-
.
وضعت الطَّبَق المَعدنيَّ الخاصَّ بأدوية أحد المَرضى على الطَّاولة المرتفعة، حيث تَقبع الممرِّضة المسؤولة عن تدريبها.
كانت ييون تحت وطأة تعبٍ قاتل، رمت بجسدها المنهك فوق مقعدها، فالسَّاعة قد قاربت الثَّالثة فجراً،
ومناوبتها في قسم الطَّوارئ كانت مُرهقةً للغاية، إذ لم تَهْدأ وتيرة تَدَفُّق المَرضى حتّى بعد منتصف النَّيل.
لاحظت الممرِّضة 'كيم' شُحوبها وانطفاءَ ملامحها طوال اليوم، فلم تبدُ كعادتها أبداً، ممّا دفعها للسؤال باستغرابٍ جليّ
"ما خطبُكِ اليوم ييون؟ تبدين كالموتى السَّائرين!".
أجابت بنبرةٍ خافتة يملؤها الإعياء، بينما تعبث أصابعها بلوحة مفاتيح الحاسوب أمامها لتعديل بيانات المَرضى وتحديث وصفاتِ آخرين
"أنا مجهدةٌ فحسب.. حدث ظرفٌ طارئ مَنعني من النوم ليلة أمس".
حركتْها الأخرى بخفّة لتتبادلا الأماكن، مردفةً بعطفٍ للصَّغيرة
"نالي قسطاً من الراحة، وسأتولّى أنا إكمال هذه التَّقارير بدلاً منكِ".
اتَّسعت عيناها بامتنانٍ مردفة
"حقاً؟.. شكراً لكِ هانا، أنتِ منقذتي بحق!".
وما إن أومأتْ لها الأخرى، حتَّى استندت ييون برأسها على ذراعيها فوق المكتب، وغطَّت في نومٍ عميق خِلال ثوانٍ معدودة، مستسلمةً لسكينة المَكان الهادئ.
لم يدم ذلك السُّكون أكثر من ساعةٍ واحدة، حتَّى استيقظت على صوتِ طبيبةٍ مقيمةٍ تستفسر عن حالة أحد مَرضى الطَّوارئ الذين دلفوا قبل ساعات.
كانت على وشك الاستسلام للنوم مجدداً، لولا تلك الجملة المازحة التي ألقتها الطَّبيبة المقيمة نحو هاني -فالثَّلاثة تجمعهنَّ صَدَاقةٌ وطيدة-
"كم هو جميلٌ ومثاليٌّ هدوء هذه الليلة!".
ما إن وقعت هذه الكلمات على مسامع ييون حتَّى انتفضت من مَجلسها بذعر، تُطالع هانا والأخرى بنظراتٍ مَذعورة، بينما كانت هانا تتمنّى في سِرِّها خَنق الطَّبيبة.
أردفت ييون بتذمُّرٍ ناعسٍ يملؤه القلق، فبالرَّغم من عشقها لعملها، إلا أنَّ التَّعب نال منها،
وترديد هذه الجملة الملعونة في رُواق الطَّوارئ بالذَّات كان يَقْبِض قلبها ويُنذر بالعاصفة
"هوانغ سورا ماذا تفعلين ؟ ألم تتعلَّمي بَعْدُ اختيار كلماتكِ بحذرٍ داخل هذا المَكان اللَّعين؟".
ضحكت الأخرى قائلة
"ما بكِ يا عزيزتي؟ هل غدوتِ عجوزاً تؤمن بالخُرافات، أم...؟".
ولم تَكَد تُكمل جملتها السَّاخرة حتَّى دوى رنين الهاتف الأرضيِّ في الغرفة، ليجعل الثَّلاثة يَتَجَمَّدنَ في أماكنهنَّ برهبة.
رفعت ييون السَّماعة مُجيبةً، وعيناها تُصوِّبان نحو سورا نظرات وعيدٍ حادّة.
لم تَنطق طوال المكالمة سوى بكلمةٍ واحدة
"عُلِم".
وما إن أعادت السَّماعة إلى مَوضعها، حتَّى التقطت ورقةً تالفةً ومُجَعَّدة، وقذفتها بـغَيْظٍ نحو سورن قائلة
"حادثٌ مروريٌّ مروّع لحافلةٍ تَقِلُّ ثمانية عشر راكباً بالإضافة إلى السَّائق.. بعضهم مُصابٌ بجروح، وآخرون في حالةٍ حرجةٍ للغاية. وقد طُلب مِنَّا تجهيز ثلاث غرف عملياتٍ احتياطاً، إحداها لسيدةٍ حاملٍ تضرَّرت بشدَّة".
انتفضت سورا من مَكانها بعد هول الفاجعة التي ستطأ عتباتهنَّ خِلال دقيقتين. وقبل أن تشرع الصَّغرى في التَّذمُّر، سألتها هانا بسخريةٍ لاذعة بينما تعيد ييون شدَّ شعرها الأشقر الطَّويل بإحكامٍ كي لا يَنحلَّ أثناء العمل
"مَن العجوز الآن؟".
تمتمت ييون بأسى
"ما الذي تفعله حافلةٌ في السَّاعة الرَّابعة فجراً؟ لمَ يتوجَّب عليهم السَّفر في هذا الوقت؟ أشعر برغبةٍ عارمة في البكاء، لكن لا وقت لدينا حتَّى للدموع! يجب إعلام الأطباء والاستعداد فوراً عند البوَّابة الخارجية".
أجابتها هانا بنبرةٍ عملية جادَّة وهي تشرع بالاتِّصال بالأطباء المناوبين
"سأتولّى إعلام الكادر.. خذي أنتِ وسورا الممرِّضة 'جونغ' وانتظرن وُصول سيارة الإسعاف الأولى، وسيلحق بكنَّ البقية".
ركضت الفتيات بسرعةٍ صوب باب الطَّوارئ الخارجي، لتتزامنَ إضاءة سيارة الإسعاف الأولى مع وُصول طبيبة النِّساء والتَّوليد، إذ كانت السَّيدة الحامل هي الحالة الأشد خُطورةً بين الجميع. انطلقت ييون برفقة الطَّبيبة الأخصائيَّة وطبيبٍ مقيمٍ آخر يدفعون النَّاقلة بسرعة، بينما كانت الطَّبيبة تفحص المؤشرات الحيوية للمريضة.
لم تمرَّ ثوانٍ حتَّى صرخت الأخصائية مُطالبةً بنقلها فوراً إلى غرفة العمليات، مع إرسال نداءٍ عاجل لجَرَّاح القلب، فقد شكت بإصابة المريضة بنزيفٍ صاعق، وعلامات الولادة قد بدأت بالفعل.
استمرَّ الصراع داخل غرفة العمليات لسبع ساعاتٍ متواصلة.
لم تكن عملية الولادة معضلةً كبرى وانتهت سريعاً، لكنَّ الفاجعة تكمن في تشخيص الجرَّاحين لـ "تمزقٍ في جدار القلب" ناتجٍ عن قوة الارتطام،
ممّا قَلَب المعادلة رأساً على عقب.
جاهد الكادر الطَّبيُّ بكلِّ ما يملك من قوَّةٍ لإنقاذها، غير أنَّ النَّزيف أفشل كلَّ المحاولات.. وتوفيت المريضة.
كانت هذه هي الحالة الأولى التي تفقد حياتها بين يدي ييون منذ بَدء تدريبها.
كانت دماء السَّيدة تغمر زيَّها الطَّبي، فقد قامت بحمل الطِّفل الصَّغير الذي التقط أولى أنفاسه في الوجود بين يديها منذ ساعات،
شعرت بحركته الخفيفة في حِضنها قبل أن تضعه في حاضنة الأطفال المخصَّصة، وتخرج به إلى والده المفجوع برفقة طبيب الأطفال تاركة إياه يُتم فحصه عائدة لتحاول المساعدة بإنقاذ والدتهْ.
في تلك اللَّحظة المظلمة، عاودتْها ذكرى والديها الممتدان على أسِرَّة الطَّوارئ يوم وفاتهما، وتجسَّد المشهد القديم أمام عينيها بكلِّ قسوته.
كان الجميع قد انتهوا من إسعاف بقية المصابين، وأسفر الحادث أيضاً عن وفاة سائق الحافلة متأثراً بجراحه الصَّادمة.
مزَّقت ييون الجزء العلويَّ من زيِّ العمليات المعقَّم بعنف، وتلا ذلك انتزاعها للقفازات والكمامة وغطاء الرَّأس، وهي تشعر باختناقٍ شديدٍ يكتم أنفاسها من هول ما عاينت.
نقلت خطاها المتثاقلة إلى حديقة المستشفى علَّ النَّسيم الخارجيَّ يملأ رئتيها، لكنَّ الغصَّة استبدَّت بها،
فجلست على الأرض الباردة مستندةً بظهرها إلى الجدار، وجسدها يرتجف بعنف.
خَبَّأت وجهها بين كفَّيها، وحضنت قدميها إلى صدرها في وضعية الجنين، واجهشت ببكاءٍ مريرٍ حارق.
لم تخرج من نوبتها التي دامت لأكثر من نصف ساعة إلا حين شعرت بوقع خطواتٍ هادئة تقترب منها.
رفعت رأسها تمسح دموعها بعشوائية، لِتُصدم بالرَّجل الواقف أمامها، كان هو ذاته ذلك الغريب من اللَّيلة المَاضية،
يقف شاخصاً أمامها وماداً كفَّه نحوها لمساعدتها على النُّهوض.
تمسَّكت بطرف كفِّه الدافئة ونهضت وهي تبتلع غصَّتها، لتتمتم أخيراً بـذهول
"سيد بيون .. ماذا تفعل هنا؟".
أفلت يدها متَّجهاً نحو أحد المقاعد القريبة، وأشار إليها لتجلس، مجيباً إياها بنبرةٍ هادئة
"لقد استمعتُ لنصيحة منقذتي، وأتيتُ لزيارة الطَّبيب ليعاين جروحي.. لكن عند دخولي المستشفى، لمحتُ فتاةً جميلة يبدو أنَّها تمرُّ بوقتٍ عصيب للغاية، فلحقتُ بها لأطمئنَّ عليها".
ناولها قنينة مياهٍ كان قد فتح غطاءها بالفعل ومنديلاً مطوياً. التقطتهما منه وهي تومئ بشكرٍ خافت، ثم ارتَشَفت رشفةً من الماء مجيبة إياه
"شكراً للطفك.. لكن كان عليك التَّوجُّه إلى الطَّبيب مباشرةً، لم يكن هناك داعٍ لتكبُّد هذا العناء".
ابتسم برفق قائلاً
"كنتُ سأفعل، لكن عندما رأيتُكِ أردتُ سؤالكِ أين يجب أن أذهب بالضبط، فأنا لم أطأ هذا المستشفى من قبل. لقد كانت صدفةً لطيفة أن ألتقيكِ مجدداً.. هل أنتِ بخير الآن؟ يمكنكِ الشَّكوى لي، لعلِّي أستطيع المساعدة، فكما تعلمين أنا مدينٌ لكِ بالكثير".
"لستَ مديناً لي بشيء، ما فعلتُه كان واجبي المهنيَّ والإنساني، لكن شكراً لاهتمامك.. أنا بحالٍ أفضل الآن، متعبةٌ قليلاً فحسب".
أردفت بهدوء، ليقابلها بنظرةٍ مستنكرة، إذ كان يحاول بوضوح استدراجها إلى حديثٍ طويل يَخلق فرصةً للولوج إلى عالمها،
ولم يبذل جُهداً كبيراً لإخفاء اهتمامه الصَّادق بها، علَّها تفهم مَقْصده الكامن خلف الكلمات
"الفتاة التي ساعدت رجلاً غريباً في وقتٍ متأخر من اللَّيل، بل وجعلته يبيت في غرفتها الشَّخصية للإشراف على علاجه، والشَّغوفة بوظيفتها إلى هذا الحد، ليست من الصِّنف الذي يجهش بالبكاء طويلاً لمجرَّد أنَّه 'متعب'".
ارْتَسَمت ابتسامةٌ صغيرةٌ جانبيَّة على شفتيها، وتذكَّرت كلمات تشانيول الدَّائمة بأنَّها كتابٌ مفتوحٌ للعيان، فحديث بيكهيون الآن أثبت ما كانت تنكره دائماً. متسائلةً في سرِّها
*هل أنا مفضوحةٌ لدرجة أنَّ رجلاً غريباً لم يجمعني به سوى لقاءٍ قصير، قَادرٌ على قراءتي بدقَّة؟*.
تابعت مردفة بـنبرةٍ شجية بعد صمت دام لمدة
"لستُ طفلةً باكية بالتَّأكيد، لكنَّ الأمر.. كانت هناك مريضةٌ أتت في الفجر، سيدةٌ حامل استطعنا إنقاذ طفلها، لكنَّ الثَّمن كان حياتها هي. كان الأمر مؤلماً وفوق طاقتي.. لطالما أخبرني زملائي الأقدم بأنَّ أول حالة وفاةٍ لمريضٍ ستكون هي الأقسى، لكني لم أظنَّ يوماً أنَّها ستعصف بي هكذا. ربما لأنني لم أضع احتمال فقدان مريضٍ في حساباتي.. لعلَّ هذا الموقف دَبَّرته الحياة عمداً لتهشيم شوكة ثقتي الغبية بمهاراتي، فأنا لستُ سوى متدربةٍ لم تتخرَّج بَعْد، فعلامَ كان ذلك الغرور؟".
ابتلعت غصَّتها مع آخر كلماتها، وشربت قنينة الماء كاملةً كأنَّها تحاول إطفاء النِّيران المستعرة في جوفها. تنهد بيكهيون مردفاً بهدوء محاولاً التَّخفيف عنها
"المهارة لا تُقاس بالمستوى الوظيفيّ يا ييون، بل باجتهاد المرء وتطويره لذاته، فكم من طبيبٍ جاهلٍ لا يستحق مَكانته، بينما أنتِ مجتهدةٌ ومخلصةٌ لعملكِ. لذا أنا واثقٌ تماماً بأنَّكِ ستكونين يوماً ما رئيسة الممرِّضات هنا، وليس مجرَّد ممرِّضةٍ عابرة".
أطلقت تنهيدةً خفيفة، وابتسمت له بامتنانٍ صادق، فحقاً كلِماته قد رمَّمت جزءاً من حزنها.
"شكراً لك حقاً، كلماتك هذه تعني لي الكثير.. والآن، هيا لنذهب إلى الطَّبيب ليعاين جروحك، فقد انتهى دوامي بالفعل وأحتاج للعودة إلى المنزل للاستحمام، فدماء العمليات ورائحة المعقمات تكسوني".
أومأ لها موافقاً، ولحق بخطاها نحو عيادة أحد الأطباء المناوبين، فحيَّتهُ ييون بودٍّ مردفة
"حضرة الطَّبيب كيم، أرجو منك أن تعتني بهذا المريض جيّداً، فالسَّيد بيون أحد معارفي".
وصلها رد الطَّبيب بودٍّ ممَّاثل وهو ينظر إلى الرَّجل الواقف بجانبها ببرودٍ يغلف مَلامحه ونظراتٍ حادّة
"بكلِّ تأكيد يا آنسة جانغ، إنَّه في أيدٍ أمينة، يمكنكِ الاطمئنان".
"حسناً إذن، سأسجل خروجي وأعود للمنزل إن لم تكن بحاجةٍ لشيءٍ آخر".
علَّق الطَّبيب مستوقفاً إياها
"يمكنكِ الذَّهاب، لكن رجاءً أكِّدي على تشانيول الحضور لتجمُّع دفعة الثانوية يوم غد، وتعالي معه إن استطعتِ".
اعتذرت بهدوء
"لن أستطيع الحضور، فمن الغريب حضور تجمُّع دفعة زملائي الأكبر مني بعام".
ردَّ الطَّبيب مبتسماً
"عزيزتي، لقد كنتِ تعيشين في فصلنا عملياً، ولا تغادرينه إلا أوقات الدُّروس، لذا الجميع سيسعد بتواجدكِ".
قاطع حديثهما سُعالٌ مصطنعٌ من بيكهيون لينهي هذا الحوار الذي لم يكن يروق له بأيِّ شكل، لتختم ييون النِّقاش بإيماءةٍ هادئة
"سأحاول إذن.. والآن سأترككما، إلى اللَّقاء".
خرجت وأغلقت الباب خلفها، ليشير الطَّبيب بيد ممدودة نحو سرير الفحص مبتسماً،
بينما لا يزال الامتعاض يسيطر على ملامح بيكهيون
"تفضل سيدي.. مِمَّ تعاني بالضبط؟".
أجابه ببرود طاغٍ
"طعنةُ سكينٍ في كتفي.. قامت ييوني بالاعتناء بها ليلة أمس، لكنَّها أصرَّت على زيارة طبيبٍ للاطمئنان".
رفع الطَّبيب حاجبيه قائلاً
"لم أكن أعلم أنَّكما مقرَّبان إلى هذا الحد".
ليجيبه الآخر بحدةٍ مكتومة
"لا أظنُّك على علمٍ بجميع المقرَّبين منها، حضرة الطَّبيب".
"معك حق.. إذن أرني مَكان الإصابة لأعاينها".
قام الطَّبيب بمعاينته، وأخبره بذات التَّعليمات التي أملتْها عليه ييون سابقاً، مؤكداً ضرورة العودة بعد أسبوعين لإزالة خيوط الجراحة.
-
مرَّ الأسبوعان واختفى بيكهيون تماماً عن أنظارها، حتَّى نسيت أمره وسط ضغط العمل.
توالت الأسابيع و الأشهر واحداً تلو الآخر، وها قد حلَّ اليوم المنتظر، احتفال الكادر الطَّبيِّ بـمجموعة الممرِّضين المتدربين بمناسبة إنهاء فترة تدريبهم المشروطة و إجتيازهم إختبار الخدمة الوطنية وتخرجهم رسمياً .
اجتمع جميع المتدربين مع بعض الممرِّضين والأطباء المقيمين الذين إستطاعوا الحضور كونه يوم عطلتهم في مطعمٍ شعبيٍّ دافئ،
حيث تعالت الضَّحكات والأجواء الاحتفالية، ووُزِّعت المشروبات والأطباق على الجميع.
انتهى الحفل أخيراً أمام مبنى "الكاريوكي" في وقتٍ متأخر، وكان الجميع في حالةِ ثمالةٍ شديدة،
يتكئون على بعضهم ويتشاركون سيارات الأجرة للعودة.
بقيت ذات الاثنين والعشرين عاماً بمفردها، تمشي ببطءٍ وتمايلٍ خفيف ونسمات هذه ليلة الباردة تضرب وجهها.
لم تكن ترغب في الشُّرب لعلمها بضعف جسدها، لكنَّها اضطُرَّت لمجاملتهم باحتساء كأسٍ واحدٍ على مضض،
وها هو تأثيره الطَّفيف يرتسم على خطواتها المتزنة بصعوبة.
ولأنَّ منزلها ليس بعيد لدرجة تستدعي سيارة أجرة، فضَّلت السَّير علَّ النَّسيم يُصحصحها،
بعد أن تجرَّعت مشروباً لإزالة آثار الثُّمالة ومَضَغت الكثير من علكة النَّعناع في محاولةٍ يائسة لطرد الرَّائحة غير المحببة بالنسبة لها.
سلكت أحد الأزقة المظلمة كطريقٍ مختصر اعتادته، متمنيةً الوُصول السَّريع لتنعم بدُشٍ دافئ يريح جسدها المنهك.
لكن، ومَا إن أوشكت على الخروج من الزُّقاق شبه المهجور، حتَّى اعترضت طريقها فجأةً سيارةٌ سوداء ضخمة.
ترجّل منها رجلان مقنعان باغتاها وحاصراها أثناء محاولتها الفرار، وقبل أن تطلق صرخة نجدة، كتم أحدهما فمها وأنفها بقطعة قماشٍ مبللة.
لم تدم مَقاومتها الضَّعيفة سوى ثوانٍ معدودة، لتتهاوى بين أيديهما غائبةً عن الوعي بفعل الرَّائحة النَّفاذة المخدرة...
رائحةٌ كيميائية تميِّزها جيّداً بحكم دراستها، لكنَّها لم تُنقذها هذه المَرة من الوقوع في الكمين.
² مصادفة؟
Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋