NOVELFLEX

كارڤين ترحب بكم

كارڤين · بقلم Yassine

كانت السماء قد بدأت تكتسي بلون الغروب، بينما توقفت سيارة سوداء عند المنعطف المطل على الطريق المؤدي إلى كارڤين.

ترجل فيكتور أولاً، وخلفه ريان وأدريان وسيلفا.

تقدمت إيلينا بخطوات هادئة وهي تحمل جهازها اللوحي.

نظر فيكتور إلى الطريق، ثم قبض على يده بغضب.

ـ لم يأتِ أحد...

ساد الصمت.

تقدم ريان بحذر.

ـ ربما غيروا الخطة بعد مقتل الجاسوسة .

استدار فيكتور نحوه بعصبية.

ـ وذلك الفاشل زوجها ،هل تخلصت منه .

ـ أجل لا تشغل بالك به.

أشار فيكتور إلى الطريق بيده.

ـ منذ البارحة ونحن ننتظرهم، ورجالي يراقبون الطريق وينتظرون وصول تلك السيارة التي قد أخذت لها الجاسوسة صور من كل جانب، وفي النهاية لم يظهر أحد!

خفض ريان رأسه دون أن يجيب.

ثم قال فيكتور بنبرة حادة:

ـ أزيلوا كل شيء... لن أترك أثراً واحداً هنا.

تحرك الثلاثة فوراً، بينما بقي فكتور واقفاً يراقب الطريق بعينين غاضبتين.

بعد دقائق...

عاد ريان وهو ينفض الغبار عن يديه.

ـ انتهينا .

نظر إليه فيكتور.

ـ كان من المفترض أن تكون هذه أسهل ضربة…

ثم ضرب بقبضته مقدمة السيارة.

ـ لكن يبدو أنني أصبحت أعمل مع أشخاص لا يصلحون لشيء!

ساد الصمت.

لم يجرؤ أحد على الرد.

حتى أدريان، الذي كان يرد دائماً، بقي صامتاً.

في تلك اللحظة...

رفعت إيلينا رأسها عن جهازها.

ـ لدي سؤال.

التفت الجميع إليها.

قالت بهدوء:

ـ لماذا نهتم بهذا الفريق إلى هذه الدرجة؟

نظر إليها فيكتور دون أن يتكلم.

أكملت:

ـ كل الفرق التي جاءت إلى كارڤين من قبل... لم تعطها أي أهمية.

ـ لم نراقبها.

ـ ولم نغيّر خططنا بسببها.

ثم أغلقت جهازها ونظرت مباشرة إلى فيكتور.

ـ فما الذي يجعل هذا الفريق مختلفاً؟

ساد الصمت لثوانٍ.

بقي فيكتور ينظر إلى الطريق، وكأنه يفكر في شيء لا يعرفه غيره.

ثم قال بصوت منخفض:

ـ لأن شيئاً ما... يخبرني أنهم ليسوا مثل البقية.

رفع رأسه نحو المدينة.

ـ وأكره أن أتجاهل إحساسي.

اليوم التالي

09:00 صباحًا

كانت شمس الصباح تضيء شوارع كارڤين، بينما توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام البنك المركزي.

ترجل منها رجل في أواخر الخمسينيات، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ونظارة شمسية، وخطواته توحي بالهيبة والثقة.

همس أحد الموظفين وهو يراه يدخل:

ـ إنه... السيد ياسين.

وفي لحظات، وقف جميع الموظفين احترامًا.

اقترب مدير البنك بسرعة وصافحه.

ـ أهلًا بك، سيدي. لم نكن نتوقع حضورك بهذه السرعة.

خلع السيد ياسين نظارته ووضعها في جيبه.

ـ لقد قررت بدأ تنفيذ مشروع مدينة كارڤين، لذلك وجب علينا الإسراع.

ظهرت علامات التوتر على وجه المدير.

ـ تفضل معي.

سارا معًا نحو الطابق السفلي، مرورًا بعدة أبواب أمنية حتى وصلا إلى باب فولاذي ضخم.

أدخل المدير الرمز السري، ثم وضع بصمة يده.

صدر صوت معدني ثقيل...

وانفتح الباب ببطء.

دخل الرجلان إلى غرفة الخزنة.

تقدم السيد ياسين مباشرة نحو الخزانة .

أدار المدير المفتاح بيد مرتجفة.

فُتح الباب...

وتجمد الإثنان في مكانهما.

كانت الخزنة...

فارغة.

ساد صمت ثقيل.

ظل السيد ياسين يحدق داخلها لثوانٍ طويلة، وكأنه يرفض تصديق ما يراه.

ثم أغلق عينيه وضرب باب الخزنة بقوة حتى ارتجف المدير من مكانه.

ـ كيف حصل هذا..؟

نظر إليه المدير بحزن.

ـ لا..لا يعقل هذا .

رفع السيد ياسين يده مقاطعًا إياه.

ـ المال يمكن تعويضه...

أما هذا الملف...

فلا.

اقترب من الخزنة الفارغة، ولمس حافتها بأطراف أصابعه.

ثم قال بصوت منخفض:

ـ كانوا يعلمون تمامًا ماذا يريدون.

رفع المدير رأسه.

ـ هل الملف بهذه الأهمية؟

استدار السيد ياسين ببطء.

ـ لم يكن مجرد ملف.

توقف للحظة.

ـ كان مستقبل مدينة كارڤين.

ساد الصمت.

ثم تابع بنبرة حزينة:

ـ ذلك المشروع كان سيغيّر هذه المدينة بالكامل... شوارع جديدة، مدارس، مستشفيات، واستثمارات تُعيد الحياة إليها.

نظر من النافذة الصغيرة في الغرفة نحو المدينة.

ـ كنت أريد أن يرى أطفال كارڤين مدينة لا يخافون فيها من الليل...

لكن يبدو أن هناك من يريد لهذا الظلام أن يبقى.

غادر السيد ياسين البنك بصمت، ثم التفت إلى مديره الخاص.

ـ ما حدث داخل الخزنة... يبقى بيننا.

أومأ المدير.

ـ وماذا عن الشرطة؟

أجابه بحزم:

ـ سيعرفون فقط أن البنك تعرض لسرقة أموال. أما الملف... فلا أحد يذكره.

توقف لحظة، ثم تابع:

ـ إذا علم الناس أن مشروع إعادة إعمار كارڤين في خطر... فسيسبقنا الخوف إلى المدينة.

أغلق باب سيارته.

ـ جهزوا المنصة... سأخاطب سكان كارڤين اليوم.

بعد ساعة...

امتلأت الساحة الكبرى بالمئات من سكان المدينة.

كان الجميع يتساءل عن سبب الاجتماع المفاجئ.

وقفت لارا بين الحشود، ترتدي قبعة ونظارة شمسية حتى لا تلفت الانتباه، بينما كانت تراقب وجوه الناس أكثر من المنصة.

بعد لحظات، صعد السيد ياسين إلى المنصة وسط تصفيق الحاضرين.

ابتسم ثم قال:

ـ أهل كارڤين...

لقد عانت مدينتكم سنوات طويلة.

لكنني أعدكم...

أن المستقبل سيكون مختلفًا.

بدأ الناس يتهامسون فيما بينهم.

تابع حديثه بثقة:

ـ مشروع إعادة إعمار كارڤين يسير كما خُطط له.

وسنبدأ قريبًا أولى خطواته.

تعالت التصفيقات، وارتسمت الابتسامة على وجوه كثير من الحاضرين.

أما لارا...

فلم تكن تنظر إلى المنصة.

كانت تراقب الأشخاص الواقفين عند أطراف الساحة.

"إذا كانت العصابة ترفض هذا المشروع..."

"فمن المؤكد أن أحدهم يراقب هذا الاجتماع."

وبينما كانت تلتفت إلى الخلف...

اصطدمت بكتف أحدهم.

استدارت بسرعة.

ثم ابتسمت.

ـ أنت؟

ابتسم الشاب بدوره.

ـ يبدو أن كارڤين مدينة صغيرة.

ضحكت بخفة.

ـ أو أننا كثيرو الصدف.

نظر نحو المنصة.

ـ هل جئتِ من أجل الخطاب؟

أجابت وهي تنظر إلى السيد ياسين:

ـ أردت أن أتعرف أكثر على المدينة.

ثم سألته:

ـ وأنت؟

ابتسم ابتسامة هادئة.

ـ مجرد فضولي مثلك.

نظر كل منهما إلى المنصة، بينما كان السيد ياسين يكمل كلماته.

مدينة كارڤين

غروب الشمس

توقفت السيارة أمام المنزل الذي أعدّه المدير للفريق.

ترجل حازم أولًا، ثم إياد، وبعده نور، بينما كانت لارا تنتظرهم أمام الباب وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة.

ـ أخيرًا... وصلتم.

صافحتهم واحدًا تلو الآخر، ثم دخلوا المنزل.

لم يطل الحديث.

صعد الأربعة إلى الشرفة المطلة على مدينة كارڤين.

كانت الشمس تختفي خلف الجبال، بينما بدأت أضواء المدينة تشتعل شيئًا فشيئًا.

وقف حازم في المقدمة، وإلى جانبه لارا، بينما وقف إياد ونور خلفهما.

ظلوا ينظرون إلى المدينة بصمت.

مدينة جميلة...لكنها تخفي أعتم الأسرار..

وفي الجهة الأخرى من المدينة...

وقف فيكتور أمام نافذة المقر السري.

وخلفه ريان، وإيلينا، وأدريان، وسيلفا.

ابتسم فيكتور ابتسامة خفيفة.

 كارڤين ترحب بكم…

وفي أحد الفنادق الفاخرة...

وقف السيد ياسين أمام نافذة غرفته.

كانت عيناه تتجهان نحو المدينة نفسها.

قبض على يده وهو يتمتم:

ـ مهما حدث...

سأعيد الحياة إلى هذه المدينة.

في تلك الليلة...

كانت ثلاثة أطراف تنظر إلى كارڤين...

كل طرف يحمل هدفًا مختلفًا.

حازم... يبحث عن الحقيقة.

فيكتور... يحمي إمبراطوريته.

والسيد ياسين... يحاول إنقاذ المدينة


    نهاية الجزء الأول

              كارڤين: ما قبل العاصفة

يتبع في الجزء الثاني…


              كارڤين: سقوط الأقنعة