الفصل الثاني: في مهب القسوة ومرارة الانتظار
ولدتُ في هويةٍ أخرى، لكن روحي نبتت في ثرى السعودية حتى غدت لي وطناً وحباً. لم يكن تعلّقي بهذا الشعب عابراً، بل كان هياماً لا أدرك كنهه، حتى نسجتُ في خيالي الطفولي حُلماً بأن يكون فارس أحلامي سعودياً، يرتدي الأناقة والوقار رداءً له.
بحسن نيةٍ طفولية، أفضيتُ بسري لشقيقتي الكبرى، ولم أدرك أن براءتي ستغدو مادةً لسخرية شقيقي الذي باغتني ضاحكاً: «لا تزالين في العاشرة، وتفكّرين في الفرسان؟ التفتي لدروسكِ فحسب». صمتُّ بمرارة، واكتفيتُ بنظرة عتابٍ لشقيقتي التي كشفت ستري، وظل الحلمُ ينمو في صمت.
حين كبرتُ، كان المرضُ قد بدأ يعثرُ خطوات قدري. طرقَ الخطاب بابنا، لكنهم جاؤوا محملين بشروطٍ لا تنصف الروح؛ يطلبون البياض، والطول، والنحافة، وكأن المرأة قوالبُ صماء! ورغم أنني كنتُ قصيرة القامة، إلا أنني كنتُ أقدسُ جمالي الخاص وأعتز بنفسي. كانت «الرؤية الشرعية» تمر بجانبي لتستقر عند شقيقتي الأصغر، وفي كل مرة، كان يُغرسُ في قلبي نصلٌ من وجع، بينما كنتُ أرسمُ على وجهي قناعَ اللامبالاة.
كانت السخريةُ تكتمل حين أرى الشباب العُزّاب يطلبون ودَّ شقيقتي، بينما يُدفعُ إليَّ بمن أكل الدهرُ عليهم وشرب؛ فإما باحثٌ عن زوجةٍ ثانية، أو أرملٌ مثقلٌ بالهموم، أو رجلٌ يعاني من وطأة الزهايمر والعلل. شعرتُ حينها أن كرامتي تُخدش، وأن قدري في أعينهم قد رخص، فكان رفضي صرخةً مدوية في وجه ذاك الظلم .. أنا عازبة، ومن حقي أن أبحث عن قلبٍ بكر لم تسكنه امرأة قبلي؛ فلي الحقُ في الحلم، وفي الاختيار، وفي أن أقول «لا» بكل ما أوتيتُ من كبرياء. لكنَّ صدق مطلبي قوبل بسياط السخرية من الأهل والأقارب: «علامَ تتشرطين وأنتِ في هذا الحال؟ غداً يذبل ربيعكِ وتتعفنين في زوايا هذا البيت، ولن يطرق بابكِ حينها حتى شيخٌ ثمانينيّ».
غصتُ في دموعي بينهم، وقد استباحوا مشاعري وكأنني مجرد رهانٍ على الزواج، لا يهمهم مَن يكون الشريك؛ حتى لو كان شيخاً يصارع الموت، المهم ألا يُقال عني «عازبة». وحين زُفت شقيقتي الصغرى، انغرست في قلبي نِصال الخيبة، وانفجرت في روحي براكينُ صمتٍ لا تهدأ؛ حتى غدوتُ بكماء لا أتقنُ سوى لغة النوم.
كنتُ أهربُ من واقعي إلى فراشي، أغرق في سباتٍ طويل ولم يسألني أحد عن سرِّ هذا الغياب. لم يبصروا انهيار نفسي وذبول صحتي، بل كان بصرهم حاداً في أمرٍ واحد: اتهامي بالبرود تجاه فرح شقيقتي! وضع القدرُ فوق صدري جبلًا من الضيق سلبني القدرة على التنفس، فآثرتُ النوم الطويل، وكأنني أحاول تعويض قرونٍ من السهر والوجع ..
توالت أعراسُ الجميع من حولي؛ أقاربُ، ومعارفُ، حتى ابنة شقيقتي الكبرى زُفت لبيت زوجها. لم يكن الحسد يوماً ليعرف طريقه إلى قلبي الصافي الذي يتسع بالخير للكل، لكن أوجعني تساؤلاتهم المريرة: هل ذنبي أن الجسد وهنَ بمرضٍ أجهل كنهه؟ وهل أُلامُ على قدرٍ ليس لي فيه حيلة؟! في كل مرة أرفضُ فيها خاطباً لا يملأ عيني، كانت تمطرني والدتي وخالتي بوابلٍ من الكلمات السامة: «من يرتضي بكِ والسنون تسرقُ ربيعكِ؟ غداً يرحلُ الخطابُ تندبين حظكِ ندماً. انظري حولكِ، الصغيراتُ تزوجنَ وأنجبنَ، وأنتِ لا تزالين أسيرة أوهام الكتب! أخجلي من نفسكِ، هل تنتظرين ابن الوزير؟ الواقعُ يا ابنتي مرٌّ، لا يشبه الروايات التي تسكن رأسكِ».
غامت الرؤيةُ أمام عيني، واختلطت أحرف الكتاب الذي أقرؤه بدموعي، فخرجت صرختي المكتومة بصوتٍ متهدجٍ لكنه يفيض بالثبات: «خديجةُ رضي الله عنها كانت في الأربعين حين اقترن اسمها بأعظم البشر، سيدنا محمد ﷺ، فوهبها الله ما لم توهبه الشابات. أنا اليوم في فجر السابعة والعشرين، ولدي يقينٌ وإيمانٌ بأن الله يخبئ لي من هو أجمل وأطهر مما تقارنوني بهم. سأنتظر تدبيره، وسترون بأعينكم.. فما خاب أبداً مَن استغاثَ بالله» .. جاءني ردُّ والدتي كالنصل: «ذاك زمنٌ مضى يا ابنتي، فلم يعد في هذا الوقت من يرتضي بامرأةٍ تقدم بها العمر وأثقلها السمن». أطبقتُ كتابي على وجع قلبي وهرعتُ إلى محرابي؛ توضأتُ بماء اليقين ولجأتُ إلى سجادتي، أطلتُ السجود حتى امتزج أنيني بدموعي، ولم يعلُ في الغرفة صوتٌ سوى نشيجي المكتوم. اتخذتُ من جوف الليل موعداً، فكنتُ أقومُ في الثالثة فجراً، أبثُّ شكواي لخالقي: «يا رب، لقد نضب صبري وتداعت قواي، وأنت العليمُ بحالي، يا من سبقت رحمتك قدرتك.. استجب لي».
كانوا يقتادونني إلى مناسباتهم لعلَّ عيناً تلتفتُ إليّ، وما علموا أن مقاييسهم المادية التي تنحصر في بياضِ البشرة ونحول القوام قد غلقت الأبواب في وجهي. كنتُ أسايرهم فراراً من ضجيج الجدال، لا بحثاً عن نصيب؛ لكنَّ وهج الأنوار وصداح الزفات كان يهتكُ ستر الجمود الذي تغلف به قلبي. غلبتني دموعي، وحين فاجأتني نظرةُ والدتي، حاولتُ مواراة انكساري بسؤالٍ عن شقيقي: «متى نراه عريساً؟ لقد اشتقتُ لبهجة العرس». لم يصدقني أحد، ولم تصدقني نفسي؛ فانسللتُ من بينهم إلى العتمة، وهناك أجهشتُ بالبكاء كما لم أبكِ قط، وشعرتُ بأن قدماي لا تقويان على العودة لمواجهة تلك الأنوار الزائفة مرة أخرى ..
