دوى صوت إطلاق النار في الممر.
ثم ساد الصمت.
لم يعرف يونس من أطلق النار.
لم يعرف من أصيب.
كل ما استطاع رؤيته كان وجه ليلى أمامه، شاحبًا ومرعوبًا، بينما كان سامر يقف بالقرب من الباب، يرفع سلاحه باتجاه الظلام.
قال يونس:
— ليلى… ماذا قصدتِ عندما قلتِ إن هناك نسخة قبلي؟
لم تجب.
حدقت فيه وكأنها تبحث عن شيء في وجهه.
ثم قالت:
— لم يكن من المفترض أن تتذكر هذا الآن.
— لقد سئمت من هذه الجملة.
اقترب منها.
— كل واحد منكم يقول لي إنني لست مستعدًا للحقيقة. أريد الحقيقة الآن.
نظرت ليلى إلى سامر.
— أخبره.
هز سامر رأسه.
— لا.
— لم يعد بإمكاننا إخفاؤها.
— إذا عرف، ستبدأ المرحلة الأخيرة.
قال يونس:
— أي مرحلة؟
لم يجب.
صرخ:
— أي مرحلة؟!
وفجأة، جاء صوت من نهاية الممر.
— المرحلة التي لم يستطع والدك إيقافها.
استدار الجميع.
كان الرجل الذي يشبه يونس يقف في الظلام.
لكن هذه المرة لم يكن يحمل سلاحًا.
كان يحمل ملفًا قديمًا.
قال:
— حان الوقت لتعرف من كنت قبل أن تصبح يونس.
تقدم سامر.
— ابتعد عنه.
ضحك الرجل.
— ما زلت تفعل ذلك.
ثم نظر إلى يونس.
— طوال حياتك، كان سامر يحاول حمايتك من الحقيقة.
قال يونس:
— وأنت؟
— أنا أحاول أن أعيدها إليك.
رفع الملف.
— لأنني الوحيد الذي عاش الجزء الذي سرقوه منك.
اقترب يونس.
— ماذا يوجد في الملف؟
— البداية.
فتح الرجل الملف.
كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل.
تجمد يونس.
كان الطفل يشبهه.
لكن الصورة قديمة جدًا.
أسفلها تاريخ:
1999
قرأ يونس الاسم:
آدم سليم — العمر: 6 سنوات.
قال:
— هذا أنا؟
أجاب الرجل:
— لا.
توقف.
— ماذا؟
— هذه هي النسخة الأولى.
شعر يونس ببرودة تسري في جسده.
— أنا لم أكن النسخة الأولى؟
— لا.
قلب الرجل الصفحة.
ظهرت صورة ثانية.
طفل آخر.
نفس الوجه.
نفس العينين.
لكن العمر:
6 سنوات.
وتحت الصورة:
النموذج الثاني.
ثم صورة ثالثة.
النموذج الثالث.
رابعة.
خامسة.
عشرات الصور.
كلها لوجوه متشابهة.
قال يونس:
— كم عددهم؟
— لا أعرف.
— ماذا تقصد لا تعرف؟
— لأن المشروع لم يتوقف عندي.
ثم أضاف:
— ولم يتوقف عندك.
أخذ يونس الملف منه.
قلب الصفحات بسرعة.
كانت هناك تقارير.
أسماء.
تواريخ.
صور لأطفال ورجال ونساء.
كلهم يحملون ملامحه.
ثم وصل إلى صفحة مختلفة.
كانت الصفحة ممزقة من المنتصف.
لكن بقي منها جزء.
وفي أسفلها كلمة واحدة:
"المصدر."
رفع يونس رأسه.
— ما معنى هذا؟
قال الرجل:
— أنت.
— أنا المصدر؟
— خلاياك كانت أول مادة ناجحة.
— إذن لماذا كنت أنا موجودًا؟
ابتسم الرجل.
— لأنهم احتاجوا إلى الأصل ليصنعوا النسخ.
سأل يونس:
— وماذا عن ذكرياتي؟
— كل نسخة كانت تحصل على جزء منها.
— لماذا؟
— لأنهم اكتشفوا أن الذكريات لا تنتقل بسهولة من شخص إلى آخر.
تدخلت ليلى:
— لكنها كانت تنتقل إليك.
نظر إليها.
— لماذا؟
— لأنك كنت مختلفًا.
صمتت لحظة.
— لم تكن ذاكرتك طبيعية منذ البداية.
تراجع يونس.
— ماذا يعني ذلك؟
قالت:
— عندما كنت طفلًا، حدث لك شيء.
— ماذا؟
— حادث.
تغير وجهه.
— أي حادث؟
قال سامر:
— الحريق.
أغمض يونس عينيه.
وفجأة…
عاد شيء من الماضي.
نار.
دخان.
صراخ.
امرأة تحمل طفلًا.
رجل يركض.
باب يُغلق.
وصوت امرأة:
"لا تدعه يأخذ الطفل!"
فتح عينيه.
كان يتنفس بسرعة.
— أمي…
قالت ليلى:
— نعم.
نظر إليها.
— ماذا حدث لها؟
— ماتت.
توقف.
— بسبب الحريق؟
هزت رأسها.
— لا.
— إذن كيف؟
قالت:
— قتلها والدك.
لم يتحرك يونس.
كان ينتظر أن تكمل.
لكنها لم تفعل.
قال:
— لماذا؟
— لأنها حاولت إخراجك من المشروع.
— أي مشروع؟
— المشروع لم يبدأ عندما كنت كبيرًا.
توقفت.
— بدأ عندما كنت طفلًا.
شعر يونس بالغثيان.
— أبي كان يستخدم الأطفال؟
قال الرجل:
— لم يكن وحده.
نظر يونس إلى سامر.
— وأنت؟
قال سامر:
— كنت أعمل معه.
تجمد يونس.
— ماذا؟
— كنت واحدًا من الباحثين.
اقترب منه يونس.
— كنت جزءًا من هذا؟
— نعم.
— وأنت تعرف كل شيء؟
— لا.
— كاذب.
— كنت أعرف جزءًا فقط.
— وكنت تعرف ليلى؟
— نعم.
— وكنت تعرف ابني؟
توقف سامر.
لم يجب.
رفع يونس صوته:
— هل كنت تعرف ابني؟!
قال سامر:
— نعم.
ساد الصمت.
شعر يونس أن شيئًا انكسر داخله.
— أين هو؟
— لا أستطيع إخبارك.
— لماذا؟
— لأنه لو عرفت، سيعرفون أنك عرفت.
— ومن هم؟
قال سامر:
— الأشخاص الذين ما زالوا يديرون المشروع.
اقترب يونس منه.
— ومن قائدهم؟
صمت.
ثم قال:
— والدك.
— قلت إنه مات.
— مات الرجل الذي كان يظن الناس أنه والدك.
توقف.
— لكن والدك الحقيقي…
لم يكمل.
قال يونس:
— أين هو؟
جاء صوت من خلفهم:
— أمامك.
التفت الجميع.
كان هناك رجل يقف عند نهاية الممر.
رجل مسن.
شعره أبيض.
وجهه مليء بالندوب.
وفي يده عصا سوداء.
لكن يونس عرفه.
رغم مرور سنوات.
رغم كل شيء.
عرفه.
قال بصوت خافت:
— أبي؟
ابتسم الرجل.
— اشتقت إليك يا آدم.
تراجعت ليلى.
قال سامر:
— لا…
رفع الرجل عينيه إليه.
— مرحبًا يا سامر.
ثم نظر إلى يونس.
— لقد كبرت.
لم يستطع يونس الكلام.
اقترب الرجل.
— كنت دائمًا أعرف أنك ستعود.
— أنت مت.
ضحك.
— هذا ما أردتك أن تصدقه.
— لماذا؟
— لأنك كنت تبحث عني.
— سبع سنوات وأنا أبحث عن إجابات.
— وأنا كنت أراقبك.
— لماذا محوت ذاكرتي؟
تغيرت ابتسامة الرجل.
— لم أمحُ ذاكرتك.
— إذن من فعل؟
نظر إلى ليلى.
— أمك.
تجمد الجميع.
نظر يونس إلى ليلى.
كانت تبكي.
قال:
— أنتِ…
هزت رأسها.
— نعم.
قال الرجل:
— أمك سرقت ذكرياتك وأخفتها.
— لماذا؟
— لأنها أرادت أن تهرب بك.
صرخ يونس:
— من ماذا؟
قال الرجل:
— مني.
سكت يونس.
ثم قال:
— لماذا؟
اقترب والده.
— لأنك كنت تعرف الحقيقة.
— أي حقيقة؟
— أنك لست ابني الوحيد.
نظر يونس إليه.
— ماذا؟
قال الرجل:
— لديك أخ.
تغير وجه ليلى.
قالت:
— لا.
نظر إليها.
— كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي.
— أين هو؟
لم يجب الرجل.
ثم نظر إلى الرجل الذي يشبه يونس.
قال:
— أمامك.
تجمد يونس.
نظر إلى الرجل.
ثم إلى والده.
— هو؟
ابتسم الأب.
— نعم.
رفع الرجل عينيه.
— أنا أخوك.
لم يستطع يونس استيعاب الأمر.
— لكنه نسخة مني.
قال الأب:
— لم أصنع نسخة منك.
ثم أضاف:
— صنعتك أنت ونسختك من شخص واحد.
اقترب من الرجل.
— أخوك التوأم.
تراجع يونس.
بدأت ذكريات مبعثرة تتساقط داخل رأسه.
طفلان.
غرفة بيضاء.
امرأة تبكي.
رجل يحمل أحد الطفلين.
صوت يقول:
"سنحتفظ بالأفضل."
ثم صرخة.
"لا تأخذوه!"
ثم باب يغلق.
جلس يونس على الأرض.
قال:
— كنا طفلين.
قالت ليلى:
— نعم.
— وأنتِ تركتِ واحدًا منهم؟
— لم أستطع إنقاذكما معًا.
نظر إليها.
— لماذا أنقذتِني؟
بدأت دموعها تنهمر.
— لأنهم اختاروك.
— ماذا يعني اختاروني؟
قال والده:
— لأن دماغك كان الأكثر استجابة.
اقترب الرجل منه.
— لكنني كنت دائمًا أقل منك.
قال يونس:
— أقل مني؟
— كانوا يعيدون برمجتي كل مرة.
ثم أضاف:
— أما أنت، فكنت تتذكر.
قال يونس:
— لهذا السبب محوا ذاكرتي؟
— نعم.
— لكن لماذا أبقوني حيًا؟
قال الأب:
— لأنك كنت المفتاح.
توقف.
— مفتاح ماذا؟
ابتسم الرجل.
— لتذكر كل شيء.
ثم رفع جهازًا صغيرًا.
ضغط زرًا.
فجأة أضاءت شاشة في نهاية الممر.
ظهرت صورة ليلى.
ثم صورة سامر.
ثم صورة يونس.
ثم صورة الطفل.
توقف يونس.
كان الطفل في الصورة ينظر مباشرة إلى الكاميرا.
وشعر يونس بقشعريرة.
كان يعرف ذلك الوجه.
قال:
— ابني.
ظهرت كتابة أسفل الصورة:
الموقع: المنشأة 17.
قال سامر:
— لا.
نظر يونس إليه.
— إنه حي.
— يونس…
— ابني حي.
قال والده:
— نعم.
— وأين هو؟
ابتسم.
— في المكان الذي بدأت فيه كل قصتك.
رفع يونس عينيه.
— المنشأة 17.
قال الأب:
— هناك ستعرف من أنت حقًا.
ثم أطفأ الشاشة.
انطفأت الأنوار.
وحين عادت…
كان الرجل قد اختفى.
أما الباب في نهاية الممر، فقد أصبح مفتوحًا.
وعليه رقم واحد:
17
نظر يونس إلى ليلى.
— لن أهرب هذه المرة.
قالت:
— أعرف.
— سأذهب إلى هناك.
اقترب سامر.
— إذا دخلت، لن تعود كما كنت.
نظر يونس إلى الباب.
ثم قال:
— أنا أصلًا لم أعد أعرف من كنت.
وأخذ أول خطوة نحو الغرفة.
لكن قبل أن يدخل…
سمع صوتًا من الداخل.
صوت طفل.
هادئ.
مرعوب.
وقال:
— أبي؟
توقف يونس.
ثم سمع الطفل يقول:
— لماذا تأخرت سبع سنوات؟
أغلق يونس عينيه.
وفي تلك اللحظة، تذكر شيئًا واحدًا فقط.
صوت نفسه عندما كان طفلًا.
وهو يقول:
"إذا كبرت… لا تنسَني."
فتح عينيه.
ودخل الغرفة رقم 17.
يتبع…
النسخة الأولى
حين نسيتُ من أكون · بقلم Amor Ken