الجزء الثاني: كارڤين: سقوط الأقنعة.
خارج مدينة كارڤين
02:15 فجرًا
غطى الضباب الوادي، بينما كانت شاحنتان كبيرتان تقفان أسفل الجسر الحجري.
لم يكن يُسمع سوى صوت الصناديق الخشبية وهي تُنقل بسرعة من الأرض إلى داخل الشاحنات.
وقف فيكتور يراقب العملية بصمت.
كانت عيناه تتحركان بين الرجال، وكأنه يبحث عن خطأ جديد.
اقترب ريان.
— انتهينا تقريبًا.
لم يرد فكتور.
ظل ينظر إلى المكان الذي كانت الصناديق مكدسة فيه قبل أيام.
ثم قال بصوت بارد:
— كان يجب أن تُنقل ليلًا منذ البداية.
ساد الصمت.
أخفض أحد الرجال رأسه.
— ظننا أن المكان بعيد عن الأنظار...
قاطعه فيكتور بنبرة حادة.
— في عملنا...
لا يوجد شيء اسمه "ظننا".
نظر إلى الوادي مرة أخرى.
— ذلك الصباح... بقيت الصناديق مكشوفة لساعات.
قبض على يده.
— ماذا لو مر أحد ورآها؟
لم يجرؤ أحد على الإجابة.
أشار بيده نحو الشاحنات.
— من اليوم...
لا تخرج أي شحنة قبل غروب الشمس.
ولا تبقى دقيقة واحدة خارج الأنفاق.
أومأ الجميع بصمت.
تحركت الشاحنة الأولى ببطء، ثم تبعتها الثانية حتى اختفتا وسط الظلام.
بقي فيكتور واقفًا للحظات.
كان ينظر إلى الوادي وكأن إحساسًا غريبًا يطارده.
همس لنفسه:
— أتمنى... ألا يكون أحد قد رآها.
ثم استدار وغادر المكان.
08:20 صباحًا
استيقظ الجميع على رنين المنبه.
اجتمع حازم، إياد، نور، ولارا حول الطاولة، بينما كانت خريطة المدينة ممددة أمامهم.
تأملها حازم لثوانٍ، ثم قال بهدوء:
— لن نخرج معًا.
نظر إليه الجميع.
— إذا تجول أربعة غرباء في كل مكان، فسوف نلفت الأنظار. من هذه اللحظة... كل واحد يتحرك وحده، ويعود إلى المنزل قبل غروب الشمس.
أومأ إياد.
— وإذا اكتشف أحد أمرنا؟
— لا أحد يتصرف وحده. نجمع المعلومات فقط، وأي شيء مريب نبلغه فورًا.
نهض الجميع.
وقبل الخروج، نظر حازم إليهم بإبتسامة خفيفة.
— تذكروا... أنتم اليوم مجرد زوار عاديين.
خرج الأربعة من المنزل، ثم افترق كل منهم في اتجاه مختلف.
كانت لارا تسير بين شوارع كارڤين بهدوء، تراقب الوجوه والمحلات، وتحاول حفظ تفاصيل المدينة.
توقفت أمام واجهة محل قديم تعرض أدوات سحر وألعاب خفة.
ابتسمت دون أن تشعر.
وبينما كانت تتأمل الأدوات...
سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
— يبدو أن هذه الأدوات أعجبتك.
التفتت بسرعة.
كان الشاب نفسه الذي التقت به مرتين من قبل.
ابتسم لها وكأن لقائهما أصبح أمرًا طبيعيًا.
ابتسمت هي الأخرى.
— أظن أن الصدفة لا تريد أن تتركنا.
ضحك بخفة.
— أو ربما المدينة هي التي تصر على ذلك.
سارا معًا ببطء بين المحلات.
لم يكن الحديث طويلًا...
لكنه كان مريحًا.
سألها وهو ينظر إلى حقيبتها الصغيرة:
— ما زلت تحملين أوراق اللعب معك؟
أخرجت رزمة الأوراق ولوحت بها أمامه.
— لا أفارقها أبدًا.
ابتسم.
— إذًا لدي خبر قد يعجبك.
رفعت حاجبيها باستغراب.
— الليلة سيقام حفل كبير في قاعة "الأوركيد". سيحضره كثير من سكان المدينة.
تردد لحظة، ثم قال:
— أعتقد أن موهبتك تستحق أن يراها الناس.
نظرت إليه مبتسمة.
— وهل هذه دعوة؟
ابتسم دون أن ينظر إليها.
— اعتبريها اقتراحًا... لكنني أتمنى أن أراك هناك.
ساد صمت قصير.
كانت المرة الأولى التي يشعر فيها كل منهما براحة غريبة مع الآخر.
شعور لا يعرفان اسمه بعد...
وقبل أن يفترقا، قال لها بابتسامة هادئة:
— أتمنى أن تكون الصدفة إلى جانبنا مرة رابعة.
ابتسمت وهي تبتعد.
— ربما... لكنها لن تكون صدفة حينها.
ظل يراقبها حتى اختفت بين المارة.
حل المساء وعاد كل من حازم وإياد ونور إلى البيت ما عدا لارا مما أدى إلى قلق حازم عليها ومحاولة الاتصال بها لكن هاتفها كان مغلق.
10.00 ليلاً
انتهى الحفل وسط تصفيق الحاضرين.
قدمت لارا عرضًا بسيطًا بأوراق اللعب، نال إعجاب الجميع، بينما كان الشاب يراقبها من بين الحضور دون أن يرفع عينيه عنها.
بعد خروج الناس من القاعة...
وجدته ينتظرها عند دراجته النارية.
ابتسم وهو يضع خوذة بين يديها.
— يبدو أنني لم أخطئ عندما قلت إن موهبتك تستحق أن تُرى.
ابتسمت بخجل.
— أشكرك... لولا اقتراحك لما دخلت القاعة أصلًا.
أشار إلى الدراجة.
— هيا... سأوصلك.
ترددت للحظة، ثم جلست خلفه.
انطلقت الدراجة تشق شوارع كارڤين الهادئة، والهواء البارد يلف المدينة.
لأول مرة...
لم يكن بينهما حديث.
وكان الصمت أجمل من الكلمات.
بعد دقائق...
توقفت الدراجة عند شارع هادئ بعيد عن الأنظار.
نزلت لارا، ثم خلعت الخوذة وأعادتها إليه.
نظر حوله باستغراب.
— أليس منزلك هنا؟
ابتسمت وهي تشير إلى آخر الشارع.
— قريب من هنا... سأكمل سيرًا.
عقد حاجبيه.
— يمكنني أن أوصلك إلى الباب.
هزت رأسها برفق.
— لا...
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— أختي لا تحب أن تراني أعود مع أشخاص لا تعرفهم.
ضحك بخفة.
— يبدو أنها صارمة.
— أكثر مما تتخيل.
ترددت لثوانٍ، ثم قالت:
ـ فلنبقِ لقاءاتنا سرًا.
نظر إليها باستغراب.
— سرًا؟
— لا أريد أن تسيء أختي فهم الأمر.
ابتسم وهو يخفي خيبة صغيرة.
— كما تشائين.
ساد الصمت.
نظر إليها طويلًا.
أراد أن يقول شيئًا...
شيئًا ظل عالقًا في صدره منذ أن رآها أول مرة.
فتح فمه...
ثم أغلقه.
خفض بصره نحو مقود الدراجة.
"ليس الآن..."
أدار المحرك بهدوء.
— إلى اللقاء...
ابتسمت.
— إلى اللقاء.
ابتعدت لارا بين أزقة الشارع حتى اختفت.
بعد برهة من الوقت وصلت إلى المنزل، ثم فتحت الباب بهدوء ودخلت.
كان الضوء لا يزال مضاءً.
رفعت رأسها...
فوجدت حازم، وإياد، ونور يجلسون في غرفة الجلوس .
ساد الصمت للحظات.
ثم نهض حازم.
— تأخرتِ.
خلعت معطفها بهدوء وأجابت:
— جلست في أحد المطاعم... تناولت العشاء، ولم أشعر بالوقت.
نظر إليها حازم.
— كان بإمكانك الاتصال.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— لم تخطر ببالي ..
وقبل أن يتكلم حازم...
قالت نور بنبرة ساخرة:
— أم أنك كنتِ مشغولة مع شخصٍ ما؟
التفتت لارا إليها.
لم تجب.
واصلت نور كلامها وهي تعقد ذراعيها.
— منذ أن جئنا إلى هنا، وأنتِ تتصرفين وكأننا في رحلة سياحية، لا في مهمة.
وضعت لارا حقيبتها على الطاولة.
— انتهيتِ؟
ابتسمت نور بسخرية.
— إذا كان هذا هو انضباطك، فأنا أشفق على الفريق.
اقتربت لارا خطوة.
— انتبهي لكلامك.
ضحكت نور.
— أم ماذا؟
في لحظة...
ارتفع صوت صفعة قوية في الغرفة.
تراجعت نور خطوة وهي تضع يدها على خدها، وقد اتسعت عيناها من الصدمة.
حتى إياد وقف فجأة.
أما حازم فصاح لأول مرة:
— لارا!
نظرت لارا إلى نور بثبات.
— لن أسمح لأحد أن يحاسبني بهذه الطريقة.
ساد الصمت.
ثم التفتت إلى حازم.
— احترمك لأنك قائد الفريق...
لكن لا أحد سيتحكم في حياتي خارج المهمة.
إذا كان وجودي هنا يعني أن أُعامل بهذه الطريقة...
سأغادر غدًا.
لن أبقى دقيقة واحدة.
ظل الجميع صامتين.
كانت نور تنظر إليها بغضب، بينما كان حازم يدرك أن فريقه...
بدأ في المشاكل قبل أن تبدأ المواجهة الحقيقية مع العصابة.