NOVELFLEX

اليوم الذي قتلتُ فيه أبي

حين نسيتُ من أكون · بقلم Amor Ken

ظل يونس يحدق في بطاقة الذاكرة.

كانت صغيرة جدًا.

قطعة بلاستيكية لا يتجاوز حجمها طرف إصبعه، لكنها بالنسبة إليه كانت تحمل شيئًا أثقل من حياته كلها.

كل ذكرياته.

كل الأسرار التي حاول الهروب منها.

وكل شيء جعله ينسى اسمه الحقيقي.

قال سامر بصوت منخفض:

— لا تشغلها.

رفع يونس عينيه إليه.

— لماذا؟

— لأنك لا تعرف ما الذي ستراه.

— لهذا السبب أريد رؤيته.

— ربما لن تتحمل.

ابتسم يونس بسخرية.

— أعتقد أنني تجاوزت مرحلة الخوف منذ زمن.

اقترب من الجهاز.

أدخل بطاقة الذاكرة.

ظهرت شاشة سوداء.

ثم كلمة واحدة:

"آدم."

تحتها سؤال:

"هل أنت مستعد لتتذكر؟"

توقف يونس.

كانت أصابعه فوق الزر.

قال سامر:

— ما زال بإمكانك التراجع.

ضغط يونس.

بدأ الفيديو.

---

ظهرت غرفة واسعة.

جدرانها رمادية.

طاولة طويلة في المنتصف.

ورجل يقف أمام نافذة.

كان ظهره للكاميرا.

لكن يونس عرفه فورًا.

والده.

الرجل الذي ظن أنه مات منذ سنوات.

اقترب الرجل من النافذة.

قال:

— آدم، إذا كنت تشاهد هذا التسجيل، فهذا يعني أنني لم أستطع إيقافك.

تجمد يونس.

الصوت كان حقيقيًا.

صوت والده.

تابع الرجل:

— أنت ستكرهني عندما تعرف الحقيقة.

صمت لحظة.

— وربما ستكره نفسك أكثر.

تغير المشهد.

ظهر آدم.

كان أكبر سنًا بقليل، لكنه كان هو.

جلس أمام الكاميرا.

وجهه شاحب.

وعيناه حمراوان.

قال:

— أبي يعرف أنني اكتشفت كل شيء.

ظهر الأب خلفه.

— لم تكتشف كل شيء.

رد آدم:

— اكتشفت ما يكفي.

— أنت لا تعرف ما الذي سيحدث إذا خرجت الحقيقة.

— الناس يموتون بسببك.

ساد الصمت.

اقترب الأب منه.

— الناس يموتون بسببك أيضًا.

رفع آدم عينيه.

— لهذا السبب سأُنهي المشروع.

قال الأب:

— لن تستطيع.

— سأفعل.

— حتى لو اضطررت لقتلني؟

تجمد آدم.

رفع رأسه ببطء.

— إذا كان هذا هو الحل…

توقف.

ثم قال:

— نعم.

انقطع الفيديو.

ظهر ملف آخر.

"قبل الحادث — 03:14"

ضغط يونس عليه.

ظهرت صورة للمنزل رقم 27.

كان المطر يهطل بغزارة.

سيارة سوداء متوقفة أمام الباب.

خرج منها آدم.

كان يحمل مسدسًا.

وقف أمام المنزل.

ثم طرق الباب.

فتح والده.

قال:

— كنت أعرف أنك ستأتي.

رد آدم:

— أعطني الملفات.

— لا.

— أبي، انتهى الأمر.

— لم ينتهِ.

— أعطني الملفات.

— ماذا ستفعل بها؟

— سأدمرها.

ابتسم الأب.

— وهل تعتقد أن تدمير الملفات سيجعل الأشخاص الذين ماتوا يعودون؟

صمت آدم.

قال والده:

— أنت لا تفهم يا بني.

— أفهم أكثر مما تتخيل.

— أنت من طلب مني أن أبدأ المشروع.

تجمد آدم.

— أنا؟

— نعم.

— هذا مستحيل.

— كنت تريد علاجًا لأمك.

تغير وجه آدم.

— أمي؟

— كانت تموت.

صمت.

— قلت إنك ستفعل أي شيء لإنقاذها.

نظر آدم إلى والده.

— ماذا فعلت؟

قال الأب:

— بدأت المشروع.

ظهر الارتباك على وجه آدم.

— لا.

— أنت كنت أول من اقترح استخدام الذاكرة.

— لا!

— ثم تطور الأمر.

تراجع آدم.

— كفى.

— لكنك لم تتوقف.

— كفى!

— حتى اكتشفت أن المشروع لم يعد لعلاج أحد.

رفع آدم مسدسه.

قال الأب:

— أطلق النار إن كنت تظن أن ذلك سيغير الماضي.

ارتجفت يد آدم.

ثم…

دوّى صوت إطلاق النار.

توقف الفيديو.

شهق يونس.

تراجع عن الشاشة.

— لا...

قال سامر:

— يونس...

— لا تقل شيئًا.

أعاد الفيديو.

هذه المرة ببطء.

ظهرت الصورة من جديد.

المسدس.

الصوت.

ثم سقط الأب على الأرض.

لكن الكاميرا تحركت.

ظهر آدم وهو يركض نحوه.

— أبي!

انحنى بجانبه.

كان الدم على قميصه.

لكن والده لم يمت.

فتح عينيه.

وقال:

— لم تكن أنت.

تجمد آدم.

— ماذا؟

— الرجل الذي أطلق النار...

سعل.

— لم يكن أنت.

نظر آدم إلى المسدس.

ثم إلى الباب.

كان هناك شخص آخر يقف في الظلام.

شخص يشبهه.

تراجع آدم.

— من أنت؟

خرج الرجل من الظلام.

كان هو نفسه.

نفس الوجه.

نفس الملامح.

نفس العينين.

النسخة.

قال الرجل:

— أنا الشخص الذي ستصبحه.

رفع آدم مسدسه.

لكن النسخة كانت أسرع.

انطلق صوت آخر.

سقط آدم.

انقطع الفيديو.

---

فتح يونس عينيه.

كان يتنفس بصعوبة.

قال:

— أنا لم أقتل أبي.

قال سامر:

— لا.

— لكنه قال إنني قتلته.

— لأنك صدقت أنك فعلت.

— من أطلق النار؟

سامر لم يجب.

نظر يونس إليه.

— من؟

قال سامر:

— النسخة.

— لماذا؟

— لأن والدك كان سيكشف الحقيقة.

— أي حقيقة؟

سامر اقترب من الجهاز.

— أن النسخة لم تكن مجرد نسخة منك.

— ماذا كانت؟

قال:

— كانت أفضل منك.

تجمد يونس.

— أفضل مني؟

— ذاكرة أقوى. قدرة أكبر على التعلم. استجابة أسرع.

— لماذا صنعوها؟

— لأنهم أرادوا شخصًا يمكنه أن يعيش حياتك دون أن يكتشف أحد الفرق.

قال يونس:

— لكن لماذا يشبهني؟

— لأنهم استخدموا خلاياك.

ساد الصمت.

ثم قال سامر:

— لكنهم ارتكبوا خطأ.

— ما هو؟

— النسخة بدأت تتذكر أشياء لم تعشها.

— ذكرياتي؟

— نعم.

— كيف؟

— لأنهم لم يصنعوا نسخة من جسدك فقط.

تردد.

— صنعوا نسخة من ذاكرتك أيضًا.

شعر يونس بالدوار.

— إذن الرجل الذي رأيته…

— يحمل جزءًا من ذكرياتك.

— لهذا السبب كان يعرف كل شيء.

— نعم.

جلس يونس.

لم يعد يعرف من منهما هو الحقيقي.

ثم تذكر شيئًا.

— ليلى.

نظر سامر إليه.

— ماذا عنها؟

— لماذا كانت تعرفني؟

— لأنها كانت معك منذ البداية.

— وهل هي حية؟

سامر لم يجب.

— سامر.

صمت.

— هل هي حية؟

قال:

— نعم.

أغمض يونس عينيه.

لأول مرة منذ سبع سنوات، شعر بشيء يشبه الأمل.

لكن سامر قال:

— وهناك شيء آخر.

فتح يونس عينيه.

— ماذا؟

— ليلى ليست الشخص الذي تعتقده.

— ماذا تقصد؟

— عندما قابلتها لأول مرة، لم تكن ليلى.

توقف يونس.

— من كانت؟

قال سامر:

— كانت واحدة من الأشخاص الذين صنعهم المشروع.

— نسخة؟

— لا.

— إذن؟

— امرأة تم تعديل ذاكرتها.

بدأ يونس يفهم.

— مثلما حدث لي.

— تقريبًا.

— لماذا؟

قال سامر:

— لأنها كانت تحمل سرًا.

— أي سر؟

نظر سامر إلى الباب.

ثم قال:

— مكان ابنك.

تجمد يونس.

— ابني؟

— نعم.

— أين هو؟

— لا أعرف.

— أنت قلت إن ليلى تعرف.

— كانت تعرف.

— وكانت تخفيه؟

— لتحميه.

نهض يونس.

— من ماذا؟

قال سامر:

— من والدك.

— لكنه مات.

— والدك الحقيقي مات.

توقف يونس.

— ماذا؟

— الرجل الذي رأيته في التسجيل لم يكن والدك الحقيقي.

ظل يونس ينظر إليه.

— إذن من كان؟

سامر قال:

— الشخص الذي كان يدير المشروع.

— والدي؟

— لا.

ثم أضاف:

— كان الرجل الذي ربّاك.

شعر يونس أن الأرض اختفت من تحته.

كل شيء كان كذبة.

اسمه.

عائلته.

زوجته.

ماضيه.

حتى والده.

جلس على الكرسي.

— من أنا؟

لم يجب سامر.

لكن صوتًا جاء من خلفهما:

— أنت آدم سليم.

التفتا.

كانت ليلى واقفة عند الباب.

هذه المرة لم تكن شبحًا.

لم تكن تسجيلًا.

كانت أمامهما.

حية.

وجهها متعب.

وعيناها مليئتان بالدموع.

نظر إليها يونس.

لم يتحرك.

قالت:

— أنا آسفة.

وقف.

— لماذا؟

— لأنني تركتك.

— أين كنت؟

— أحاول حمايتك.

— سبع سنوات؟

— نعم.

— وتركتني أعتقد أنك مت؟

بكت.

— لو عرفت أنك حي، لقتلوك.

— من؟

قالت:

— الشخص الذي صنع كل هذا.

اقترب يونس منها.

— أبي؟

هزت رأسها.

— لا.

— إذن من؟

نظرت إلى سامر.

ثم قالت:

— الرجل الذي كنت تناديه أبي لم يكن سوى واجهة.

توقفت.

ثم نظرت إلى يونس مباشرة.

— الرجل الحقيقي هو الشخص الذي وثقت به أكثر من أي شخص آخر.

نظر يونس إلى سامر.

ثم إلى ليلى.

قال:

— من؟

لم تجب.

فجأة…

انطفأت الأنوار.

ثم سمعوا صوت باب حديدي يغلق في مكان ما.

صرخ سامر:

— ابتعدوا عن الباب!

لكن صوتًا جاء من الممر.

صوت هادئ.

مألوف.

صوت الرجل الذي يشبه يونس.

— لا تقلقي يا ليلى.

تجمدت.

ثم جاء صوته مرة أخرى:

— هذه المرة لن آخذ آدم.

سكت لحظة.

— سأخذك أنت.

فتحت ليلى عينيها بخوف.

همس يونس:

— ماذا يريد منك؟

نظرت إليه.

وقالت:

— لأنه اكتشف الحقيقة.

— أي حقيقة؟

اقتربت منه.

ثم همست:

— النسخة لم تكن أول تجربة.

توقف يونس.

— ماذا؟

— كانت هناك نسخة قبلك.

— من؟

رفعت ليلى عينيها إليه.

— أنت.

ثم دوى صوت إطلاق نار في الخارج.

وسقطت الشاشة.

وفي الظلام…

سمع يونس صوت رجل يضحك.

ثم قال:

— الآن فقط… بدأت تتذكر.

يتبع…