-
بعد الرقود لأسابيع في غيبوبة، فتحت ييون عينيها ببطء.
لم تكن في مستشفى، ولا في منزلهما القديم.
كان المكان غريباً غرفة معتمة ذات جدران خرسانية باردة تفوح منها رائحة رطوبة خانقة ممزوجة برائحة المعقمات والأدوية.
تلقائياً تحسست بطنها بيدين ترتجفان... لتجدها شبه مسطحة.
انقبض قلبها برعب وجنون فكم المدة التي لبثتها مغيبة عن الوعي لتعود بطنها إلى شكلها الطبيعي؟
وما الذي قد يكون حدث لطفلتها في فترة رقودها؟
وفي تلك اللحظة انفتح الباب الحديدي ودخل بيكهيون.
لم يظهر عليه الغضب، بل اقترب منها وجلس على طرف الفراش وامتدت يده الدافئة لتمسح على شعرها بذات أسلوبه الدافئ الذي كان يأسرها، ثم نقل يمينه ليمسك كفها واضعاً إياه بين كفيه.
نظر إليها بعينين تلمعان بالأسى باتت لا تعلم أهو حقيقي أم مزيف وأردف بنعومة هزت كيانها
"الحمد لله على سلامتكِ حبيبتي.. لقد كدت أموت من الخوف عليكِ طوال الأسبوعين الماضيين."
سحبت يدها من بين يديه مجيبة إياه بنبرة مبحوحة ومذعورة
"أسبوعين! طفلتي.. بيكهيون أين طفلتي؟! أرجوك أخبرني أنها بخير!".
تغيرت ملامحه إلى الحزن، واحتضن كفاه وجهها برفق محدثاً إياها
"لقد ماتت ييون.. خسِرنا طفلتنا بسبب هروبكِ وتهوركِ. لو أنكِ لم تتركيني، لو أنكِ لم تجري في الثلوج مع غرباء، لكانت صغيرتنا الآن تحيا في أحشائكِ بسلام.
أولم نكن بخير؟ لِمَ أوصلتنا إلى هنا؟ لم أفعل يوماً ما قد يحزنكِ، فلماذا تستمرين بدفعي وإبعادي عنكِ دائماً؟ هل رأيتِ ما جعلتنا أفعالكِ المتهورة نقاسيه؟"
سقطت الكلمات كالصواعق على رأسها.
انهمرت دموعها بغزارة ورغم محاولته لاحتضانها عله يهدئها، إلا أنه لم يفلح هذه المرة.
كانت تبكي بقهر وتصرخ به ليبتعد، تدفعه عنها بكل ما تملك من قوة، غير وعيةٍ بما بات ينطق به فقلبها كُسر تماماً لفقدان من تكبّدت لأجل حمايتها كل ذلك العناء طوال الأشهر الماضية.
بعد ساعات من البكاء المستمر بمفردها داخل تلك الغرفة، عادت إلى رشدها أخيراً متذكرة نظراته لها وسيهون قبل تعرضهما للحادث، فازداد رعبها من أن يكون قد أذاه بسببها.
خرجت بأسرع ما تستطيع لتكتشف طبيعة هذا المكان الغامض.
لم يكن مجرد مخبأ، بل كان الطابق السفلي للمقر السري لأعمال بيكهيون غير القانونية.
ومن خلال النوافذ الصغيرة وحركة الحراس في الطابق الأرضي فوقها كشفت ماهية هذا المكان، وما زادها رعباً سماعها لحديث بعض الأشخاص خلف إحدى النوافذ بأنه يدير شبكة ضخمة للتجارة بالأعضاء البشرية إذ كان يقدم قروضاً مالية ضخمة بفوائد فاحشة لأشخاص مأزومين، وعندما يعجز هؤلاء المديونون عن السداد، يتم احتجازهم في هذا المكان واستئصال أعضائهم رغماً عنهم لتباع في السوق السوداء كطريقة لتسديد ديونهم.
سقطت أرضاً تسند جسدها على الجدار من هول ما سمعت.
هي تعلم أن أعماله تضم جانباً غير قانوني يخص صالات القمار بداخل نواديه الليلية، لكنها لم تتخيل يوماً أنه وحش بشري يسفك الدماء بلا رحمة، فهذه آخر صورة قد تتخيله عليها.
استمرت تبحث في الغرف عسى أن تجد سيهون، أو على الأقل ألا يكون ما يدور بداخلها صحيحاً وتستطيع الوصول إلى بيكهيون لتسأله عن الرجل المسكين الذي أقحمته معها في هذه المصيبة.
وأثناء سيرها في الممر المؤدي لغرفة واحدة في نهايته، سمعت صوت أنين خافت يأتي من وراء قضبان الباب الحديدي. اقتربت بهلع لتجد أن ما تمنت أنه خيال من صدمات هذا اليوم كان واقعاً شاخصاً أمامها، صاحب الصوت كان سيهون بالفعل، وجهه مليء بالكدمات، مكبلاً وجسده مغطى بالجروح جراء التعذيب.
انفجرت بالبكاء تناديه محاولة فتح الباب دون فائدة
"سيهون هل أنت بخير؟ اعتذر، أرجوك سامحني لإقحامك في هذا الأمر!"
رفع الآخر رأسه بوهن مجيباً إياها من بين أنينه
"حمداً لله أنكِ بخير، أقلقني ذلك المجنون عندما قال إن حياتكِ في خطر."
مسحت دموعها بعنف بعد فقدانها الأمل في فتح الباب ومحدثة إياه
"سأخرجك من هنا، أعدك سأفعل أي شيء لتعود لعائلتك، لذا اصمد قليلاً فقط."
وجهت أقدامها راكضة تبحث عن بيكهيون حتى وجدته أخيراً يخرج من أحد الممرات.
ركضت ناحيته متمسكة بكم قميصه الأسود ذي الخطوط البرونزية.
لم يكد ينبس بسؤال عن سبب تركها لسريرها وهي متعبة ممسكاً بكتفيها، حتى قاطعته منتحبة
"بيكهيون! أرجوك، أتوسل إليك أن تترك سيهون! دعه وشأنه ولا تؤذيه، هو لا ذنب له في أي شيء!".
تبدلت نظراته القلقة إلى أخرى مظلمة وغاضبة، ومجيباً إياها بهسهسة
"أتعلمين؟ لطالما كنتِ سري ونقطة ضعفي الوحيدة، لكن لِمَ تصرين على رؤيتي السيئ الوحيد في قصتنا؟ شهور وأنا أبحث عنكِ في أرجاء البلاد كالمجنون، بينما أنتِ تقلقين على حياة حبيبكِ الجديد! منذ متى وأنتِ بهذه القسوة؟"
انتفضت تتمسك بتلابيب قميصه تنفي بهستيريا اعتقاده العقيم
"إنه ليس حبيبي! أقسم لك أني لم أخنك ولم أفكر بالأمر لثانية واحدة، بل كنت سأعود بعد ولادتي.
وهذا الرجل متزوج وله طفل ولد منذ أيام فقط، لم يخطئ في شيء بل هم من أحتووني في منزلهم ووجدوا لي عملاً.
هو وزوجته وجدته أناس طيبون أرجوك دعه يعود لهم، لن أسامح نفسي إن مسهم أذى بسببي!"
زفر بحنق مجيباً إياها وهو يضغط على أسنانه بشدة
"لا تؤذيه؟! لقد عرّضتُ حياتي ومستقبلي للخطر فقط لأني أحببتكِ وأردت التمسك بكِ وأن أكون معكِ، وأنتِ بكل سهولة ترينني مجرماً؟
كل هذا الخوف والحواجز أنتِ من صنعها في مخيلتكِ، لم أعطكِ يوماً سبباً لهذا، بل على العكس كنتُ من يحاول باستماة حمايتكِ من جميع من استغلوا طيبة قلبكِ ورقتكِ.
فلماذا ترينني سيئاً؟! لستُ بوحش، لكنكِ من تثيرين غضبي دوماً وتجبرينني على إظهار جانبي السيئ!"
أومأت توافقه مجارية كل ما يلقيه عليها، لتردف وهي تميل رأسها قليلاً وتشدد قبضتيها على قميصه
"معك حق، إنه خطأي منذ البداية.
لو لم أرحل يومها لما عشنا أيّاً من هذا، كنتُ خائفة ومتخبطة من حملي المفاجئ رغم رفضك الفكرة وتصرفتُ بحمق.
أنا من أخطأتُ في حقك، لذا أنا الشخص الوحيد الذي يستحق غضبك وتلقي العقاب... سويونغ كانت كالأخت لي، فلا تجعلني سبباً في تدمير عائلتها."
أفلت يديها المتمسكتين به بعد صمت طويل دون فصل تواصلهما البصري، ثم حملها دون إجابة معيداً إياها إلى غرفتها السابقة.
وضعها على السرير ساحباً الغطاء عليها تحت نظراتها المترقبة لكل حركة يقوم بها.
وما إن استدار ليغادر الغرفة بصمت حتى أمسكت يده متسائلة بغصة واضحة في صوتها
"هل ستتركهم وشأنهم؟ أعدك لن أبرح مكاني دونك مجدداً."
تنهد الآخر مفلتاً يدها عنه بخفة، يجيبها بصوت خفيض ليغير نبرته مكملاً كلامه آمراً إياها
"سأفعل... لكن بعد قليل ستأتيكِ الممرضة بطعامكِ، تناوليه كاملاً والدواء بعده."
أومأت له بخفة موافقة تتلافى أي فعل يبدر منها قد يجعله يعدل عن رأيه بتحرير سيهون.
حتى الطعام الذي كانت لا تطيق رؤيته تناولته مجبرة تحت أنظار الممرضة يتلوه الدواء، تنتظر عودته لإعلامها بتنفيذ وعده.
مرت ساعات انتظاره ثقيلة. كانت رائحة المعقمات تخنقها، وطيف طفلتها الراحلة ينهك روحها.
كلما أغمضت عينيها رأت ملامح سيهون المشوهة وصوت بيكهيون وهو يلقي باللوم عليها.
لم تبدِ أي حركة سوى دموعها الصامتة تجري على وجنتيها مستقرة على الوسادة.
بقيت على حالها هذه حتى غلبها النعاس رغماً عنها بسبب مفعول المهدئ في الدواء الذي جاهدت لتقاومه.
استيقظت بفزع بعد فترة قصيرة على صوت خطوات منتظمة تقترب من الغرفة، تلاها فتح الباب الحديدي.
كان بيكهيون يقف عند العتبة، يتفحص فزعها وعينيها المنتفختين إثر البكاء. لم يكن قميصه مرتباً كما كان، بل بدا عليه الإرهاق.
رفعت ييون جسدها المنهك بحذر، ومحادثة إياه متسائلة
"بيكهيون... هل أطلقت سراحه؟ أخبرني أرجوك أنه في طريقه لرؤية عائلته الآن."
أومأ لها متجهاً نحو السرير ليجلس بجانبها ويربت على رأسها
"فعلت، جعلتهم يداوونه وتم نقله لمكان قريب من تلك القرية.
قلتِ بأنه ساعدكِ، لذا كانت الرعاية الطبية التي تلقاها شكراً لطفهم."
استلقى بجسده على السرير يسحبها برفق لحضنه يداه تحاوطانها وتلصقانها بصدره بينما قدمه تقيد قدميها لتزيد الالتصاق بعدما رفع الغطاء عليهما، ليردف بهدوء وأنامله تلاعب خصلات شعرها القصيرة
"لا شيء يؤلمني في هذا العالم سوى رؤية الشك أو الكره لي في عينيكِ، لذا سأفعل أي شيء يجعلُكِ سعيدة... أنتِ ملجئي الوحيد في هذا الكون بأسره."
شدت يدها الممسكة بقميصه تومئ له وهي تعض على شفتيها محاولة كبح دموعها وتخبط مشاعرها.
أردفت بصوت خفيض بعدما بلعت غصتها
"أين نحن الآن؟ هذا المكان مخيف."
أجابها بذات نبرتها ويده تمسد ظهرها بخفة
"إنه مقر أعمالنا في إنتشون. ما تزال لدي بعض الأعمال هنا سأحتاج لبضعة أيام لأنهائها ونعود بعدها إلى سيول."
أومأت له بخفة ليحل الصمت أرجاء المكان، يتلوه سكون جسده معلناً نومه بعد دقائق قليلة.
ورغم ارتياح ييون لأن سيهون نجا وسيعود لطفله وزوجته، إلا أن هذا الارتياح لم يدم طويلاً فقد أغلقت جدران الزنزانة الخرسانية على ذاتها، وبدأت روحها تذوي.
كانت تقضي أيامها داخل تلك الغرفة الموحشة دون الحديث مع أحد.
لم تعد تبكي على طفلتها، ولم تصرخ كانت تقضي الساعات مستلقية على الفراش وعيناها معلقتان بنقطة وهمية في السقف.
انعدمت رغبتها في الطعام برغم محاولات بيكهيون إطعامها، وخسر جسدها الكثير من وزنه.
كانت الصدمات أكبر من قدرة عقلها على التحمل غياب طفلتها التي عاشت لأجلها ستة أشهر كاملة ترك فجوة موحشة في أحشائها وروحها.
وشعورها بأنها كانت سبباً في أذيتها فما قاله لها عند استيقاظها لم يغادر تفكيرها ولو للحظة حتى بات واقعاً بالنسبة لها وشعورها بالذنب لأنها كانت سبب ترويع العائلة التي أحبتها، جعلها تحتقر نفسها.
استمرار بيكهيون بتكرار أنهم سيبدأون حياة جديدة ويتخطون كل ما حدث بات يخنقها، فهي لم تحصل حتى على فرصة حمل طفلتها ورؤيتها قبل دفنها، ولم تأخذ وقتها في الحداد عليها أو البكاء حزناً لفقدها ويطلب منها تخطي الأمر بهذه السهولة؟
شعرت بالتعب.. تعب شديد استوطن عظامها.
وتواجدها في هذا المكان مع يقينها التام أن كل صباح يغادرها فيه من أحبته يخرج لإزهاق الأرواح ويعود ليلاً ليحتضنها وكأنه لم يفعل شيئاً، زادها تعباً وباتت تمقت وقت عودته وتمقت ذاتها لعدم صدها له.
مرت الأيام الخمسة ثقيلة وبطيئة، وها قد حل ليل اليوم السادس، لكن الفارق هذه المرة أن طعام العشاء لم يأتِ به بيكهيون، بل الممرضة التي أعلمتها أنه لن يعود هذه الليلة لطرؤ عمل مهم.
أومأت لها سامحة لها بالمغادرة، لتخطو خارج الغرفة للمرة الأولى منذ أيام بعد مغادرة الممرضة بدقائق، فلم تكن تطيق السير في ممرات هذا المكان وهي عالمة باحتوائه على دماء العشرات.
استغلت عدم تواجد حراسة في الطابق الذي تقطنه، كون زوجها لم يسمح لهم بالتواجد معها في الطابق ذاته.
دخلت إلى غرفة الإسعافات الطبية الملحقة بغرفة العمليات في أحد الممرات، وجمعت كمية من الأدوية المنومة، ثم سارت في الممرات خاوية من الحياة عائدة إلى غرفتها.
جلست على الفراش وهدوء غريب يلف ملامحها.
التقاطت دفتر الملاحظات الذي تدون عليه الممرضة مواقيت وجباتها وأدويتها، وأمسكت القلم بهدوء يكتسح كل إنش منها، مدونة على الورقة البيضاء ما تود قوله لزوجها
"إلى بيكهيون...
لقاؤنا الأول كان غريباً بعض الشيء، تماماً كبداية علاقتنا، لكنني مع مرور الأيام اكتشفتُ أنني أحببتُك بحق.
كنتَ مرتي الأولى في كل شيء عشناه.. معك خضتُ مشاعر جديدة لأول مرة، ولذا سأظل ممتنة لتلك اللحظات السعيدة التي منحتني إياها.
لكننا للأسف، كنا مؤذيين لبعضنا أيضاً.. بقدر ما أذيتَني، فعلتُ أنا بك. ولم أكتَفِ بإيذائك، بل أذيتُ طفلتنا بتصرفاتي بدلاً من أن أكون لها مصدر الأمان الذي يحميها، ولذا أعتذرُ لكما من كل قلبي.. أتمنى أن تسامحني.
أما عن ييهيون، فسأذهب إليها الآن لأطلب منها السماح بنفسي.. نعم، كنتُ سأسميها ييهيون لتجمع اسمينا معاً.
الذنب يقتلني لأنها رحلت قبل أن تسمعك تناديها به بسببي..
أعتذرُ لكما، وأحبكما كثيراً.
ييون"
نظرت إلى النافذة الصغيرة التي يظهر منها ضوء القمر المنعكس على الثلج، وتذكرت صديقها ووالدته اللذين كانا أكثر من عائلة لها، الجدة أوه، سويونغ وشعورها بعدما حملت طفلهما للمرة الأولى بعد ولادته، كل الأوقات التي قضتها مع سيهون للعناية بالحيوانات وركلات طفلتها في أحشائها.
همست في الفراغ
"أنا آسفة.. لكنني سأذهب إليها الآن، سأحميها هناك ولن أسمح لأذى أن يمسها مجدداً".
جرعت حبوب الدواء دفعة واحدة، واستلقت على السرير واضعة يدها فوق بطنها الخاوية.
شعرت بجسدها يصبح خفيفاً والبرودة تكتسح أطرافها بعد نوبة عنيفة من هيجان نبضات قلبها واضطراب جسدها، ومع تلاشي أنفاسها تدريجياً، فقدت الشعور بكل ما حولها مستسلمة لنوم عميق وأبدي.
مع بداية ظهور أولى خيوط أشعة شمس اليوم السابع، عاد بيكهيون حاملاً لها باقة من زهورها المفضلة ليزف إليها خبر عودتهم إلى منزلهم في هذا اليوم.
اقترب منها قاطباً حاجبيه مستغرباً عدم استيقاظها، فهي ذات نوم خفيف بالذات أن لم يكن بجانبها.
خطى نحوها يتفحصها وهو ينادي عليها برفق، ليجدها شاحبة، باردة، وشفتيها ملونتان بلون بنفسجي مائل للزرقة.
سقطت باقة الزهور من يده مبددةً سكون الغرفة، بينما تراجع خطوة إلى الخلف وهو ينظر إلى الأدوية الفارغة الملقاة بجانب الفراش والورقة التي لاحظها لتوه.
تجمدت الدماء في عروقه، واندفع نحوها مجدداً كالمجنون بعدما لمح محتوى الورقة أمامه.
أمسك بجسدها الشاحب البارد يهزه بعنف وهو يصرخ بنبرة تحولت من هدوء وحنو إلى رعب هستيري
"ييون! استيقظي! لا تفعلي هذا بي.. لا يمكنكِ الرحيل وتركي! افتحي عينيكِ، هذا أنا بيكهيون، هيا عزيزتي افتحي عينيكِ!"
احتل الخوف عقله بالكامل، فرفع جسدها النحيل بين ذراعيه وركض بها في الممرات الخرسانية متوجهاً نحو الدرج المؤدي للطابق الأرضي حيث تقع غرفة طبيبه الخاص. كان يركض بجنون، أنفاسه تخرج متقطعة وعيناه مائلتان للاحمرار وهو يصرخ باسمها مراراً وتكراراً، آملاً في معجزة تنقذها وتجعلها تفتح عينيها لترد عليه.
وفي اللحظة التي دفع فيها الباب الحديدي للطابق الأرضي وهو يحملها، دوى صوت قوي هز جدران المكان
"الشرطة! ارفع يديك وأنزِل الضحية أرضاً!".
كانت قوات مكافحة الجرائم برفقة قوات خاصة قد داهمت المكان بعد تحقيقات سرية مكثفة، بفضل بلاغات واعترافات غير مباشرة تجمعت لديهم ومراقبة المكان الذي يبدو كمنزل طبيعي من الخارج.
يتوسط القاعة الواسعة والتي من المفترض إنها غرفة الجلوس تحاصره الأسلحة من كل حدب وصوب.
لم يهتم لرجال الشرطة أو يلتفت لهم، بل جثا على ركبتيه وهو لا يزال متمسكاً بجسدها البارد يضمها إليه أكثر، صارخاً بالطبيب الذي رآه مقيداً أمامه من بين دموعه المتناثرة على وجنتيه ليسعفها
"أيها اللعين! إنها تموت! أنقذوها أولاً ثم افعلوا بي ما تشاءون!".
هجم عليه أفراد الشرطة وثبتوه أرضاً ليفصلوه عنها بالقوة، بينما أعلن الطبيب المصاحب للقوات الأمنية وفاتها رسمياً ومنذ فترة ليست بقصيرة.
أطلق صرخة مدوية مزقت حنجرته وهو يراهم يغطون جسدها بالغطاء الأبيض وتُحمل بعيداً عنه إلى الأبد.
مرت الأشهر التالية ككابوس مظلم داخل قاعات المحاكم.
كُشفت للعلن كل جرائمه البشعة، من تجارة الممنوعات إلى شبكة التجارة بالأعضاء البشرية، وتحولت قضيته إلى رأي عام، بينما كان هو في عالم آخر.
طوال جلسات المحاكمة لم يدافع عن نفسه أو ينكر جرائمه كان يجلس بنظرات خاوية، يهمس باسم ييون، ويتخيلها تجلس في زوايا القاعة وتنظر إليه بحب.
تلاشت نرجسيته وثباته، وكان تذكره لكلماتها الأخيرة في تلك الورقة ووعيه المتأخر بأن حنانه المسموم وتلاعبه بها هو ما دفعها لإنهاء حياتها، قد حطّم ما تبقى من عقله المريض بالفعل.
أبدى نوبات هيجان عنيفة، وكانت له محاولات متكررة لضرب رأسه بالجدران بعد كل مرة يرى طيفها ثم يختفي قبل أن يصل إليها.
وبعد تقارير طبية مكثفة من لجان نفسية متخصصة، أثبتت المحكمة كونه مريضاً نفسياً يعاني من اضطرابات عقلية حادة وجنون عظمة وذهان.
وبناءً على ذلك، صدر الحكم بالسجن المؤبد داخل مصحة نفسية جنائية شديدة الحراسة لتلقي العلاج بدلاً من السجن العادي.
داخل غرفته البيضاء المبطنة في المصحة، جُرّد من كل نفوذه، أمواله، وقوته.
أصبح ردائه الوحيد قميص المرضى الأبيض، والمهدئات تُحقن في جسده يومياً لتخفيف حدة نوباته.
كانت الهلاوس البصرية تلاحقه في كل مكان يرى ييون وهي تحمل طفلتهما وتسير بعيداً عنه وسط الثلوج، وكلما حاول الركض خلفها، يرتطم بالجدران المبطنة ليعود إلى أرض الواقع المرير.
بعد أشهر طوال قاربت العام من العذاب النفسي والجسدي، وفي ليلة شتوية باردة، قرر بيكهيون أن ينهي هذا العذاب.
استغل لحظة غفلة قصيرة من الحراس أثناء جولة تفقدية بأدعائه النوم، واستخدم قطعة قماش مزقها من ملاءة سريره لينهي حياته شنقاً في زاوية الغرفة المعتمة.
فقد حياته منتحراً في تلك المصحة بأمل لقائها في العالم الآخر، وليُغلق بذلك الفصل الأخير من حكايتهما حبهُ المسموم والذي تحوّل إلى جحيم، وروح بريئة اختارت الرحيل لتنعم بالسلام الذي حُرِمت منه في الحياة.
لم يبقَ خلفهما سوى صدى رسالةٍ ملطخة بالدموع، وذكراهما التي اندثرت تحت ثلوجٍ باردة لا ترحم أحداً.
⁸نهايتنا
Mania B.B.H | هوس · بقلم Nouran 🦋