NOVELFLEX

الفصل الثالث: مخاض الحرف وعثرات النشر

عوض الله جميل · بقلم 𝓐𝓷𝓮𝓮𝓷 ✍︎

الفصل الثالث: مخاض الحرف وعثرات النشر

​ننتمي لعائلةٍ يكتفي كدحُ أبنائها بتأمين قوت يومنا، لذا بقيت إبداعاتي حبيسة الأدراج؛ في عالم النشر، تخفتُ أصوات الموهوبين أمام صليل العملات. المادة تمنحُ الورق الفارغ قيمة، بينما تُدفنُ المواهب الحقيقية في مقابر الفقر بصمت. راودتني فكرة الاستدانة لأبصرَ حلمي النور، واعدةً نفسي بأن تتكفل مبيعات كتابي الأول بنشر ما يليه من مؤلفات. كنتُ أحلمُ بكتابٍ فريد، بورقٍ أسودٍ وصورٍ تلامسُ الوجدان، لكنَّ دور النشر صدمتني بأسعارها التي تفوق قدرتي، وظلَّ قلبي متشبثاً بحلمه، رافضاً التنازل عن تلك التفاصيل الفنية التي تسكن خيالي.

​تذكرتُ زميلةً يمنيةً كانت قد أغدقت عليّ يوماً بوعود المساندة: «متى احتجتِ إليَّ، فناديني وسأكونُ حاضرة». طرقتُ بابها بالرسائل والنداءات، لكن صمتها كان مطبقاً. وبعد يأسٍ، واجهتُها برسالة عتاب: «لم يكن عليكِ بيع الأوهام لي، فكسرُ الأمل بعد منحهِ أشدُّ إيلاماً من المنع».

حضرت بعد أسبوع تذرعت بالسفر وادعت إخباري به، ورغم غيظي من زيفِ عذرها، إلا أن حاجتي لحلمي دفعتني للرد. وحين عرضت التحويل المالي، طلبتُ رقم هاتفها، إذ كنت أجهلُ حينها أن الحساب البنكي يغني عن كل وسيلة تواصل. عادت لتختفي في سراب صمتها من جديد، فأدركتُ بحرقة أن مَن يريدُ الوصل لا تمنعه الطرقات، ومَن يريد العون لا يخلقُ الحواجز. حظرتُها من هاتفي، لكن ألم الخيبة ظلَّ يسكنني؛ فقد كانت مجرد دراما زائفة، بينما كان حلمي ينزفُ وحيداً.

​رغم الألم، ظلَّ نبضُ الأمل بالله يقودُ خطاي نحو المخرج المنتظر. وفي غمرة البحث، عثرتُ على «دار الرفقاء» المصرية؛ حيث استقبلوني بفيضٍ من الرقيّ والأدب لم أعهده في غيرهم. وعدوني بقرار القبول في يومين، وبأن يرى كتابي النور خلال شهرين فقط، وبتكلفةٍ لم تتجاوز 1199 ريالاً. في تلك اللحظة الخالدة، رفعتُ وجهي نحو السماء، والدموع تغسلُ مرارة الانتظار، وهتف قلبي بيقينٍ زلزل كياني: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.

​ركضتُ نحو والدتي، وبكلماتٍ ممزوجة بالرجاء، طلبتُ منها معونةً ماليةً على أن أعيدها لها من ثمار نجاحي، فكانت يدها ممدودةً بالعطاء. قبلتُ رأسها بدعواتٍ صادقة، وحوّلتُ المبلغ إلى مصر عبر شقيقتي. وبدأتُ أعدُّ الثواني ليخرج أثري للنور، بينما كانت الدار تخطو خطواتها الأولى في عالم النشر. كنتُ كمن يحملُ شعلةً، أخبرُ الجميع عن هذا الملاذ الذي يفتح أبوابه للموهوبين بأسعارٍ ترفق بحالهم المادي.

​ومع ذلك، واجهتنا عقبات البدايات؛ فمر شهران والدار لم تدرك بعد رؤيتي الفنية لغلافي. كان المدير شاباً طموحاً يحملُ على عاتقه أحلام أكثر من خمسين مبدعاً. وبعد ثلاثة أشهر من الانتظار، توجَّ المديرُ صبرنا بأن صمم الغلاف بنفسه بعد أن غاص في أعماق روايتي. كان الغلاف لوحةً فنيةً تخطفُ الأنفاس، دقيقةً لدرجةٍ جعلت زملائي الكتاب يتساءلون بشغف: «لِمَ حظي غلافُها بلمستك الخاصة؟». فما كان منه إلا أن جعل من ريشتهِ جسراً لكل أحلامهم، لتخرج أغلفةُ كتبهم وكأن كل واحدٍ منها يتباهى قائ قائلاً: أنا الجمالُ كله .. "حملتُ نصيحتي للمدير بشغف الحريص؛ اقترحتُ عليه ألا يزجَّ بجميع المؤلفات في آنٍ واحد لئلا تضيع ملامح الإبداع في زحام الرفوف، بل أن يمنح كل أثرٍ حقه من الرعاية والدعم، وأن يتريث في إبرام عقود جديدة حتى يوفي القديم حقه. غير أنه، وبحماس الشباب، لم يلقِ بالاً لقولي، وواصل استقبال المزيد من الأحلام الورقية.

​بدأت أروقة الانتظار تضيقُ بي، وأسئلتي عن موعد الميلاد الحقيقي لكتابي تزداد، لكني كنتُ أطمئنُ قلقي باليقين: «إنَّ ربَّ الخير لا يقدّرُ إلا الخير». انقضت أربعة أشهر، وجاء الوعد بأن أكتوبر سيشهد ولادة كتابي. كنتُ أجهلُ حينها خبايا الصنعة، وظننتُ أن تدقيق الحروف مهمةُ الدار وحدها، فدفعتُ بنصي البكر كما هو.

​اصطدمتُ بمنسقةٍ حاولت عبثاً أن تعيد صياغة روحي؛ بدّلت في سردي وحرّفت في أسلوبي، وحين اعترضتُ دفاعاً عن خصوصية حرفي، لاذت بصمتٍ طويل. تسلمتُ الملف أخيراً من المدير، ففُجعتُ بما رأيت؛ أخطاءٌ تملأ السطور ونقصٌ يشوه الأحداث. انكببتُ على إصلاحهِ بصبرٍ يغالبُ الوقت، بينما كانت المطابعُ تدورُ لتعلن عن كتبِ زملائي، فكتمتُ غيظي بقلبٍ مؤمن يردد: «في كل تأخيرةٍ خيرة، ولعل القدر يخبئ لي ما هو أجمل» .. ودّعتُ أكتوبر ولم تودعني المطابعُ بخبرٍ يسرّ الخاطر. زاد من ألمي نقدُ إحدى القارئات التي واجهتني بعثرات الحروف في مسودتي، معلنةً أنها لن تمنحني مراجعةً أدبيةً قبل أن أهذبَ لغتي. في حيرةٍ من أمري، سألتُ صاحب الدار: «هل عانقت أحرفي المطبعة؟»، فأجاب بالإيجاب، وحين استفسرتُ عن سرِّ هذا البطء، ألقى عليَّ أعذاراً عن جمارك المغرب وتحديات الشحن، في تبريرٍ لم يسكن غليلي ولم يشفِ تساؤلاتي؛ فما علاقة شحن الكتب بطباعة نصي الذي لم يخرج بعد؟

​تمنيتُ لو أنني استعدتُ نصي في تلك اللحظة؛ لأودعه يد مدققٍ يحفظُ للغةِ حرمتها، لا مجرد عابرٍ يستنزفُ مالي ويشوهُ بنيان سردي. لكنَّ المدير أكد لي فوات الأوان، وأنَّ كتابي بات في قبضة الآلات. اجتاحتني الهواجس: كيف سأواجه جمهوري الأول بهذا القصور؟ سيُقال عني ما يُقال، وسيضيع جمالُ الحكاية في زحام الخطأ الإملائي.

انقضى أكتوبر وجاء الوعد بأن «يناير» هو شهر الميلاد المنتظر في معرض القاهرة. رفعتُ كفيّ للسماء أستجدي صبراً يشدُّ أزري حتى أرى ثمار كفاحي يانعة. ولكن، تلا ذلك صمتٌ طويل منه؛ غاب الرجل وغابت ردوده، فبات القلقُ ينهشُ أطراف قلبي. ومع كل رسالةٍ لا تجدُ مجيباً، كنتُ أخلقُ له مئة عذر، وأمني نفسي بأنه غارقٌ في تفاصيل الطباعة والتجهيز، لعل القادم يحملُ معه "المجد للمرأة" كما تمنيت ..

1793646082366.jpg