لم يستطع يونس أن يتحرك.
كان الرجل يقف في نهاية الممر، تحت ضوء المصباح الضعيف، يحمل صورة العائلة بيده.
صورة يونس.
وزوجته.
والطفل.
لكن الشيء الذي أرعبه لم يكن الصورة.
كان وجه الرجل.
نفس شكل العينين.
نفس الأنف.
نفس الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر.
حتى الطريقة التي كان يقف بها جعلت يونس يشعر وكأنه ينظر إلى نفسه بعد عشرين عامًا.
قال يونس بصوت مرتجف:
— من أنت؟
ابتسم الرجل.
لم تكن ابتسامة شريرة.
كانت ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخر.
قال:
— أليس هذا السؤال الذي كنت أتوقعه؟
تقدم خطوة.
تراجع يونس.
رفع سامر يده محذرًا.
— لا تقترب منه.
نظر الرجل إلى سامر.
— ما زلت تحاول حمايته؟
رد سامر:
— لن تسمح لك بأخذه هذه المرة.
ضحك الرجل.
— أنت لا تفهم شيئًا يا سامر.
ثم عاد ينظر إلى يونس.
— أنا لم آتِ لأخذه.
سأل يونس:
— إذن لماذا أنت هنا؟
رفع الرجل الصورة.
— لأعيد له ما سرقتموه.
شعر يونس بالارتباك.
— ماذا سرقتم مني؟
نظر الرجل إلى سامر.
— أخبره.
سامر بقي صامتًا.
صرخ يونس:
— أخبرني!
لم يجب سامر.
اقترب الرجل من الطاولة ووضع الصورة عليها.
ثم قال:
— اسمك الحقيقي ليس يونس.
ساد الصمت.
شعر يونس أن شيئًا داخله انهار.
— ماذا قلت؟
— يونس هو الاسم الذي أعطوك إياه.
— من؟
— الأشخاص الذين أخذوك من حياتك.
هز يونس رأسه.
— هذا مستحيل.
— أتمنى لو كان كذلك.
أخرج الرجل شيئًا من جيبه.
بطاقة هوية قديمة.
وضعها أمام يونس.
اقترب يونس ببطء.
نظر إلى البطاقة.
الصورة كانت صورته.
لكن الاسم…
لم يكن يونس.
قرأه بصعوبة:
آدم سليم.
تراجع.
— لا.
— هذا اسمك.
— لا.
— وهذه هويتك قبل أن تبدأ التجربة.
تدخل سامر:
— كفى.
استدار الرجل نحوه.
— أنت تعرف أنه لم يكن من المفترض أن يستيقظ الآن.
تغير وجه سامر.
— اسكت.
نظر يونس إلى الاثنين.
— تجربة؟
لم يجب أحد.
— أي تجربة؟
رفع صوته:
— أي تجربة؟!
اقترب الرجل منه وقال:
— تجربة محو الذاكرة.
تجمد يونس.
— لماذا؟
— لأنك طلبت ذلك.
صمت.
قال يونس:
— أنا؟
— نعم.
— لماذا قد أطلب من أحد أن يمحو ذاكرتي؟
نظر الرجل إلى صورة العائلة.
— لأنك كنت تريد أن تنسى ما حدث في تلك الليلة.
توجه يونس نحو الصورة.
— أي ليلة؟
أشار الرجل إلى المرأة.
— الليلة التي ماتت فيها زوجتك.
ارتجف يونس.
— لكنها لم تمت.
ظهرت ابتسامة حزينة على وجه الرجل.
— هذا ما كنت تريد تصديقه.
رفع يونس رأسه.
— ماذا تقصد؟
قبل أن يجيب، انطلقت صفارة سيارة في الخارج.
ثم سمعوا أبواب سيارات تُغلق.
سامر اقترب من النافذة.
نظر إلى الخارج.
— إنهم هنا.
قال يونس:
— من؟
— الفريق.
— أي فريق؟
— الفريق الذي كان يشرف على العملية.
شعر يونس بالغضب.
— عملية؟
التفت إلى سامر.
— كنت تعرف كل شيء؟
سامر لم ينكر.
— نعم.
— وكنت تكذب علي؟
— كنت أحاول إبقاءك حيًا.
— لماذا؟
قال سامر:
— لأنك لو عرفت الحقيقة قبل أن تستعيد ذاكرتك كاملة، كنت ستموت.
توقف يونس.
— من سيقتلني؟
لم يجب.
لأن صوتًا جاء من الطابق السفلي.
صوت رجل:
— آدم سليم!
تجمد يونس.
لم ينادِه أحد بهذا الاسم منذ أن دخل المنزل.
— آدم سليم، نعرف أنك هنا.
نظر يونس إلى الرجل الغريب.
— من هؤلاء؟
قال:
— الأشخاص الذين صنعوا يونس.
---
ركض سامر نحو باب الغرفة.
— علينا أن نخرج من الخلف.
قال يونس:
— لن أذهب إلى أي مكان قبل أن أعرف الحقيقة.
— لا يوجد وقت.
— لا يهم.
أمسكه سامر من كتفه.
— إذا بقيت هنا، لن تحصل على إجابات.
ثم أضاف:
— ستحصل على رصاصة.
تردد يونس.
ثم تبع سامر.
لكن الرجل الآخر لم يتحرك.
قال يونس:
— وأنت؟
— سأبقى.
— لماذا؟
— لأنهم يبحثون عني أيضًا.
ثم ابتسم.
— وربما حان الوقت لكي يتذكر آدم من أنا.
لم يفهم يونس.
لكن سامر جذبه إلى الباب.
نزلا درجًا ضيقًا خلف مكتبة قديمة.
كان هناك ممر سري تحت المنزل.
رائحة الرطوبة تملأ المكان.
قال يونس:
— كيف تعرف هذا المكان؟
رد سامر:
— لأنني كنت أعيش هنا معك.
توقف يونس.
— ماذا؟
— قبل أن تبدأ كل هذه الفوضى.
واصلا السير.
وبعد عدة أمتار، ظهرت أمامهما غرفة صغيرة.
أشعل سامر مصباحًا.
كانت الجدران مليئة بالصور.
صور ليونس.
أو آدم.
صور له في المستشفى.
صور له في الشارع.
صور له مع زوجته.
صور له وهو يدخل مبنى غريبًا.
ثم رأى يونس صورة جعلته يتوقف.
كان يقف أمام مرآة.
وخلفه رجل يرتدي معطفًا أبيض.
تحت الصورة تاريخ.
قبل الحادث بثلاثة أيام.
اقترب يونس.
— هذا الطبيب.
قال سامر:
— نعم.
— أعرفه.
— من أين؟
وضع يونس يده على رأسه.
— لا أعرف.
ثم بدأ الصداع.
لكن هذه المرة لم تكن مجرد صورة.
كان يتذكر.
غرفة بيضاء.
أضواء قوية.
أجهزة حول رأسه.
الطبيب واقف بجانبه.
وصوت زوجته خلف الزجاج.
كانت تبكي.
قال الطبيب:
— هل أنت متأكد؟
وجاء صوت يونس:
— امحُ كل شيء.
شهقت زوجته.
— يونس، لا تفعل!
التفت إليها.
— إذا بقيت ذاكرتي، سيقتلونك.
ثم سأل الطبيب:
— كم سيستغرق الأمر؟
قال الطبيب:
— سبع سنوات.
فتح يونس عينيه.
صرخ:
— لا!
سقط على الأرض.
ركض سامر نحوه.
— ماذا رأيت؟
يونس كان يلهث.
— أنا…
توقف.
ثم قال:
— أنا طلبت منهم أن يمحوا ذاكرتي.
أومأ سامر.
— نعم.
— لأنهم كانوا يطاردون زوجتي.
— نعم.
— لكن لماذا تركت نفسي أصدق أنها ماتت؟
نظر سامر إلى الأرض.
لم يجب.
قال يونس:
— سامر.
صمت.
— لماذا؟
رفع سامر عينيه.
— لأن هذا كان الجزء الأصعب من الخطة.
— أي خطة؟
قال سامر:
— كان يجب أن تموت في نظر الجميع.
— الجميع؟
— نعم.
— ومن بينهم أنا؟
سامر لم يجب.
فهم يونس.
— زوجتي لم تمت.
صمت.
— أين هي؟
قال سامر:
— لا أعرف.
— تكذب.
— لا.
— أنت تعرف!
رفع سامر صوته:
— آخر مرة رأيتها كانت قبل الحادث.
— أين؟
— في المستشفى.
توقف يونس.
— كانت حية؟
— نعم.
— وماذا حدث لها؟
سامر أغمض عينيه.
— اختفت.
ثم سمعوا صوتًا من خلف الباب.
طرق.
تجمد الجميع.
ثلاث طرق بطيئة.
ثم صوت امرأة:
— آدم؟
اتسعت عينا يونس.
عرف الصوت.
هذه المرة لم يكن هناك شك.
كان صوتها.
صوت المرأة الموجودة في الصورة.
صوت زوجته.
اقترب من الباب.
قال سامر:
— لا تفتحه.
لكن يونس لم يستمع.
وضع يده على المقبض.
— إنها هي.
قال سامر:
— لا تعرف إن كانت هي.
— أعرف صوتها.
— ربما يريدون منك أن تصدق ذلك.
جاء الصوت مرة أخرى:
— آدم… افتح الباب.
أغمض يونس عينيه.
بدأت ذاكرته تتضح.
رأى زوجته أمامه.
رآها تبكي.
ثم رآها تمسك يده.
وتقول:
"إذا نسيتني… لا تبحث عني."
فتح عينيه.
همس:
— كانت تعرف.
سأل سامر:
— كانت تعرف أنني سأفقد ذاكرتي.
— نعم.
— وكانت تعرف أنني سأبحث عنها.
— نعم.
— لماذا؟
لم يجب سامر.
وفجأة جاء صوت المرأة من خلف الباب:
— لأنك لم تكن تحاول نسياني يا آدم…
توقف يونس.
ثم قالت:
— كنت تحاول أن تنسى نفسك.
نظر إلى سامر.
لم يقل شيئًا.
ثم بدأ مقبض الباب يتحرك.
ببطء.
مرة إلى اليمين.
ثم إلى اليسار.
قال سامر:
— ابتعد عن الباب.
لكن يونس بقي مكانه.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الباب ينفتح…
انطفأ المصباح.
غرق الممر في الظلام.
سمع يونس صوت خطوات.
ثم همسة قريبة جدًا من أذنه:
— تذكرتني أخيرًا.
استدار.
لكن لم يكن هناك أحد.
وعندما عاد الضوء…
كان سامر واقفًا وحده.
والباب مفتوح.
أما يونس…
فقد اختفى.
يتبع…
الرجل الذي يشبهني
حين نسيتُ من أكون · بقلم Amor Ken