NOVELFLEX

الرجل الذي كان ينتظرني

حين نسيتُ من أكون · بقلم Amor Ken

لم يتحرك يونس.

ظل واقفًا خلف الباب، يستمع إلى صوت خطوات الرجل في الممر.

خطوة…

ثم أخرى…

ثم توقف.

كان الرجل قد وصل إلى الطابق الذي يوجد فيه شقته.

يونس لم يعد يسمع سوى صوت المطر خلف النافذة، وأنفاسه المتسارعة.

مد يده ببطء نحو مقبض الباب.

ثم توقف.

تذكر الرسالة.

لا تذهب إلى المنزل.

وتذكر الجملة الأخرى:

لا تثق بالطبيب… لا تثق بزوجتك.

زوجته.

كانت الكلمة وحدها كافية لإشعال صداع حاد داخل رأسه.

زوجته…

من هي؟

هل كانت المرأة الموجودة في الصورة هي زوجته؟

إذا كانت كذلك، فلماذا لا يستطيع تذكر وجهها؟

اقترب من الطاولة وأمسك الصورة مرة أخرى.

نظر إلى المرأة.

هذه المرة شعر بشيء مختلف.

لم تكن غريبة تمامًا.

كان هناك إحساس مألوف في عينيها.

إحساس جعله يشعر بالأمان والخوف في الوقت نفسه.

وفجأة…

سمع طرقًا على الباب.

ثلاث طرق.

تراجع يونس.

لم يجب.

جاء صوت رجل من خلف الباب:

— يونس.

تجمد.

كان الصوت هادئًا.

هادئًا بطريقة جعلته أكثر رعبًا.

— أعرف أنك بالداخل.

لم يرد.

— افتح الباب.

ظل يونس صامتًا.

قال الرجل:

— لن أؤذيك.

ابتسم يونس بسخرية رغم خوفه.

كم مرة قال الأشخاص الذين يؤذون الآخرين هذه الجملة؟

اقترب من الباب ونظر من العين السحرية.

رأى الرجل.

كان في منتصف الأربعينيات تقريبًا.

معطف أسود.

وجه شاحب.

وشعر رمادي عند جانبي رأسه.

لكن الشيء الذي لفت انتباه يونس لم يكن وجهه.

بل عينيه.

كان ينظر مباشرة إلى العين السحرية.

وكأنه يعرف أن يونس يراقبه.

ثم قال:

— لا أملك الكثير من الوقت.

تراجع يونس خطوة.

كيف عرف؟

هل كانت العين السحرية شفافة من الجهة الأخرى؟

أم أنه كان يخمن فقط؟

قال الرجل:

— إذا لم تفتح الباب، سيأتي شخص آخر.

فتح يونس فمه ليسأله من يكون، لكنه لم يفعل.

في تلك اللحظة، انطفأت أنوار الممر.

حل الظلام.

سمع الرجل يقول:

— لقد وصلوا.

ثم ركضت خطوات سريعة في الممر.

فتح يونس الباب فجأة.

كان الممر فارغًا.

الرجل اختفى.

لكن على الأرض كان هناك شيء.

مفتاح.

انحنى يونس والتقطه.

كان مفتاحًا قديمًا من الحديد.

وعليه رقم محفور:

27

عاد إلى الشقة وأغلق الباب.

ظل ينظر إلى المفتاح.

المنزل رقم 27.

لم يعد هناك مجال للهرب.

كان عليه أن يعرف.

---

بعد أقل من ساعة، كان يونس يقود سيارته في الشوارع المظلمة.

لم يكن يعرف كيف وصل إلى السيارة.

ولا كيف عرف أنها سيارته.

لكنه عندما جلس خلف المقود، تحركت يداه بشكل تلقائي.

وكأن جسده يتذكر أشياء نسيها عقله.

المطر كان يضرب الزجاج الأمامي بقوة.

الطرق شبه خالية.

كلما اقترب من شارع النور، كان قلبه يخفق أسرع.

ثم ظهر الرقم.

27

كان المنزل في نهاية الشارع.

منزل قديم محاط بسياج حديدي.

النوافذ مظلمة.

والحديقة مهجورة.

أوقف يونس السيارة بعيدًا قليلًا.

نظر إليه.

شعر فجأة أنه يعرف كل شيء عن هذا المكان.

أين الباب الخلفي.

أين توجد غرفة النوم.

أين توجد السلالم.

حتى أنه عرف أن هناك درجًا مخفيًا تحت الأرض.

تراجع في مقعده.

— كيف أعرف هذا؟

لم يجب أحد.

خرج من السيارة.

فتح البوابة بالمفتاح.

صدر صوت صرير طويل.

دخل.

كل خطوة كانت تعيد إحساسًا غريبًا إلى جسده.

اقترب من الباب.

أدخل المفتاح.

فتح.

رائحة المكان ضربته فورًا.

رائحة خشب قديم، غبار، ورائحة عطر خفيفة.

عطر نسائي.

أغلق الباب خلفه.

أشعل المصباح.

كانت غرفة المعيشة كما ظهرت في الصورة.

أريكة رمادية.

مدفأة.

خزانة كتب.

وصورة عائلية معلقة فوق الجدار.

اقترب منها.

توقف.

كانت الصورة نفسها التي وجدها في المظروف.

لكن هذه المرة كانت أكبر.

يونس.

المرأة.

والطفل.

مد يده إلى الصورة.

وفجأة…

سمع صوتًا خلفه.

— كنت أعرف أنك ستعود.

استدار بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

— من هنا؟

صمت.

ثم جاء صوت آخر.

صوت امرأة.

من الطابق العلوي.

— يونس؟

تجمد.

كان يعرف هذا الصوت.

لم يكن يعرف كيف.

لكنه يعرفه.

صعد الدرج.

كل درجة كانت تصدر صريرًا مألوفًا.

وصل إلى الطابق الثاني.

كان هناك ممر طويل.

ثلاثة أبواب.

الباب الأول مفتوح.

الثاني مغلق.

والثالث…

عليه قفل حديدي.

لكن الصوت جاء من خلف الباب الثاني.

— يونس؟

اقترب.

وضع يده على المقبض.

— من أنتِ؟

جاء الرد:

— افتح الباب وستتذكر.

فتح.

كانت الغرفة مظلمة.

أشعل الضوء.

فارغة.

لا أحد.

لكن على السرير كانت هناك ملابس نسائية مرتبة بعناية.

وعلى الطاولة صورة.

اقترب منها.

كانت المرأة نفسها.

هذه المرة كانت وحدها.

وخلف الصورة مكتوب:

"إلى يونس… إذا وصلت إلى هنا، فلا تثق بما تراه."

قلب الصورة.

وجد جملة أخرى:

"أنا لم أمت."

سقطت الصورة من يده.

تراجع.

— ماذا؟

ثم سمع صوتًا من خلفه:

— لا تصدقها.

استدار.

الرجل الذي كان أمام شقته يقف عند الباب.

يونس تجمد.

— من أنت؟

الرجل أغلق الباب خلفه.

— اسمي سامر.

— ماذا تريد مني؟

— أريد أن أمنعك من ارتكاب الخطأ نفسه مرة ثانية.

— أي خطأ؟

سامر نظر إلى الصورة على الأرض.

ثم قال:

— قتل زوجتك.

شعر يونس بأن الأرض تحركت تحت قدميه.

— أنا… قتلتها؟

— هذا ما تعتقده.

— وماذا حدث؟

اقترب سامر.

— قبل سبع سنوات، كنت تظن أن زوجتك تخونك.

— هل كانت تخونني؟

سامر لم يجب.

— هل كانت؟

— لا.

رفع يونس رأسه.

— إذن لماذا قتلتها؟

قال سامر:

— لأنك لم تكن تملك ذاكرتك كاملة حتى وقتها.

صمت.

— ماذا تقصد؟

سامر أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة.

فتح مقطع فيديو.

ظهر يونس على الشاشة.

كان جالسًا في غرفة مظلمة.

وجهه متعب.

وعيناه حمراوان.

كان يتحدث إلى الكاميرا.

"إذا كنت تشاهد هذا الفيديو… فأنا فشلت."

شهق يونس.

كان هذا صوته.

لكن صوته في الفيديو كان مختلفًا.

خائفًا.

ومنهكًا.

تابع التسجيل:

"أنا لا أعرف كم من الوقت سيبقى هذا الفيديو، ولا أعرف إن كنت سأثق بنفسي عندما أراه."

توقف الفيديو لثوانٍ.

ثم عاد صوته:

"سامر سيقول لك إن زوجتك بريئة."

نظر يونس إلى سامر.

ثم تابع الفيديو:

"لكن لا تصدقه."

رفع سامر رأسه بسرعة.

— أوقف الفيديو.

لكن يونس لم يفعل.

ظهر يونس في التسجيل وهو ينظر خلفه بخوف.

ثم قال:

"إذا قالت لك زوجتي إنها لم تمت… لا تصدقها."

انقطع الفيديو.

ساد الصمت.

نظر يونس إلى سامر.

— ماذا يعني هذا؟

لم يجب.

— لماذا قلت في الفيديو ألا أثق بك؟

سامر اقترب منه.

— لأن الشخص الذي سجل الفيديو لم يكن أنت.

تراجع يونس.

— ماذا؟

— أو بالأصح… كان أنت، لكن ليس يونس الذي تعرفه.

شعر يونس بالدوار.

— لا أفهم.

قال سامر:

— منذ سبع سنوات، حدث شيء جعلك تعتقد أن حياتك كلها كذبة.

— وما هو؟

نظر سامر إلى الباب.

ثم قال:

— الحقيقة أن الحادث لم يكن قبل سبع سنوات.

تجمد يونس.

— ماذا؟

— الحادث وقع قبل سبعة أيام فقط.

حدق فيه يونس.

— مستحيل.

— ذاكرتك عن السنوات السبع الماضية… لم تكن ذكريات حقيقية.

لم يستطع يونس الكلام.

بدأت الصور تتدفق داخل رأسه.

المرأة.

الطفل.

المنزل.

السيارة.

المستشفى.

طبيب يرتدي معطفًا أبيض.

ثم صوت امرأة:

"يونس، لا تدعه يعرف."

وظهر وجه الطبيب.

كان يبتسم.

ثم تغيرت الصورة.

ظهر شخص آخر.

يونس نفسه.

لكنه كان يرتدي ملابس مختلفة.

وكان يقف أمام المرآة ويقول:

"غدًا سيبدأ كل شيء من جديد."

فتح يونس عينيه.

كان يتنفس بصعوبة.

— ماذا فعلوا بي؟

سامر لم يجب.

قال فقط:

— السؤال الحقيقي ليس ماذا فعلوا بك.

ثم اقترب منه وقال:

— السؤال هو…

ماذا فعلت أنت بهم؟

في تلك اللحظة، سمع الاثنان صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.

سامر التفت نحو النافذة.

اختفى الدم من وجهه.

— وصلوا.

— من؟

نظر سامر إلى يونس.

— الأشخاص الذين محوا ذاكرتك.

ثم أضاف بصوت منخفض:

— لكن هذه المرة… لم يأتوا لاستعادتها.

توقف لحظة.

— جاؤوا ليستعيدوك أنت.

وفجأة…

انطفأت أنوار المنزل.

ثم سمع يونس صوت الباب الرئيسي يُفتح في الطابق السفلي.

خطوات.

واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

أمسك سامر بذراع يونس.

— لا تتحرك.

لكن يونس كان ينظر إلى نهاية الممر.

كان هناك شخص يقف في الظلام.

شخص طويل.

ساكن.

لا يظهر منه سوى ملامح وجهه.

ومع اقترابه من الضوء…

عرفه يونس.

كان وجهه هو.

لكن أكبر سنًا.

وأكثر تعبًا.

رفع الرجل يده ببطء.

وفي يده صورة.

ثم قال:

— أخيرًا… تذكرت الطريق إلى بيتك.

يتبع…