NOVELFLEX

لقاء الأرواح وإشعاع الأمل

عوض الله جميل · بقلم 𝓐𝓷𝓮𝓮𝓷 ✍︎

الفصل السادس: لقاء الأرواح وإشعاع الأمل

​توجتُ مسيرتي بثمانية وعشرين كتاباً، وبلغتُ الثلاثين من عمري؛ محملةً بخيباتٍ صقلتني ونجاحاتٍ أنضجتني. ورغم صخب الإنجاز، بقيتُ ألوذُ بسكينة الليل، أصلي ركعتين وأبثُّ شكواي لخالقي. وفي غمرةِ ذاك الهدوء، استوقفني حسابٌ يتابعُ خطاي؛ كان ينشرُ عن إصداراتي بشغفٍ ويؤازرُ حروفي، فرددتُ له المتابعة بفضولٍ حذر.

​ألقى عليَّ تحية السلام، فكان ردي مقتضباً خلف أسوار الغموض التي بنيتُها حول نفسي بعد كل ما جرى. بدأ يتسللُ إلى عالمي من خلال نقاشاتٍ أدبية وتفاعلٍ عميق مع نصوصي، لأكتشف أنه كاتبٌ من أرضي يُدعى «رواف». شعرتُ بنبضِ حضورهِ يطرقُ أبواب قلبي، لكني، ومن فرطِ حذري، تظاهرتُ بعدم الاكتراث ..

​.. بدأت جاذبيته تتسلل إليَّ، لكنني كنتُ أقاوم متمسكةً بآخِر حصوني. واجهتهُ بحقيقتي التي أؤمن بها: «أنا أكره جنس آدم ولا أثق بهم»، فجاء ردهُ واثقاً كأنه يتحدى قدري: «عشرتي ستُبدل رأيكِ هذا». أجبتهُ ببرودٍ يخفي خلفه شكوكاً عميقة: «لا أظن ذلك، فالأمر ليس بهذه البساطة»، ليكتفي هو بكلمة واحدة هزت ثباتي: «سترين».

​دهشتُ من تلك الثقة المطلقة التي يتحدث بها، فحدثتُ نفسي بسخرية المرأه الخائبة: «كلهم يرتدون قناع الاختلاف في البداية، ثم تتساقط الأقنعة لنكتشف أنهم صُبّوا في قالبٍ واحد». غصتُ في أفكاري، لكن الحقيقة كانت أقوى؛ فقد استطاع خلال شهورٍ قليلة أن يغيرني من الداخل، ورغم كبريائي الذي منعني من الاعتراف، كانت تصرفاتي تفضحُ ذاك التغيير وتعلنه بوضوح .. "كنتُ أستشفُّ نبل أخلاقه من عذوبة حديثه. وحين سألني عن تفاصيل حياتي، أجبتُه باقتضابٍ يحملُ عزة نفسي؛ أخبرتُه أننا عائلة ميسورة، وأن كدح أشقائي يؤمن لنا حياةً كريمة. لكنه باغتني بقوله: «حين أطرقُ بابكم، سيتغير كل شيء».

​وقعت كلماته على قلبي كوقع الرعد، فآثرتُ الصمت ولم أستفسر عما وراء قوله؛ خوفاً من أن يتمرد قلبي ويطمح لما هو أبعد من أحلامي البسيطة. ظلَّ يسردُ عليَّ قصة كفاحه وإنجازاته التي سطرها عبر السنين، وكنتُ أصغي إليه بشغفٍ جعلني أذوب في تفاصيل حكاياته، حتى تداخلت الصور في ذهني ولم أعد تبين بعض معالمها من فرط اندماجي ..

​في إحدى خلوات حديثنا، طرقَ باب الزواج والحب، فأجبتهُ بيقينِ مَن خبرت الحياة: «إن أجمل الحكايات هي تلك التي يولد الحب فيها تحت ظلال الزواج، أما ما يسبقه فغالباً ما يخلف وراءه قلوباً محطمة». ساد صمتٌ قصير قطعتهُ نبرتهُ الواثقة وهو يقول: «أريدكِ رفيقةً على سنة الله ورسوله.. أريدُ أن أطرق باب منزلكِ رسمياً».

1793646567020.jpg