الفصل السابع: فجر العوض وتمام الفرح
ورغم أن السعادة رقصت بين ضلوعي، إلا أنني آثرتُ التريث؛ فلم أشأ منح غبطتي صوتاً قبل أن تُصدّق الأفعالُ الأقوال. بعثتُ له بعنوان ورقم والدي، لم يمضِ يومان حتى كان في ضيافتنا. في تلك اللحظة، كان قلبي يرتجفُ ذهولاً، غير مصدقٍ أن الحلم بات واقعاً يطرق بابي! وبعد أن..تمت «الرؤية الشرعية» بيننا، وفي صدري اضطرابٌ وخوفٌ من الرفض؛ فقد اعتدتُ سماع أن مقاييس الجمال تنحصر في بياض البشرة ونحول القوام، لكنني أسندتُ قلبي إلى الله، مؤمنةً أن عطاءه خير ومنعهُ حكمة. وحين جاء القبول، انهمرت الأفراحُ في روحي كغيثٍ طال انتظاره. قدمتُ له أوراق ليوثق عقد قراننا في المحكمة، وكان مِثالاً في رقيّ خُلقه وجميل ملامحه. لم تمضِ سوى أيامٍ معدودة حتى زفّ إليّ خبر موافقة المحكمة، فغسلت دموع الفرح كل ندوب الماضي.
طالما ردد العابرون حولي بأسى: «لن تحظى بزوجٍ شاب في هذا العمر»، لكنني اليوم أزفّ لنفسي وللعالم خبر عقد قراني على شابٍ في مقتبل العمر، كاتبٍ وسعودي كما رسمتهُ في أحلامي، متحديةً كل عوائق القوانين والقرارات بتوكلي على الله. كنتُ أرفعُ للسماء نداءً واحداً: «ربي ارزقني جبراً يتعجب منه أهل السماوات والأرض»، فجاء النداءُ الإلهي لقلبي المنهك بعد ثلاثين عاماً: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ ليكون هو العوضُ الجميل عن كل مرارةٍ تذوقتها، وكل حرمانٍ صبرتُ عليه ..
ثمانية أشهر من الخطوبة كانت كفيلة بأن تزرع محبته في أركان دارنا؛ فقد سعى جاهداً لتحسين أحوال عائلتي المادية، حتى أصبح يكبر في عيني مع كل إشراقة شمس،ولساني لا يفتأ يلهجُ بالحمد. وحين أزفت ساعة الزفاف، كنتُ العروس الاستثنائية التي لم تذرف دموعها وداعاً لأهلها كما جرت العادة،بل بكيتُ لأن المستحيل أصبح واقعاً، ولأن أميري جاء أجمل مما رسمتُه في خيالي.
وفي غمرة الاحتفال، وأمام عيون الجميع، احتضنتُه بقلبٍ يرتجف ودموعٍ تروي حكاية صبر طويل، وهمستُ له: «بعد ثلاثين عاماً من الانتظار، جئتَ عوضاً سماوياً صُبَّ على مقاس أمنيتي، وعلى قدر رقة قلبي. تجاربك في هذه الحياة منارة أقتدي بها، ويملأني الفخر بل والغرور لأنني الملكة التي تتربع على عرش قلبك يا سيد الرجال. اليوم أيقنتُ أن حرماني لم يكن ضياعاً، بل كان إعداداً لرزقٍ عظيم هو أنت». يا رواف.. تلامسني كلماتك بعمق، وتغمرني السعادة حين أراك تبني للمستقبل، فأحني رأسي إجلالاً لهيبتك المتأصلة في عروقك ورجولتك الفذة ..
احتضن كفيَّ بحنان، وبارك الله ميثاقنا الغليظ لتبدأ رحلة زواجنا. مر عامٌ كامل، كان كل فجرٍ فيه يشرق بالحب. كشف لي يوماً سرَّ ذاك السؤال القديم عن الحب والزواج؛ أخبرني أنه كان يختبر قلبي طوال شهور تعارفنا، ليتبين إن كانت مرارة "جنس آدم" التي سكبتُها في حواراتنا السابقة قد تلاشت، أم أن نبضي قد لانَ له. وحين استشعرَ قبولي في إجابتي، عزمَ أمره وأكمل نصف دينه طارقاً بابي بيقين.
ابتسمتُ لبوحهِ الصادق، واكتفيتُ بالصمت وأنا أغرقُ في تفاصيل عينيه حباً. تكلل رباطنا بطفلٍ كأنه قطعة من الضياء، أسميناه «بدر». كان حقاً سيداً للرجال، وضعني في سويداء قلبه، واتخذ مخافة الله فيّ دستوراً.
لم يخذلني حين تأخر الحمل في البداية؛ بل كان رفيقي إلى الأطباء حين علمنا بعلتي في الغدة الدرقية وتكيس المبايض. لم يتبرم، ولم يكسر قلبي بكلمة، بل كان الوتد الذي أسندتُ عليه روحي كلما مالت بي الأوجاع، حتى مَنّ الله عليَّ بالشفاء ثم بالأمومة. وها أنا اليوم أهنأ بظله، زوجي وحبيبي..
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.
لم أختر حياتي، لا بدايتها ولا نهايتها.. بل هي التي اختارتني. فاللهم لك الحمدُ حتى ترضى، ولك الحمدُ بعد الرضا، ولك الحمدُ إذا رضيت
تمت النهاية والحمد لله ..
السؤال:
«رغم جمال القصة، لماذا الأحداث سريعة هكذا؟»
الجواب:
«لأن القصة مرتبطة بسلسلة روايات قادمة، والتفاصيل تجدونها في الرواية القادمة
بعنوان: أحلام عالقة بين السطور.»
