-
.
بين رفوف الصيدلية الباردة، وتحت الإضاءة البيضاء الساطعة، تجلس خلف الطاولة الخشبية مرتديةً مئزرها الأبيض.
المكان هادئ، لا يقطعه سوى الطنين المنتظم لثلاجة الأدوية وصوت قطرات أمطار الخريف الخفيفة التي تداعب الزجاج الخارجي.
تمرر أصابعها بآلية فوق علب "المهدئات" ومضادات القلق المرتبة بدقة، وتبتسم بمرارة، فالأقراص التي تبيعها للناس لتهدئة عواصفهم، لا تجد طريقاً لترميم خرابها الداخلي.
لقد مرّت أشهرٌ عدّة منذ أن استقرّت حياتها في هذه الوظيفة، التي وفّرت لها مصدر دخلٍ يعينها على دراستها، ومكاناً آمناً يأويها في نهاية كل يومٍ مُتعِب، يومٌ يبدأ بنفاذ طاقتها في المستشفى، حيث تقضي فترتها التدريبية في عامها الدراسي الأخير، وينتهي باستقبال الزبائن في عملها الجزئي هنا خلف طاولة الصيدلية.
ولكن، كلما نظرت إلى هذا الاستقرار الذي لطالما حلمت به، شعرت بوخزةٍ خفية نابتة في صدرها.
تتلفت حولها بوجلٍ وحذر، وتتساءل في سرّها المتعب
"ما المقابل؟ و متى سيهدّ هذا السقف فوق رأسي؟".
بالنسبة لفتاةٍ كبرت وهي تحرس ظهرها من طعنات الحياة، لا تبدو لها الطمأنينة الحالية مكافأة أو نهاية سعيدة، بل تبدو كهدنةٍ مخادعة، أو كمينٍ مُحكم نُصب لها بعناية ليجردها من دروعها، قبل أن تباغتها الأيام بصفعة جديدة.
كانت الصيدلية بالنسبة لها هي المكان الذي تركض إليه لتبحث عن مرهمٍ لجرح، أو مسكنٍ لجسدٍ أنهكه الركض و التعرض لخيبات و إستغلال البشر.
اليوم، تغيرت الأدوار، وصارت هي من تمنح الشفاء للآخرين، وصارت حياتها مستقرة، هادئة، تسير بجدولٍ رتيب وآمن.
لكن، وسط هذا البياض الناصع والهدوء المثالي، يتسلل إليها ذلك الخوف القديم.
تنظر إلى واجهة الصيدلية الزجاجية التي تكشف الشارع الهادئ، فلا ترى أماناً، بل ترى فراغاً موحشاً ينتظر أن ينفجر.
يلوح لها هذا الاستقرار المفاجئ كـ 'كمينٍ مُتقن' كأن الحياة خدرتها بهذا الهدوء وجمعت شتاتها في هذا المكان الآمن، فقط لكي تسلبها كل شيء دفعة واحدة في ليلة غير متوقعة.
تمسك بزجاجة دواء صغيرة، وتضغط عليها بقوة حتى تبيضّ مفاصل أصابعها.
إنها تفتقد القدرة على تصديق أن النفق قد انتهى، وتجلس في مأواها كحارسٍ في نوبة حراسة ليلية، تراقب الباب بترقب، بانتظار العاصفة التي تعتقد أنها آتية لا محالة لتفسد هذه الطمأنينة المغشوشة.
بينما كانت شاردةً في الفراغ العابر خلف الباب الزجاجي، تتلاعب بالقلم بين أنامل يدها اليسرى، بينما أسندت ذقنها إلى يدها الأخرى، قاطع سكينة تلك اللحظات الرتيبة صوت اندفاع الباب.
كان أمراً طبيعياً أن يتوافد الزبائن في مثل هذه الفترات المتقطعة، لكن ما جعلها تنتفض من مجلسها وتتخلى عن برودها، هو هيئة الرجل الذي دلف للتو.
كان مبللاً بماء المطر، بوجهٍ مكدوم وشعرٍ أسود فاحم مبعثر كأنما دارت في رأسه معركة طاحنة.
اتكأ بجسده المنهك بصعوبة على الباب ثم على الجدار، محاولاً التقدم نحوها، بينما كانت يده اليسرى الدامية تضغط بقوة واهنة على كتفه الأيمن، محاولةً حبس نزيفه.
استجمعت ذات الاثنين والعشرين عاماً رباطة جأشها، وتحركت بسرعة فائقة ناحيته.
تحدثت إليه بقلقٍ بادٍ على ملامحها قبل صوتها، قلقٌ جارف على حاله هو، بدلاً من حالها هي.
فرغم كونها فتاة وحيدة في مواجهة غريب مريب الهيئة، في وقت متأخر من الليل، وداخل شارعٍ خاوٍ تماماً من البشر، هيهات أن تفكر في نفسها أو يجد الخوف إلى قلبها طريقاً في موقفٍ كهذا.
إنها من ذلك الطراز الذي إذا رأى مصاباً، سارع لنجدته وكأن إنقاذه مسؤوليتها الوحيدة في الكون، طبعٌ لازمها منذ نعومة أظفارها، وكأنها لم تواجه من لعنات الحياة وبؤس اليُتم شيئاً تتعلم منه الحذر، أو تتقي به شرور المواقف و البشر.
"سيدي، هل أنت بخير؟ كتفك مصاب بشدة.. يجب أن تكون في المشفى لا هنا!"
أطلقت كلماتها بصوت خفيض يغلفه الذعر، وهي تحاول جاهدة أن تسند جسده الثقيل نحو كرسي الانتظار القريب منهما.
"لا وقت.. إنهم خلفي!"
أجابها الغريب بنبرة مبحوحة متألمة، وهو يحاول الاندفاع يائساً إلى خلف الطاولة الخشبية ليتخذ منها مأوى.
عقدت حاجبيها بعدم فهم من كلماته المبهمة التي ألقت في روعها ريبة جديدة
"ماذا؟ مَن هم؟"
"فقط خبئيني لدقائق حتى يفقدوا أثري.. واللعنة!"
زمجر بحدة جاهدت أنفاسه المتقطعة لتطلقها، حتى وصل إلى مبتغاه خلف الطاولة، وارتمى بجسده أرضاً يسند ظهره المتعب عليها.
تجاهلت حيرتها وتساؤلاتها التي تضج في رأسها أمام وضعه الحرج، ركضت مندفعةً بكل قوتها نحو الباب الزجاجي، أحكمت إغلاقه، وقلبت لافتة العمل لتصبح "مغلق"، ثم خففت إضاءة الصيدلية الساطعة بسرعة، لتبدو للعيان من الخارج كأنها أغلقت أبوابها وانتهى العمل فيها.
سارعت بخطواتها العائدة نحو الرجل الجالي خلف الطاولة، وهوت بجذعها لمستواه، مردفة بنبرة هادئة تحاول زرع الطمأنينة في قلبه الثائر
"لا بأس.. لن يأتي أحد إلى هنا الآن. فلتنهض معي أرجوك لأرى جروحك."
"فقط دعيني وشأني.. لا بد أن يصل أصدقائي بعد قليل."
تمتم يحاول إبعادها بيده المرتجفة من شدة التعب والنزف، لكنها أمسكت بيده، وشدت على كفه بقوة وثبات هائلين مردفة
"أنا ممرضة، سأسعفك حتى يصلوا.. أنت تنزف بشدة، وجسدك يحترق من الحمى. لا تقلق.. أنت في أيدٍ أمينة."
حاوطت بيمينها خِصره، بينما لفّت ذراعه حول رقبتها، ممسكةً بكفّه بيدها اليسرى لتثبيته. كان شبه غائبٍ عن الوعي، وجسده يترنّح بثقل. جاهدت لتسير به نحو غرفتها التي يقع بابها في زاوية الصيدلية،
تلك الغرفة التي تبدو للعيان كأنها مجرد مخزنٍ أو استراحةٍ للموظفين، لكنها في الحقيقة كانت مساحتها الآمنة الوحيدة وملجأها في هذا الكون الواسع.
أخيراً، وبعد مشقةٍ بالغة، وضعته على السرير المستقر في طرف الغرفة. فرغم بنيته التي تبدو نحيفة، إلا أنه كان ثقيلاً جداً مقارنةً بجسدها الضعيف.
سارعت نحو خزانة الأواني المعلّقة على الجانب الآخر، وانتشلت منها سلةً صغيرة، ثم عادت أدراجها إلى الصيدلية لجمع ما تحتاجه للعلاج.
ملأت السلة بمطهر جروح، وقطعٍ من الشاش، ولاصقات طبية، وخيطِ تقطيب، ومضادات حيوية، ولاصقات خفض الحرارة، وقفازات طبية، بالإضافة إلى قنينة محلول وريدي وإبرة تخدير. كانت تسجل في ذاكرتها كل ما التقطته يداها، عازمةً على دفع ثمنه لصاحب الصيدلية فور انتهائها.
نقلت خطواتها بسرعةٍ فائقة ناحية السرير، وهمّت بترتيب محتويات السلة على مكتبها الدراسي الصغير المحاذي له.
وبعد معاناةٍ أخرى لخلع سترته الجلدية الثقيلة -إذ كان غائباً تماماً عن الوعي ولا يوجد أحدٌ يعينها على تحريك جسده- قررت تمزيق كنزته بالمقص، فمِن المستحيل إخراجها بمفردها.
وما إن قصّت القماش حتى واجهها صدره العاري، لتتراجع خطوةً من الصدمة، إذ كان جسده عبارة عن لوحةٍ من الكدمات والجروح المتفرقة، ناهيك عن جرح كتفه العميق الذي ينزف بلا توقف برغم ربطه له بقطعة قماش.
تمالكت نفسها سريعاً، وضغطت على الجرح بقطعة شاش مؤقتة بعدما أزالت القماشة المتسخة بدمائه.
راكضةً نحو الحمام، ملأت وعاءً بالماء الدافئ وغمست فيه قطعة قماش، ثم عادت لتجلس على طرف السرير تمسح الدماء شبه الجافة عن جسده ووجهه.
شرعت في تقطيب جرح كتفه بعد تعقيمه وتخديره موضعياً، ثم أكملت تنظيف وتضميد باقي جروح صدره، لـتنتقل بعدها إلى وجهه الذي نال النصيب الأكبر من الضرب
حيث استلزم جرح عند حافة جبينه الأيسر خمس غرزٍ كاملة، بينما كانت الجروح الأخرى فوق حاجبه الأيمن، وجنته، وأعلى أنفه، وأسفل شفته، جروحاً سطحية اكتفت بتعقيمها.
ما إن انتهت من تضميد جراحه كافة، حتى انتزعت القفازات الطبية من يدها، وغرست إبرة المحلول الوريدي في كفّه، ثم علّقت القنينة بطرف أحد رفوف كتبها بجانب السرير، تحقن فيها الدواء اللازم.
وأخيراً، ثبّتت لاصقات خفض الحرارة على جبينه وخلف رقبته لتسريع هبوط الحمى، ثم دثرته بالغطاء بعناية.
جلست على الكرسي بجانبه تراقب قطرات المحلول تارة، وتقيس حرارته بالمحرار الإلكتروني تارةً أخرى.
ظلت على حالتها تلك حتى الخامسة فجراً، بعد أن كانت قد أزالت إبرة المحلول من كفّه فور انتهاء القنينة، ونزعت لاصقات الحرارة بعدما اطمأنت إلى عودتها للحد الطبيعي.
نقلت خطاها المتعبة نحو الحمام لتأخذ دُشاً ينشط خلايا جسدها المنهك.
وما إن انتهت حتى التقطت هاتفها، وفتحت أحد تطبيقات توصيل الطعام لتطلب حساء "السولونغتانغ" الدافئ.
غادرت غرفتها من الباب الخارجي المتصل بالشارع، وسارت نحو السلّم الجانبي لتصعد شقة صديقها.
كانت الساعة قد بلغت السادسة صباحاً، وتدرك أنه مستيقظٌ حتماً وقد أنهى روتينه الصباحي.
طرقت الباب بخفة، ليفتح لها بعد ثوانٍ معدودة وعلامات التساؤل ترتسم على محياه،
فليست من عاداتها زيارته في مثل هذا الوقت المبكر.
"تشانيولي.. تشانيولي، صباح الخير."
أردفت بنبرتها الهادئة المعتادة وهي تبتسم بخفة،
ليقطب حاجبيه ضاماً كلتا يديه إلى صدره
"صباح الخير.. ما مناسبة هذا الأسلوب اللطيف المريب، والزيارة المفاجئة في هذا الوقت الباكر؟ أليس من المفترض أن تكوني في سباتٍ عميق الآن؟ ما المصيبة التي حلت هذه المرة؟"
تذمرت قليلاً، وزفرت بقلة حيلة بعدما رفع حاجبه الأيمن بانتظار الجواب، لتكمل تذمرها المبطن
"أي مصيبة هذه؟ وهل أنا مغناطيس جالب للمصائب؟ حسناً.. حسناً، أعترف، بعض المرات القليلة فقط، وجميعها أحداثٌ طبيعية لكنك أنت من يراها مشكلاتٍ عظمى!"
أجابها بتوجس وسخرية
"نعم، نعم، أنا الذي يبالغ! فالذهاب مع رجلٍ غريب إلى زقاقٍ مظلم في وقتٍ متأخر من الليل بحجة مساعدته هو أمرٌ وارد الحدوث يومياً، ورمي نفسكِ أمام شاحنة مسرعة في منتصف الطريق لإنقاذ قطٍ مصاب هو شيءٌ طبيعي جداً.. هل أكمل؟"
زمت شفتيها بإحراج، ووضعت كفيها خلف ظهرها وهي ترسم أشكالاً عشوائية على الأرض بطرف حذائها، متمتمةً بصوتٍ منخفض
"أعترف أنني أخطأت باتباع ذلك الغريب، لكنني أقسم أنه هو من أخبرني بأن صديقه يواجه نوبة حساسية شديدة ويحتاج إلى إسعاف ولم يكن يحمل هاتفه معه.. أما الشاحنة، فهو خطأ السائق الأحمق الذي لم ينتبه للإشارة الحمراء!"
"وماذا عن الآن يا أيتها المرأة الأعجوبة؟ بأي معضلةٍ تدخلتِ لحلها اليوم؟"
أجابته بانزعاج طفيف ممتزج بالرجاء
"لا تسخر مني هكذا أيها الطويل المزعج! بصراحة.. الأمر هو أنني أحتاج إلى قميصٍ منك، وأن ترافقني للأسفل وبسرعة أرجوك، سنتناقش لاحقاً."
وقع طلبها في نفسه موقع الريبة، قميص؟ وغرفتها؟ هذا يعني أن الكارثة تتوسط غرفتها لا محالة. علّق بسخرية مبطنة
"جميل! نشاطكِ اليوم في أبهى حلله لتأتي بمصيبة داخل غرفتكِ وفي هذا الوقت الباكر."
اتجه إلى غرفته، والتقط قميصاً أبيض كان قريباً منه، ثم لحق بها سريعاً بعد أن كانت قد سبقت في النزول تاركةً الباب الخارجي شبه مفتوح. وما إن وطأت قدماه الغرفة بتملل، حتى تفحص أرجاءها، ليتصنم في مكانه، إذ رأى رجلاً نائماً وسط سريرها، ووجهه قد بات شبهاً بلوحةٍ فنية من كثرة لاصقات الجروح والكدمات.
"ما هذا؟"
تساءل بصدمة بادية على ملامحه.
حاولت تخفيف حدة الشجار المتوقع، فأجابته بمزاحٍ طفيف
"إنسان.. ماذا قد يكون؟ أم أنك ترى جرواً صغيراً؟"
رد بنبرة هادئة ظاهرياً يحاول بها كبت أعصابه قبل الانفجار
"أعرف أنه إنسان.. أقصد ماذا يفعل هنا واللعنة؟"
أجابته بما أفقد الرجل آخر ذرات تعقله
"ليلة أمس عند الساعة التاسعة، دخل الصيدلية وكان مصاباً وينزف كثيراً، ويعاني من حمى شديدة، لذا أدخلته إلى هنا وضمدت جراحه."
"ستقتلينني حتماً! بماذا كنتِ تفكرين بحق الإله؟ كيف تدخلين رجلاً غريباً واللعنة في وقت متأخر إلى غرفتكِ يا ييون؟!"
أطلق صراخه الذي جعلها تنتفض قليلاً، لكنها جاوبته بهدوءٍ قاتل
"أخفض صوتك، هناك مريضٌ نائم هنا! ماذا كان يجب عليّ أن أفعل؟ هل أتركه ممدداً على الأرض ينزف حتى يفقد حياته؟ لو كنت سأفعل هذا، لما قضيت ليالٍ طويلة في السهر لأستطيع دخول الجامعة لأصبح ممرضة."
رد مستهجناً ويده تعتصر القميص بغضب حتى بانت عروق كفه
"لستِ ممرضة بعد، ما زلتِ في فترة التدريب! هل تنوين دخول السجن حتى قبل التخرج؟"
لتجيبه بتذمرها المعتاد له
"أسابيع فقط وأكون قد أكملت تدريبي وأستعد للامتحان الوطني، كما أنه لا يوجد قانون يمنعني من إسعاف مصاب لأنني لم أتخرج بعد."
"ألا ترين أنه مريبٌ واللعنة؟ ماذا لو كان مجرماً؟ هل ستخبرين الشرطة بأنه لا يوجد قانون يمنعكِ من إسعافه عندما تُقادين بجانبه إلى السجن؟"
استفزها بظاهر نبرته المستهزئة، لترد بغضب طفيف وهي تحافظ على انخفاض صوتها
"جميع المرضى سواسية، أشراراً كانوا أم أخياراً لا يهم، الجميع له الحق في الحصول على الرعاية الطبية.
وحتى إن كان مجرماً، ألم يكونوا ليسعفوه ليتلقى العلاج؟ هذا تماماً ما قمت به."
مسح وجهه بكلتا يديه بعدما رمى القميص باتجاهها -وهي حركة كانت تتوقعها فالتقطته قبل أن يرتطم بوجهها- قائلاً بنفاذ صبر
"سأصاب بسكتة قلبية يوماً ما بسبب تصرفاتكِ الجنونية واللعنة."
"بجدية، ألا تستطيع إكمال جملة بسيطة دون لعن؟"
أرْدفت بانزعاج مصطنع، ليرقّ قلب صديقها وينهي هذا الشجار الحاد.
ليجيبها متنهداً
"أنتِ الشخص الوحيد الذي يستطيع التلاعب بأعصابي إلى هذه الدرجة. جانغ ييون أقسم إن تورطتِ في مشكلة بسبب جنونكِ اللانهائي هذا.. سأقتلكِ بنفسي."
لطّفت نبرتها ونظرت إليه ببراءة تعلم أنها ستُضعف مقاوِمته
"كفاك ارتياباً، أنظر إليه فقط، أيبدو كمجرم؟ أستطيع أن أبصم بأصابعي العشرين أنه كان ضحية لبعض الأوغاد.. ألا تراه كيف يبدو مسالماً وينام كالحمل الوديع؟"
هز رأسه بقلة حيلة وهو يتقدم نحو السرير مدفوعاً بمسكها لذراعه
"كثيرون هم من يرتدون أقنعة الحمل الوديع ليتبين لاحقاً أنهم ذئابٌ كاسرة يا عزيزتي.. كما أن أوشامه هذه لا تبدو لحملٍ وديع أبداً."
"حسناً، أنت محق، أعتذر ولن تتكرر. هلا ساعدته الآن في ارتداء القميص؟ قد يكون الأمر محرجاً له إن استيقظ وهو عارٍ جزئياً أمامي، وأيضاً الجو بارد."
رفع حاجبه الأيمن ورامقها بنظرة استنكار واضحة، فحواها *أليس من المفترض أن تشعر هي بالخجل من منظره لا هو؟* لكنها كالعادة تفكر في مشاعر الغريب وكأنه الباقي من عائلتها تجيبه مبررة
"ماذا؟ أنت تعلم أننا نرى العجائب في المستشفى، لذا هذه الأمور طبيعية بالنسبة لنا، أما هو فلا أعلم بشأن طبيعة شخصيته."
"يا لطيبة قلبكِ بحق!"
هز رأسه بتأثر مصطنع، لتزم شفتيها وتبتلع الرد، إذ لم تصدق أن نقاشهما انتهى بسلام.
قاطع صمتهما رنين جرس الباب الخارجي، فعلمت أن الطلب قد وصل. غادرت الغرفة وعادت تحمل حساء "السولونغتانغ"،
وضعته على الطاولة الخشبية بجانب الموقد الكهربائي الصغير والمايكرويف، ثم وقفت مجدداً بجانب السرير تُحكم الغطاء على الرجل بعد أن أنهى تشانيول مهمة إلباسه القميص.
دفت صديقها الطويل بخفة من الخلف نحو الباب الداخلي المؤدي للصيدلية قائلة
"هيا هيا إلى عملك، سأبقى بجانبه قليلاً، حتماً سيستيقظ قريباً."
التفت إليها متسائلاً
"أليس لديكِ مناوبة اليوم؟ وتبدين متعبة.. لا تخبريني أنكِ لم تنامي ليلة أمس؟"
زفرت بخفة محاولةً طرد الإرهاق، فالمعركة القادمة صعبة كونها مستيقظة منذ إحدى وعشرين ساعة بالفعل،
ويجب أن تظل متيقظة حتى الغد.
"أجل، سأذهب عند السابعة وخمس وأربعين دقيقة. لم أستطع النوم لأن حرارته لم تنخفض أبداً حتى الفجر، لكن لا بأس سأتدبر أمري، ليست المرة الأولى التي أقضي فيها يومي بلا نوم."
اتجه تشانيول لبدء عمله بقلة حيلة، أما هي فعادت لتمسك مقعد الكرسي،
ووضعت يديها على مكتبها الدراسي مستندةً برأسها عليه لتنال قسطاً من الراحة.
لم يدم سكونها سوى دقائق قليلة، إذ شعرت بحركة مفاجئة جعلتها تفتح عينيها بسرعة،
لتجده مستيقظاً ويحاول النهوض من السرير.
استقامت في وقفتها واندفعت نحوه، دافعةً إياه بخفة للخلف ليتكأ على مسند السرير، وأردفت بهدوء
"لا تقلق، أنت بأمان هنا.. لم يأتِ أحد."
"يجب أن أذهب."
خرج صوته متحشرجاً بفعل الصمت الطويل.
أعطته ظهرها متجهةً نحو الطاولة الخشبية، وعادت تحمل الصينية التي تحتوي على وعاء الحساء والملعقة،
لتضعها فوق فخذيه مردفة
"لا تستطيع التحرك الآن، تناول طعامك أولاً وخذ الدواء، وبعد ذلك يمكنك الذهاب. بأي حال، لن أستطيع البقاء معكِ لفترة أطول فلدى عمل بعد قليل."
حاول إزاحة الصينية عن حجره متمتماً
"ليس هناك داعٍ لهذا.. شكراً على المساعدة."
أوقفته بإمساك كلتا يديه وإرجاعهما جانباً، ثم فتحت غطاء الوعاء وتذوقت منه ملعقةً أمام ناظريه، مردفة
"تناول طعامك أولاً وسأدخُل قليلاً إلى الصيدلية آتيك بالدواء اللازم ، ولا جِدال في ذلك.
فمرق العظام غني بالبروتينات والأحماض الأمينية التي تساعد بشكل ممتاز في إعادة بناء الأنسجة وتسريع شفاء الجروح وهو مثالي للحمى.
وأيضاً.. الحساء ليس مسموماً، فكف عن نظرات الريبة هذه! أنا التي يجب عليها الارتياب مما حدث بالأمس ومن حالتك."
نظر إليها بإستهزاء مبطن وقال
"هذه العناية المبالغ فيها بشخص غريب تدعو للريبة لا محالة."
أجابته بالهدوء ذاته الذي استغربه، إذ كان من المفترض أن يلوح عليها الخوف وهي وحيدة مع رجل غريب في مكان مغلق،
بل وهي التي تبادر بالحديث عوضاً عن سماع كلمات شكره
"ليست عناية مبالغاً فيها.. فلو كنت قد ذهبت إلى المستشفى، لكنت تلقيت العلاج والعناية ذاتها، كحال جميع المرضى."
أطلق تنهيدةً خفيفة، ثم همَّ بتناول الحساء تحت ناظريها، بينما تركته يُكمل طعامه لتتجه إلى داخل الصيدلية بُغية جلب ما يحتاجه من دواء.
أما هو، فكان يراقب أرجاء غرفتها بتدقيق عميق، كأنما ينقش كل إنشٍ منها في ذاكرته.
كانت الغرفة صغيرة المساحة بالفعل، لكنها مرتبة ومريحة للغاية، إذ تضم سريراً على الجانب الأيسر،
يحاذيه مكتب دراسي متوسط الحجم، لم يكن يحمل سوى حاسوبها اللوحي وحافظة أقلام أسطوانية، تعلوه ثلاثة رفوف خشبية غصّت بالكتب.
وأمام السرير، عند جهة القدمين مباشرةً، استقرت خزانة ملابس بجانبها رفوفٌ أخرى رتّبت عليها احتياجاتها الشخصية بعناية. وعلى الجانب الآخر، ظهر باب أسود يبدو أنه المخرج الخارجي، تجاوره طاولة خشبية مستطيلة وضعت فوقها مايكرويف،
وموقداً كهربائياً صغيراً وغلاية ماء، واسفلها ثلاجة صغيرة الحجم مع مكنسة كهربائية يدوية تستند على جانبها، تعلوها خزانتان خشبيتان معلقتان.
أما الضلع الثالث من الغرفة، فقد احتوى على بابين خشبيين متوازيين، بجانبهما جزامة أحذية بسيطة.
ولأنها خرجت من أحد هذين البابين، فقد رجّح أن الآخر يخص الحمام.
الآن فقط تذكر جملتها بأنها ستأتيه بالدواء، ليقع في حيرةٍ من أمره *كيف استطاعت هذه الفتاة نقله إلى هنا بحالته الجسدية تلك؟*
لكنه استنتج أن الغرفة امتدادٌ للصيدلية بالفعل، كما تذكر أمر دفعها للرجل الطويل نحو الباب ذاته وهي تخبره بالاهتمام بعمله.
فهو كان قد استيقظ منذ لحظة صراخ تشانيول عند دخوله الغرفة، لكنه فضّل تصنّع النوم ليتسنى له المغادرة بهدوء ما إن يخلو المكان.
في هذه الأثناء، كانت "ييون" تبحث بين رفوف الأدوية التي تحفظ أماكنها عن ظهر قلب،
تلتقط ما تحتاجه وتضعه في كيس ورقي صغير، تحت نظرات تشانيول اليائسة من حالها؛ فهي دائماً ما تورط نفسها في المشاكل بسبب ضعفها المبالغ فيه أمام أي طالب نجدة.
كانت تلك صفةً متجذرة في أعماق شخصيتها منذ الصغر، إذ نشأت لوالدين ممرضين، فقدا حياتهما معاً خلال مهمة إسعاف ضحايا انهيار جبلي عندما كانت في الرابعة من عمرها فقط.
ذلك الحادث المأساوي، وتعلقها الشديد بوالديها، جعلها تحاول دائماً السير على خطاهما، ففي نظرها، لم يكن والداها مجرد ممرضين، بل بطلين ضحيا بحياتهما في سبيل إنقاذ الآخرين.
أنهت جمع الأدوية، وعادت لتقف بجانب تشانيول خلف الطاولة الخشبية، ووضعت ثمن كل ما استخدمته لعلاج ذلك الغريب.
كانت تلك صفة أخرى يجدها تشانيول مزعجة للغاية، فرغم أنها صديقته منذ المرحلة المتوسطة،
وكانت تقضي أغلب أوقاتها في منزله مع والدته، إلا أنها في كل مرة تستخدم فيها دواءً من الصيدلية تسدد ثمنه كاملاً دون أن تسمح له بمناقشتها.
لذا، اختصر على نفسه نقاشاً عقيماً وقال لها
"أولم يستيقظ بالفعل؟ أليس من المفترض أن يسدد هو الثمن؟"
أجابته بحزن بادٍ على ملامحها
"المسكين.. عندما وصل لم تكن بحوزته محفظة أو هاتف. لقد بحثت في ثيابه عن أي شيء يرشدني إلى هويته أو يساعدني على التواصل مع عائلته ولم أجد شيئاً."
ابتسم الطويل بسخرية دفينة مردفاً
"أنتِ هي المسكينة الوحيدة بطيبتكِ هذه، صدقيني."
" هل ما زلتِ مصرّة على عدم دخولي لرؤيته؟ يجب أن يعلم أنكِ لستِ بمفردكِ على الأقل."
"إن دلفتَ الآن ستخلق شجاراً من لا شيء، أنا أحفظك عن ظهر قلب يا عزيزي. ليس هناك أي داعٍ للقلق، سيغادر بمجرد إنهاء طعامه. وأيضاً، لا بد وأنه علم بوجودك من صوت تذمرك المرتفع الذي يكاد يصل للشارع الآخر!"
أجابته، ليرتسم الإنزعاج وشعور بالظلم على محياه وهو يتمتم
"هذا جزاء قلقي عليكِ حتماً."
ربتت على كتفه بخفة مجيبة إياه بامتنان صادق
"أعلم أنك تقلق عليّ دائماً، وأنا حقاً ممتنة لك ولأمي، فأنتما عائلتي الوحيدة ولطالما كنتَ نِعم الأخ والصديق.. لكنك دائم القلق كالأمهات اللواتي يرسلن أطفالهن للمرة الأولى إلى الروضة!"
تنهد تشانيول من تشبيهها، فهو يدرك في قرارة نفسه أنه يبالغ في حمايتها، لكن أليس الحق معه؟ فهي فتاة ساذجة تعرضت للاستغلال من الجميع منذ صغرها.
ليجيبها بنفاذ صبر
"حسناً حسناً، عودي إلى الداخل لننتهي من هذا الأمر، فلم يتبقَ الكثير من الوقت على موعد ذهابكِ للمستشفى."
أومأت له ملوحةً تودعه قبل أن تختفي خلف الباب الخشبي.
دخلت الغرفة لتتفحص السرير الفارغ باستغراب، قبل أن تشعر بخطواته من الجهة المعاكسة،
كان قد وضع القميص الأبيض الواسع بداخل بنطاله، وإرتدى سترته الجلدية مستعداً للمغادرة.
تقدمت نحو مكتبها الدراسي، والتقطت قلماً وأوراق ملاحظات لاصقة،
وشرعت تدون مواعيد كل نوع من الأدوية وهي تحادثه
"سأدون تفاصيل استخدام كل دواء هنا، وسألصق كل ورقة على النوع الخاص بها. لذا، احرص على تناوله بعد الطعام واتباع الملاحظات بدقة. وأيضاً، حاول ألّا يبتل جرح كتفك أو جبينك لكي لا يلتهب، ولا تنسَ زيارة الطبيب ليعاين حالتك ويفتح الغرز بعد أسبوعين من الآن."
كان يراقب حركاتها ويستمع لكلامها بانتباه شديد، ثم تقدم نحوها خطوة مردفاً بنبرة خفيضة
"لقد أسقطتُ محفظتي وهاتفي ليلة أمس.. لكنني سأعود إلى مكان عملكِ لاحقاً وأسدد كل الخسائر."
مدت يدها إليه بالكيس الورقي مجيبة إياه ببساطة
"ليس هناك داعٍ لذلك، لقد سددتُ ثمن الدواء بالفعل. فقط احرص على الابتعاد عن المشاكل، تبدو طيب القلب، لذا لا تعرض حياتك للخطر مجدداً بالتعامل مع الأوغاد."
جاهد بقوة لإخفاء ابتسامته الساخرة من حديثها، هل حللتِ شخصيته واستنتجتِ أنه رجل طيب من محادثة لم تتجاوز النصف ساعة؟! كل ما كان يدور في ذهنه، وتخفيه نظراته الهادئة نحوها، هو تساؤل مستنكر
*هل حقاً ما زال هناك بشر بهذه السذاجة في هذا العالم؟* فالمكان الذي تعيش فيه لا يوحي بأنها أمضت حياتها مترفة ولم تلاقِ شرور الحياة لتكون بهذه الدرجة من الغفلة،
كأنها تحيا في كوكب آخر، لا معهم في ذات البقعة التي تعج بالصعاب والوحوش التي تلتهمك إن غفلت للحظة واحدة.
أبعد هذه الأفكار سريعاً، فقد أطال تفحصها بنظراته الصامتة ومؤكد أنه بدا مريباً. أردف ماداً يده إليها بعدما وضع كيس الدواء في جيب سترته
"أنا مدينٌ لكِ حقاً، ولستُ ممن يرضون بالتغاضي عن ديونهم، لذا سأحرص على رد الجميل كاملاً. وأيضاً، أنا ممتنٌ لكِ لإنقاذ حياتي.. بالمناسبة، اسمي بيون بيكهيون."
مدت يدها تصافحه وهي تومئ برأسها بخفة على حديثه، وأجابته
"جانغ ييون.. تشرفت بمعرفتك. ولا تقل هذا، ليس لك أي دين، أنا فقط قمت بواجبي."
علّق وعيناه تلمعان بغموض
"وإن يكن.. ما زال يجب عليّ رد الجميل. من يدري؟ ربما نلتقي مرة أخرى صدفة، وتكونين أنتِ من يحتاج إلى مساعدتي، تماماً كما فعلتُ أنا بالأمس."
ابتسمت له وأومأت بخفة ليغادر الغرفة.
وما إن خرج، حتى التقطت هي الأخرى هاتفها وحقيبتها متجهة نحو مقهى قريب،
حيث ابتاعت قهوة مثلجة بجرعة مضاعفة من الكافيين،
فأمامها يوم طويل وشاق.
نقلت خطاها المتعبة نحو المستشفى، وهي جاهلة تماماً بوجود مَن يقتفي أثر خطواتها ويراقبها منذ لحظة خروجها من عتبة بابها.
¹ اللقاء الأول
Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋