NOVELFLEX

إشراقة المجد وبشارات الرؤيا

عوض الله جميل · بقلم 𝓐𝓷𝓮𝓮𝓷 ✍︎

الفصل الخامس: إشراقة المجد وبشارات الرؤيا

​لم أكن أملكُ حينها درهماً واحداً، لكنَّ يقيني بخالقي كان سندي؛ فهو الذي لا يتركُ عبدهُ للسقوط أبداً. همستُ في سري وأنا أغادرها: «إليك يا ربُّ وكلتُ أمري، فكن لي معيناً». وحين سألتني بقلبِ الأم المشفق عن مصير كتابي، طمأنتها بأنَّ التأخير كان سبباً لاسترداد المال، وأنَّ طموحي الآن هو النشرُ «تبنياً»؛ فمنعُ الله عطاء، وفي طيات الكرهِ قد يكمنُ الخيرُ كله، كما أخبرنا في محكم تنزيله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

​لعلَّ هذا الباب الذي وُصد في وجهي كان الحائل بيني وبين أبوابٍ أكثر رحابةً أرادها الله لي، والحمد لله الذي وهبني القدرة على بعث روايتي من جديد بصياغةٍ أكثر نضجاً. لم أكن أدرك حينها، هل كنتُ أبثُّ الطمأنينة في صدرها، أم كنتُ ألملمُ شتات قلبي وأقنعه بالصبر؟ غادرتُ غرفتها، واليقينُ يملأ روحي بأنَّ القادم أجمل .. طرقتُ باب «دار الرفقاء» مجدداً أستقصي خبر التبني، فجاء الرد بأنَّ أبواب الفرص قد وُصدت لهذا العام. ورغم طهارتي من الخطأ في حقهم، إلا أنَّ نبل روحي دفعني للاعتذار، متمسكةً بحقي الأخير: «لقد وعدتَنا بالأغلفة يوماً، وأنا الآن أستردُّ هوية كتابي». نلتُ غلافي، وسقتني الأقدارُ نحو دارٍ احتضنت حلمي، ليعلنَ العالمُ بعد شهرٍ واحدٍ ولادة عملي الذي استحال نجاحاً مدوياً، وأصبح اسمي يترددُ في المحافل ككاتبةٍ تعرفُ كيف تصوغ الوجدان.. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.

​توالت الإصداراتُ، وباتت كتبي مرايا لأحلامي الموءودة وشجوني المكتومة. كنتُ أمني النفس أن يخرج «فارسُ حروفي» من بين السطور، فخفق قلبي ذات مرة لشخصٍ عبر الفضاء الأزرق، لكنه خذلني؛ إذ لم يكن حبه لي، بل كان انبهاراً بهالةِ النجاح التي أحاطت بي. وحين انقشع ضباب الزيف، آثرتُ الرحيل وقررتُ إغلاق باب قلبي، مدعيةً الزهد في الزواج.

​غير أنَّ خلف قناع القوة كاتبةً تنشدُ الاحتواء، وامرأةً تبحثُ عن روحٍ تخرجها من عتمة وحدتها، وتمسك بيدها في ميثاقٍ غليظٍ لا يعرف التسلية. انهمرت دموعي في جوف الليل على حال قلبي الذي لا يتقن العبث، وقررتُ منذ تلك اللحظة أن أعتزل الأعراس؛ فصداح زفاتها يهتكُ ستر وجعي، ويذكرني بأنني لا أزالُ أنتظرُ يداً تليقُ بطهرِ قلبي ..

​في عرسِ شقيقي، كنتُ أوزعُ الابتساماتِ وأباشرُ المهام، بينما في أعماقي بركانٌ يغلي، يكادُ لهيبه يلتهمُ كل مَن زرعوا الشوك في طريقي وأوقدوا في قلبي نيران الأسى. كنتُ أجالدُ نفسي بصبرٍ واهٍ، وحين صدحت موسيقى الزفاف، فررتُ من وهج الأنوار أتحسسُ صدري المثقل، كأنما أبحثُ عن هواءٍ ضلَّ طريقه إليّ.

​انتظرُت انقضاء الجلبة لأقتربَ منه، وحين حان دوري في مباركته، انحلَّ قيدُ صبري؛ عانقتُ شقيقي بلهفةٍ غطت دموعي فيها كتفهُ، فاهتزَّ جسدي بنحيجٍ مكتوم. استشعرَ لوعتي فسأل عن الخبر، لكنَّ شقيقاتي سارعن بجذبي بعيداً لئلا أفسدَ بهجة اللحظة. انزويتُ في غرفةٍ معتمة، وهناك أطلقتُ لروحي العنان؛ أئنُّ وأشهقُ بصرخاتٍ بركانيةٍ تأبى الخمود. بقيتُ أصارعُ وجعي حتى غلبني الإعياء، فنمتُ في مكاني بكاملِ زينتي، بفستاني وحذائي، وكأنني جنديةٌ سقطت في ميدانِ مشاعرها.

​لم يدركوا أن دموعي كانت رثاءً لحالي لا خوفاً من فراقِ شقيقي، فجاءت تعليقاتهم الساخرة: «لن يتركنا، لِمَ كل هذا النواح؟». آثرتُ الصمتَ المطبق، وتجاهلتُ ضجيجهم، فثمةُ أوجاعٌ تفوقُ قدرتهم على الفهم، وثمةُ دموعٍ لا تُغسلُ إلا في خلوةِ النفس ..

​عند الخامسة فجراً، تلاشت ملامح الحلم تماماً ونسيتُ كل ما رأيت، ولكنّ شيئاً ما كان لا يزال حاضراً.. كان لساني يلهج بالذكر، يقرأ ويتمتم بآيات من "سورة المعراج" في تدفق لم ينقطع حتى بعد أن استعدتُ كامل وعيي.

الغريب في الأمر أنني لم أكن أستحضر هذه السورة تحديداً قبل نومي، لكنني وجدتُني أبحثُ عن تلك الآيات التي جرت على لساني، لأكتشف أنها سورة المعارج. وحين تدبرتُ فيما كنتُ أقرأ، أدركتُ أنني لم أتمَّها، بل إنني كنتُ أدمجُ معها شطر آيةٍ من سورةٍ أخرى، وأكررها مرتين بذهول:

سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ...

وهنا، لم يكمل لساني نص المعارج، بل استرسل بنبضٍ مختلف، بكلماتٍ لم تكن من ذات السورة، بل من سورة القدر:

..فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"

​لقد اجتمعت المعارج والقدر في صدري في تلك اللحظة، وكأن الروح اختارت أن تجمع بين رفعة الصعود وطمأنينة السلام، تماماً في الوقت الذي كان الفجر فيه يتنفس .. ذهبتُ استقصي أثر ما حدث معي، باحثةً في ثنايا التفسير عما يروي ظمأ حيرتي. لم يكن مجرد استيقاظٍ عابر، بل كان نداءً غامضاً جعلني أقف متأملةً في معاني تلك الآيات التي تآلفت على لساني، وكأنني أفتش عن رسالةٍ خُطّت لي في غيب النوم، وجئتُ الآن لأفكَّ رموزها.. فكان هذا ما وجدتُه هناك ..

​أولاً: في دلالة التداخل (ارتباط السورتين)

ما جرى على لساني لم يكن مجرد خلط عابر، بل كان "دمجاً" روحياً بين آيتين من سورتين مختلفتين؛ الأولى من سورة المعارج: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، والثانية من سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.

هذا التداخل، الذي يعرف بـ "انتقال الذهن"، حمل في طياته دهشة مذهلة؛ فقد استيقظتُ في تمام الساعة الخامسة صباحاً، وهي لحظة بزوغ الفجر، لتأتي الآية التي ختمتُ بها قرائي: (سلامٌ هي حتى مطلع الفجر)، واصفةً بدقةٍ متناهية تلك اللحظة التي عُدتُ فيها إلى يقظتي.

​ثانياً: الأبعاد الروحية والنفسية

إن استيقاظ المرء والقرآن يجري على لسانه هو من المبشرات والعلامات الطيبة التي تفيض بالنور، ومنها:

عقلٌ باطنٌ عامرٌ بالخير: فالعقل لا ينام حين تنام العيون، وانشغال لساني بالذكر فور استيقاظي دليلٌ على أن مخزوني الداخلي عامرٌ بالإيمان، وأن روحي كانت في حالة اتصالٍ سماويّ في وقت السحر.

رسالةُ سلامٍ وأمان: بدأت سورة المعارج بذكر "عذابٍ واقع"، لكن دمجها بسورة القدر—التي تفيض بالسكينة—قد يكون إشارةً تبدل الحال من ضيق القلق إلى سعة الأمان، ومن وحشة الخوف إلى أنس الطمأنينة.

دعوةٌ للاستمرار: لعل في هذا الاستيقاظ نداءً خفياً للالتفات إلى معاني هذه السور؛ حيث تحث "المعارج" على الصبر الجميل، وتدعونا "القدر" لاغتنام الأوقات المباركة.

​ثالثاً: جمالية التناغم مع الوقت

ثمة جانبٌ جماليٌّ باهر في توقيت استيقاظي مع آية "حتى مطلع الفجر"؛ وكأن روحي كانت تتناغم مع نبض الكون، وكأن صلاتي الداخلية أو قراءتي الصامتة بلغت منتهاها مع انجلاء الليل وبداية يومٍ جديد.

وقفة تأمل:

لم يعد يهمُّني نسيان "الحلم"، فما نطق به لساني أثمنُ بكثير من صورٍ قد تتلاشى. هو "ذكرٌ" أراد الله به أن يحيي قلبي في تلك الساعة المباركة، فكانت القراءة بتدبر هي الإجابة، وهي الراحة لكل ما كان يشغل البال .. نهضتُ لأداء صلاة الفجر، تلوتُ سورتي المعارج والقدر، ومع انسياب الآيات على قلبي؛ انقشعت الضبابية وتذكرتُ حلمي.. لم يكن غريباً ولا بعيداً، بل كان شاشةً تعرضُ تفاصيل حياتي التي أعيشها، وكأنني كنتُ أرى واقعي بعينٍ أخرى ..

1793646414714.jpg