يكن بجانبي. الغداء جاهز لا تتأخري، فأنا أكره أن يبرد الطعام."

استدار ومشى نحو الباب متوجهاً لغرفة الطعام.
صعدت إلى الغرفة مجدداً بعدما لملمت شتات ذاتها.
فتحت الخزانة واختارت رداءً منزلياً بسيطاً باللون الأسود، أخذت دوشاً سريعاً تاركة شعرها منسدلاً على ظهرها دون تجفيف،
ونزلت إلى الطابق الأرضي متتبعة رائحة الطعام التي قادتها إلى الغرفة الفاخرة المرتبة بأناقة دافئة مع كل تلك المزهريات ذوات انواع الأزهار الخاطفة للأنفاس و الشموع البيضاء الطويلة تناقض تماماً حقيقة الموقف.

عندما رآها بيكهيون تدخل، أضاءت عيناه، ووقف فوراً ليسحب لها الكرسي المجاور له.
جلست بهدوء وبدأت تتناول طعامها بصمت تحدٍ،
مما جعل بيكهيون يتحدث لكسر هذا الجمود

"أرى أنكِ بدأتِ تتقبلين الوضع أسرع مما توقعت. هذا يثبت كم أنتِ عاقلة، ييوني."

وضعت شوكتها ببطء، والتفتت بكامل جسدها نحوه قائلة بنبرة باردة
"أنا لا أتقبل الوضع، إنما أدرس مريضي. رأيت الكثير من الحالات النفسية بالفعل خلال عام تدريبي الأول،
وأنت لست سوى حالة متطورة من هوس الاستحواذ الناتج عن صدمة خذلان قديمة.
ظننتَ أنك بامتلاكي ستمتلك الأمان،
لكنك نسيت أن الخوف الذي تزرعه داخلي الآن سيعود إليك كراهية... هكذا لن تنال الأمان."

تصلبت ملامحه، ووضع كأسه بعنف قليل على الطاولة قائلاً بنبرة حادة
"أنا لستُ مريضكِ، ولا تحاولي استخدام أساليبكِ معي. أنا الرجل الذي يملك كل تفصيل في حياتكِ الآن."

لم ترمش حتى، بل اقتربت منه أكثر
"إذن افعلها... اضربني، هددني، أو احبسني في مكان مظلم.
لكنك لن تفعل، أتعلم لماذا؟ لأنك تخاف أن تراني أنظر إليك باحتقار أو كره.
أنت تريد نظرتي لبيكهيون الذي أنقذتُه، الرجل الذي يحاول إثارة إعجابي، لا الخاطف الذي أكرهه."

ساد الصمت، وفجأة، تحولت ملامحه الحادة إلى ضحكة منخفضة ارتفعت تدريجياً حتى صدحت بأركان المكان.
انحنى لها واضعاً يديه على مساند كرسيها، هامساً
"ذكية... ذكية جداً، وهذا يجعلني أعشقكِ أكثر.
تريدين التحدي؟ حسناً، لنرى من منا سيكسر الآخر أولاً يا فتاتي الفولاذية.
سأترك لكِ الخيار لتأتي إليّ بنفسكِ. لكن تذكري... في النهاية، ستطلبين أنتِ البقاء بجانبي."

ثم استقام وغادر غرفة الطعام تاركاً إياها بتخبطاتها.
تركت الهواء يخرج من رئتيها بعد رحيله.
كانت يدها ترتجف، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة ممتزجة بالتحدي،
لقد نجحت في الجولة الأولى، وهو لن يؤذيها بأي طريقة كانت لأنه يحتاج لرضاها النفسي.

أشرقت شمس اليوم التالي، وبينما كانت تهبط السلم الخشبي ببطء، سمعت فجأة صوتاً خلف الباب الرئيسي،
صوت ضحكات خفيفة يليه صوت فتح القفل برمز المرور، ثم فُتح الباب الضخم لتدخل فتاة في أوائل العشرينيات من عمرها تحمل بعض الكتب، ووجهها يشع حيوية.

توقفت الفتاة مكانها فور أن لمحت الكبرى.
اتسعت عيناها بذهول، ثم سقطت الكتب من يدها فجأة.

"أوه... يا إلهي!"

صرخت الفتاة بفرح عارم، راكضة نحو السلم مادّة يديها لتمسك بيدي ييون بحماس
"أنتِ ييون، أليس كذلك؟ الممرضة التي أنقذت أخي وسرقت قلبه! أنا لا أصدق عيني!"

تراجعت الكبرى خطوة بتوجس من غرابة الفتاة أمامها
"من أنتِ؟ وكيف تعرفين اسمي؟"

ابتسمت الفتاة ببراءة وقالت
"أنا جييو، شقيقة بيكهيون الصغرى. كان أخي لا يتوقف عن الحديث عنكِ،
لقد رأيت صورتكِ في مكتبه آلاف المرات وحتى غرفته... لم أتوقع أن أجدكِ هنا بالفعل! هذا رائع حقاً!"

تأملت وجه الصغرى، كانت ملامحها تنضح بالصدق، ويبدو واضحاً أنها لا تملك أدنى فكرة عن أن أخيها قد قام باختطافها! شعرت ببريق من الأمل، فجييو قد تكون مفتاح نجاتها.

رسمت ابتسامة هادئة ونزلت معها لتساعدها في جمع الكتب
"أهلاً بكِ يا جييو. يسعدني لقاؤكِ أيضاً... في الحقيقة، تواجدي هنا... كان مفاجئاً قليلاً بالنسبة لي."

قاطعتها الصغرى وهي تضحك بلطف
"أعلم، أعلم! أخي غريب الأطوار عندما يتعلق الأمر بالمفاجآت. لكنه يحبكِ حقاً."

في تلك اللحظة، رنّ صوت خطوات الرجل ينزل السلم بوقار استعداداً للخروج.
تلاقت عيناه بعيني ييون بنظرة تحمل تحذيراً مبطناً،
ثم تحولت نظراته فوراً إلى شقيقته لتصبح دافئة مردفاً يقبل جبينها

"جييو؟ لم أكن أعلم أنكِ ستصلين مبكراً هكذا."

"أردتُ مفاجأتك أخي! ولم أكن أعلم أنك تستضيف ييون هنا، أنا سعيدة للغاية!"

نظر إلى ييون وابتسم ابتسامته الغامضة المستفزة تلك ذاتها مردفاً

"نعم... هي قررت قضاء بعض الوقت معنا للراحة والابتعاد عن الضغوط، أليس كذلك ييوني؟"

شدت الأخرى على يدها بقوة خلف ظهرها وهي تشعر بالمرارة من تمثيليته المتقنة،
لكنها قالت بنبرة هادئة تجاريه
"بالتأكيد... وأعتقد أن وجود جييو هنا سيجعل فترة إقامتي 'المؤقتة' ممتعة ومختلفة تماماً عما خططتَ له."

اكتفى الآخر بابتسامة غامضة ناقلاً حديثه لأخته
"جييو، اعتني بضيفتنا جيداً."

ثم ألقى نظرة أخيرة مطولة على ييون تحمل تحذيراً من تجاوز الخطوط الحمراء مع شقيقته، وغادر المنزل.

لتصيح الصغيرة بحماس
"حسناً يا زوجة أخي المستقبلية! ما رأيكِ أن نذهب للمطبخ لنعد شيئاً نأكله؟"

كتمت نفورها من تسمية 'زوجة أخي' تلك وسارت بجانبها نحو المطبخ بذهن يحلل الموقف،
هذه الفتاة هي تذكرتها الوحيدة للنجاة، وعليها كسب ثقتها أولاً بحذر.
لتردف وهي تساعدها في تقطيع بعض الفواكه

"في الحقيقة يا جييو... أخوكِ شخص يصعب فهمه.
لقد فاجأني حقاً بدعوته، حتى إنه... أحضرني إلى هنا وأنا نائمة بعد يوم متعب،
ولم أستوعب الأمر إلا عندما استيقظت."
صاغت جملتها بدقة، نصفها حقيقة ونصفها دعابة لتختبر رد فعلها.

ضحكت الأخرى بخفة مجيبة إياها
"أوه، هذا يشبهه تماماً! أصبح شديد الحذر بعد حادثته الأخيرة،
ونقلنا إلى هنا في هذه المنطقة المعزولة لحمايتنا.
إنه مهووس بالأمان لدرجة أنه غير كل أنظمة القصر لتعمل برمز سري وبصمة وجهه هو فقط."

توقفت يداها عن التقطيع لتحاول استدراج الصغرى بالحديث أكثر
"حقاً؟ حتى الباب الخارجي؟"

"نعم، الباب الخارجي والخلفي أيضاً.
لا أحد يملك مفتاحاً أو رمزاً سواه، حتى أنا عندما آتي، أتصل بحراسه الشخصيين ليفتحوا لي."
هبطت المعلومة كالصاعقة؛ الهروب الفردي مستحيل تقنياً دونه.

حاولت جعل نبرة صوتها طبيعية وهي تحدث الصغرى بطلب
"جييو... هاتفي قد تعطل بالأمس، وكنت بحاجة ضرورية للاطمئنان على أمي. هل يمكنكِ إعارتي هاتفكِ لدقائق معدودة؟"

"بالتأكيد..."
بدأت جييو تبحث عنه في جيوبها، لكن قبل أن تخرجه، رن جرس إنذار خفيف في أنحاء المطبخ،
واهتز هاتف جييو في يدها
"أوه، إنه أخي يتصل فيديو!"

فتحت الصغيرة الخط ليظهر وجه بيكهيون على الشاشة، قال بنبرة هادئة بينما يراقب الطريق أمامه بتركيز
"عزيزتي جييو، أردت فقط الاطمئنان عليكما. هل كل شيء بخير؟"

"أجل أخي، نحن في المطبخ نعد الوجبات، ييون لطيفة جداً!"
تحولت عيناه في الشاشة لتنظر مباشرة نحو ييون التي كانت تقف خلف جييو،
وابتسم ابتسامة باردة ذات مغزى، كأنه كان يتوقع هذه الخطوة تماماً ويراقبهم عبر كاميرات القصر الخفية، ثم قال

"جييو، لقد نسيت أن أخبركِ، شبكة الاتصال في هذا الجزء من المنطقة ضعيفة اليوم بسبب الصيانة، لذا يفضل ألا تستخدمي الهاتف كثيراً حتى يتم إصلاحها، اعتنيا بنفسيكما ولن أتأخر في العودة."

أغلقت الصغرى الخط والتفتت إليها بأسف
"آه، يبدو أن الحظ السيء يلاحقنا، الشبكة ضعيفة فعلاً ولا يوجد إرسال كافٍ لإجراء مكالمة."
نظرت ييون إلى الفراغ بشعور بالاختناق، لقد أحكم حصاره تماماً وقام بتشويش الشبكة فور أن رأى اقترابها من جييو.
أدركت أن المعركة لن تكون سهلة، فهو يسبقها بخطوة دائماً، لذا قررت تغيير خطة اللعبة.

انقضى الأسبوع الأول، وخلاله ابتعدت تماماً عن استفزازه، تجاريه أمام جييو وتترك مسافة بينهما عندما يكونان بمفردهما،
وقد نجحت تقريباً في جعل ارتيابه يخف.

كانت جالسة على الكرسي بجانب حوض السباحة شاردة،
استفاقت بعدما شعرت بخطواته تقترب منها ليجلس على الكرسي الآخر جوارها.
طالعته بهدوء بعدما طال الصمت بينهما، لتجده يحدق بها بالفعل، لذا قررت هذه المرة أن تنهي هي هذا الصمت محدثة إياه بهدوئها الذي اعتاده
"قل فقط ما تريد، لِمَ هذه النظرات الغريبة؟"

ابتسم بخفة لها قبل أن يردف بهدوء
"هل تريدين الخروج؟ فأنتِ لم تغادري المنزل منذ مدة."

"وإلى أين سنذهب؟"

رفعت حاجبها الأيمن باستغراب، ليعتدل في جلسته مجيباً إياها
"يوجد حفل في فندقنا الليلة، إنه حفل خطوبة صديق لي، لذا فكرت في أخذكِ معي."

"حسناً ولِمَ لا، أنا أشعر بالملل هنا بالفعل."
أجابته بعد صمت دام ثواني من التفكير بعرضه.

كانت ترتب جزءاً من خصلات شعرها الشقراء على كتفها بعدما قامت بتتمويج جزئه السفلي، وانتهت من وضع مكياج خفيف.
اختارت فستاناً بلون بنفسجي فاتح من قماش الساتان الحريري الناعم، ذي ياقة منسدلة بشكل فضفاض وثنيات عريضة ناعمة على منطقة الصدر،
تمتد لتغطي كتفيها وتنتهي بأربطة رفيعة متدلية، ضيقاً عند الخصر وينتهي بتنورة طويلة فضفاضة.

سمعت صوت طرق على باب غرفتها شبه المفتوح بالفعل، تلاه دخول بيكهيون بحلته الرسمية،
بذلة سوداء وقميص أبيض ترك أول زرين منه دون إغلاق، ويرفع شعره كالمعتاد كلما أراد الخروج من المنزل.
راقبت خطواته الهادئة باتجاهها واضعاً يديه خلف ظهره حتى توقف على مسافة قليلة منها،
يراقب كل إنش فيها بعينين تفيضان إعجاباً.
تقدم منها أكثر وزفر بتثاقل بعدما أمسك بيدها يلفها حول نفسها، لتقطب الأخرى حاجبيها بتساؤل من رد فعله هذا.

"ماذا؟!"

"تبدين جميلة لدرجة تجعلني أشعر بالاختناق لأنني سآخذك بيدي وتكونين أمام أنظار الجميع بهذا المظهر الملفت."

أجابها بحسرة ظاهرة على نبرته لتزفر بملل، فهو حرفياً كل صباح يكرر عليها كم تبدو رائعة بزيها الجديد والذي هو مجرد بيجاما منزلية،
وكأن هذا الحوار نشيد صباحي إلزامي. هزت رأسها بيأس متسائلة

"إذن هل أبقى هنا؟"

أجاب يحرك رأسه بالرفض، ليخرج يده الأخرى التي كان يمسك بها علبة مربعة مخملية من خلف ظهره مكملاً حديثه

"لا، لقد أعطيت كلمتي باصطحابك ولن أتراجع عنها، لكن... خلال هذه الليلة فقط، هل تستطيعين أن تكوني حبيبتي؟"

"بهذه السرعة؟"
تساءلت بنبرة ساخرة قليلاً، فأكمل الآخر حديثه متنهداً

"بيننا رهان على أي حال ولن نبقى إلى الأبد في هذه الحلقة المغلقة، لذا لِمَ لا نجرب الأمر؟.. هذه ستكون إجابتك،
سأنتظرك بالأسفل والقرار لكِ".

وضع العلبة المخملية بين يديها تاركاً إياها تطالع عقد اللؤلؤ في العلبة تارة، وظهره وهو يغادر الغرفة تارة أخرى.
زفرت بضيق من هذا الوضع الجديد الذي يبدو عليه في اليومين الأخيرين،
والذي جعلها تتخبط في أفكارها حقاً عن كيفية إيجاد طريقة لتتعامل معه.

"هل يعاني من اضطراب ثنائي القطب أم ماذا؟ حسناً ييون، فقط لننهِ هذه الليلة بسلام".

أخرجت العقد من علبته لترتديه، وقد أضاف لمسة خلابة لمظهرها.
التقطت حقيبتها الكريستالية الصغيرة و معطفها وهمت بالنزول حيث ينتظرها يعبث بهاتفه وعلامات الانزعاج مرسومة على وجهه.
حالما سمع وقع كعب حذائها يعزف موسيقاه على درجات السلم، رفع أنظاره تجاهها لتتحول ملامحه من انزعاج إلى ابتسامة صغيرة زينت محياه ما إن لمح عقد اللؤلؤ يزين عنقها وتزيد من شدة بياضه.

مد يده باتجاهها ليساعدها على إكمال سيرها،
فتمسكت به دون تفكير هذه المرة لأنها قد قررت بالفعل مجاراته الليلة علها تجد وسيلة تنجدها هناك.

بداخل قاعة المناسبات ذات الإضاءة الخافتة، دخل كلاهما والأنظار تحيط بهما،
حتى تقدم نحوهما ثنائي رجحت أنهما صديقه ذاك وخطيبته من أزيائهما.

"رائع، لقد أتى اليوم الذي أرى فيه بيون بيكهيون يدخل مناسبة مع فتاة، ألن تعرفنا؟"

أردف الرجل الذي يشبه القطط بينما يمد كفه مصافحاً الآخر، ليأتيه الرد بعدما حاوط خصرها بيده يقربها منه

"جانغ ييون... حبيبتي، والشخص الأكثر أهمية في حياتي. عزيزتي، هذا صديقي كيم مينسوك، العريس الذي أخبرتك عنه، وخطيبته كون نارا."

حيتهما تومئ برأسها بينما تراقب بحذر المكان علها تجد مخرجاً.

عرفها على بعض الأشخاص الذين اضطر لمحادثتهم في مواضيع تخص العمل، ثم استأذن من الرجل أمامه منهياً الحديث،
وسحبها برفق وسط الظلام إلى بقعة الضوء وسط القاعة بعدما همس في أذنها يستأذنها

"إنه وقت الرقص، هل تسمحين لي؟"
أومأت برأسها دون النطق بشيء لينضما إلى بقية الثنائيات يؤديان رقصتهما معهم.

ما إن انتهيا وتوجها إلى طاولتهما، استوقفته بحجة حاجتها لاستخدام الحمام،
أومأ لها مشيراً إلى مكان تواجده، فأسرعت خطاها نحوه.
وقفت أمام المرآة وقلبها ينبض في أذنها من شدة خوفها لما ستفعله الآن، فقد لمحت سابقاً مخرج طوارئ،
وعزمت أمرها بنقل خطاها تجاهه بعدما تأكدت من انشغال بيكهيون بمكالمة عبر هاتفه.

ركضت تجاهه بسرعة تحاول فتحه دون جدوى كان مقفلاً.
وما جعل الدماء تتوقف عن الجريان في عروقها هو شعورها بيد أمسكت بمرفقها وقادتها بصمت وهدوء مرعب نحو ممر خلفي معزول عن قاعة الحفل، ولم يكن سوى بيكهيون.

دفعها بخفة لتستند إلى الجدار، وحاصرها بجسده بالكامل واضعاً يديه على الجدار بجانب رأسها،
لينحني نحوها حتى شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس وجهها، و أردف بنبرة منخفضة للغاية تحمل خيبة أمل ممزوجة بغضب مكتوم

"كنتِ رائعة في الداخل... رائعة جداً لدرجة أنني كدت أصدق أنكِ بدأتِ تحبينني حقاً، لكنكِ استغلتِ ثقتي في أول فرصة، أليس كذلك ييوني؟"

"لم أطلب ثقتك يوماً، كل ما أريده هو العودة لحياتي والخروج من هذا الكابوس."

أجابته بحدة كاتمة دموعها بشق الأنفس.
ابتعد قليلاً لينظر في عينيها، وتابع وعيناه تلمعان ببريق مظلم

"مخرج الطوارئ؟ هل تظنين حقاً أنني أحضرتك هنا دون احتياطات؟ هذا مكاني يا قطتي، أي إنه بأكمله تحت تصرفي."

"أرجوك دعني أذهب، أقسم بأنني لن أخبر أحداً بما جرى. أوليسوا يظنونني في عطلة؟ إذن سأتصنع أنني كنت كذلك. أولا تقول إنك تحبني؟ هذا ليس حباً، أنت لست سيئاً، أعلم هذا، لكنك فقط اخترت طريقة خاطئة لتعبر عن مشاعرك."

أردفت متوسلة إياه وعيناها اغرورقتا بالدموع.
ضرب الجدار بجانب رأسها بقبضته جاعلاً إياها تنتفض مغمضة عينيها بقوة خوفاً من القادم،
حتى شعرت بكفه يلامس كفها بخفة يقودها خلفه شابكاً يديهما بعدما مسح دموعها بإبهامه، مردفاً بهدوء أسفله نيران الغضب تفتك به

"انتهت ليلتنا هنا، سنعود لمنزلنا."
تتبعت خطاه بتثاقل، ودموعها الصامتة أبت التوقف طوال الطريق.

استيقظت صباحاً فزعة لشعورها بشيء يلامس شعرها، ليستقبلها وجهه القريب، متكئاً بيده سانداً رأسه على كفه على الوسادة بجانبها،
ويده الأخرى العابثة بخصلاتها كانت سبب استيقاظها.

تراجعت قليلاً للخلف تطالعه بتيه، كيف لم تشعر بتواجده معها على ذات السرير؟ فهي لم تكن يوماً ذات نوم ثقيل،
وحركة خطوات خفيفة قريبة منها كانت كفيلة بجعلها تستفيق.

حمحمت قليلاً لتستعيد صوتها الذي شعرت وكأنه سيختفي بعد بكاء وشهقات الليلة الماضية، مردفة بتساؤل
"ماذا تريد؟"

اعتدل الآخر في جلسته ماداً يده اليمنى يلامس عينيها الحمراوين من شدة البكاء وآثار دموعها الجافة على خديها،
وأطلق زفرة خفيفة مردفاً بهدوء ليغادر المكان دون انتظار رد منها

"سنخرج بعد قليل لذا استعدي وارتدي شيئاً مريحاً، أنتظرك بغرفة الطعام فلا تتأخري."

شدت على شعرها من غرابة تصرفاته، دافنة وجهها بالوسادة لتطلق صرخة تخرج ولو القليل مما تكبته من غيظ.
ارتدت بنطال جينز مريحاً مع قميص أسود تركته دون إغلاق أزراره وأسفله تيشيرت باللون الأبيض،
مع حذاء رياضي ومعطف باللون ذاته بعد حصولها على حمام دافئ.
رفعت شعرها على شكل كعكة مبعثرة، ناقلة خطاها حيث يتواجد.

ما إن لمح حضورها حتى استقام من مكانه متجهاً نحوها، وقد التقط حبة عنب خضراء كبيرة واضعاً إياها في فمها دون مقدمات،
ساحباً إياها إلى السيارة.

بعد ما يقارب الساعة من القيادة، توقف أمام بوابة واسعة، لاحظت بعد نزولها من السيارة أنها مدينة الملاهي.
نقلت عينيها بينه وبين المكان أمامهما باستغراب، هل أخرجها في الثامنة صباحاً للملاهي؟!
وبعد محاولتها الهرب ليلة أمس فقط؟ يأست حقاً من محاولة فهم طريقة تفكيره.

شابك يديهما بالصمت ذاته متقدماً داخلها حتى توقفا أمام عربة طعام بمسافة قليلة،
أدارها ناحيته ممسكاً بكلتا يديها ينظر إلى عينيها دون أن يرمش، وكأنه في مسابقة تحديق مصيرية،
لينهي الصمت أخيراً بعدما تقدم خطوة ناحيتها

"ليلة أمس أفزعتكِ وتسببتُ في بكائكِ، لم أستطع التحكم بأعصابي لأتفهم تخبطكِ. أنا آسف على كل تلك الدموع التي ذرفتها بسببي، لم يكن يوماً هدفي إحزانكِ بل على العكس كل ما أتمناه أن أكون سبب ابتسامتكِ دائماً، لذا هل ستسامحينني ولتعتبري هذا الموعد رشوة صغيرة؟"

"لِمَ المكان فارغ؟"

"حجزته لنا حتى لا تضطري للوقوف في صف ما من أجل لعبة أو كشك، مدينة الملاهي بأكملها تحت تصرفك لمدة أربع ساعات."

أجاب تساؤلها التائه راسماً بسمة صغيرة على شفتيه،
وسحبها برفق لتجلس على كرسي الطاولة الخشبية القريبة من عربة الطعام،
ليدلف داخلها بصمت ويخرج بعد دقائق قليلة حاملاً صينية طعام تحتوي على شطيرتين مغلفتين بأكياس ورقية مع كوبين من القهوة المثلجة،
وضعها على الطاولة مردفاً ببسمة

"وهذه يمكنكِ اعتبارها رشوة ثانية، أنتِ تحبين هذه الشطائر مع القهوة المثلجة على الفطور لذا أحضرتها لكِ."

ظلت تراقب حركته وهو يضع المشروب أمامها ويفتح لها الشطيرة من تغليفها،
تفكر فقط في ما يخطط له بالضبط، ولِمَ يتصرف كطفل يحاول نيل رضا والدته بشق الأنفس؟
لِمَ لا يراها مخطئة بحقه لمحاولتها الهروب وفقط يحاول كسب ودها؟ أي حالة قد تفعل هذا؟

التقطت الشطيرة من يده بعدما قدمها لها تومئ له كشكر، تناولت طعامها بصمت وهي تستمع فقط لأحاديثه العشوائية والتي يحاول بها جعلها تشاركه الحديث، بينما كانت تكتفي بالإيماء عند الحاجة.

استمر صمتها لأكثر من ساعة حتى عند اقتراحه الألعاب أو إن كانت ترغب في تكرار الجولة،
تكتفي بتحريك رأسها بـ 'نعم' أو 'لا'.

توقفا أمام لعبة الأحصنة ليدير جسدها أمامه متسائلاً بغيظ

"هل ستبقين تمارسين الصمت العقابي طوال موعدنا أم ماذا؟"

فحركت رأسها بـ'لا'.

أمسك بكلتا كتفيها يلصقها به، كان على وشك دخول شجار معها حقاً بسبب غيظه من تصرفاتها،
إلا أنها استوقفته بالتحدث أولاً

"فقط متعبة لأنني لم أحصل على نوم كافٍ منذ مدة، هل يمكنني الذهاب إلى الحمام لغسل وجهي؟ تستطيع مرافقتي إن أردت."

أفلتها برفق يمسح على شعرها بحنو، ساحباً إياها نحو الحمام، توقف عند مسافة منه مشيراً برأسه ناحيته
"سأنتظركِ هنا، إن احتجتِ شيئاً ناديني."

نقلت خطواتها الثقيلة مغلقة الباب خلفها، غسلت يديها بعنف ثم وجهها حتى ابتلت أطراف اكمام معطفها، شعرها وتيشيرتها الداخلي علها تهدأ قليلاً، وقد نجحت بذلك.

ناظرت وجهها في المرآة أمامها لتأتي ببالها ذكرى وصولهما، كان المكان فارغاً بلا حراس أو موظفين،
وتركوا الباب خلفهم مفتوحاً على وسعه، أي إنها فرصتها الحقيقية في النجاة!

أسرعت ناحية آخر مرحاض تغلق بابه تاركة الأبواب الأخرى مفتوحة، واختبأت خلف باب الدخول لتصرخ بأعلى صوتها باسمه. وكما توقعت، دخل راكضاً يبحث عنها بأرجاء المكان ينادي اسمها ويسأل إن كانت بخير.

ما إن أسرع بخطواته نحو المرحاض الأخير كون بابه الوحيد المغلق، خرجت هي من مخبئها تتسلل دون إصدار صوت يذكر.

استدار الآخر على صوت إغلاق الباب وصوت قفله، وأدرك إنه لم يكن سوى فخ ليتشنج جسده من شدة الغضب،
متجهاً نحو الباب يضرب عليه بقوة منادياً اسمها.

انتفضت خوفاً من نبرته وصوت طرق الباب العنيف، والذي تحول إلى ضرب محاولاً كسره.

ركضت بأقصى سرعة تملكها حتى وصلت بوابة الدخول والخروج لتتصنم أمامها، كانت مقفلة!

لم يكن لديها الوقت للتفكير في البحث عن مخرج آخر حتى فقد وجدته يقف أمامها ما إن استدارت.

كان يحرقها بنظراته الغاضبة تلك، لو لم تكن تعرف أنهما فقط الموجودان هنا لظنته شخصاً آخر يشبه من كان يحاول نيل رضاها منذ دقائق فقط شكلاً لا شخصية.

حاولت تخطيه علها تجد مهرباً، ولا تعلم إن كان المهرب الذي تبحث عنه الآن ليعيدها إلى عالمها أم لتقي ذاتها نيران غضبه.

أمسك مرفقها بعنف جاذباً إياها حتى ارتطمت بصدره، ويده الأخرى اعتصرت وجنتيها بقوة رافعاً وجهها مقابلاً له بقرب أرعد أوصالها،
وأنفاسه الهائجة تحرق وجهها مردفاً من بين أسنانه التي يطبق عليها بشدة حتى بات واضحاً تشنج فكه

"ثاني مرة تخونين ثقتي وتظهرينني بمظهر المغفل أمام ذاتي، لِمَ تصرين على فعل هذا بنا واللعنة؟ يبدو أن اللين لا يناسب قطتي ذات المخالب، لذا يجب أن أقصهم لها بطريقتي."

أخرج هاتفه يجري مكالمة ابتدأها وأنهاها بجملة صغيرة واحدة

"افتح البوابة."

ما إن أغلق هاتفه يعيده إلى جيب سترته، حتى تقدم رجل ضخم من الخارج فتح القفل ثم الأبواب على وسعها،
ليخطو الآخر نحو سيارته ساحباً خلفه المسكينة دون الاكتراث لارتجافها العنيف.
فتح باب السيارة دافعاً إياها بعنف

"أياً يكن ما سيحدث من الآن فصاعداً، تذكري أنكِ السبب فيه، ولا تجرؤي على لومي."

أغلق الباب بعنف ما إن أنهى حديثه، جالساً خلف المقود يحرك السيارة بسرعة جنونية جعلت طريق الساعة الذي استغرقوه عند المجيء يصبح أقل من نصف ساعة.

أوقف السيارة أمام الباب الداخلي دون اهتمام لركنها، ساحباً الأخرى خلفه.
و دفعها على الأريكة حالما دخلا غرفة الجلوس محاصراً إياها بيديه

"لِمَ تحاولين الهروب بإستماته رغم كل ما أفعله لكِ؟ هل هذا كله لأجل ذلك الأحمق الطويل ووالدته؟! لابأس، سأحضرهم لكِ هنا."

تصنم جسدها المرتجف و شحب وجهها ما إن أنهى حديثه، لن تسامح نفسها أبداً إن أصاب تشانيول و والدته مكروه بسببها.

لذا دون تفكير حتى، هزت رأسها برفض هستيري، ممسكة كفه الأيمن بكلتا يديها تترجاه

"لا، لا تفعل أرجوك! دعهما، لن أغادر عتبة باب هذا المنزل مجدداً ولن أحاول الهرب. أنت تريدني أنا لذا سأبقى، أقسم بأنني لن أبرح مكاني، فقط انسَ أمرهما أرجوك بيكهيون، لا ذنب لهما بأخطائي".