الفصل الرابع: في دهاليز السراب واسترداد الحقوق
باغتتني رسالةٌ من كاتبةٍ زميلةٍ تشاركني الانتماء للدار ذاتها، تحثني فيها على اتخاذ إجراءٍ قانوني في مصر، وترسمُ لي خطوات الشكوى. سألتها بحذرٍ عما ينويه بقية الرفاق، فعرضت الحديث معهم، فمهدتُ لها الطريق بضمّها لمجموعتنا لنستبين الأمر.
ورغم ضجيج الشكوك حولنا، كان قلبي لا يزال يتشبثُ ببقايا ثقةٍ بأن الرجل لم يهرب، غير أن رياح الخوف عصفت بسكينتي؛ فكيف السبيل لردِّ مال والدتي؟ وكيف سأغفر لنفسي ضياع ثلاث سنوات من عمري سكبتُ فيها روحي بين ثنايا تلك الرواية؟ هل تُسرقُ أحلامي وتصبحُ هباءً منثوراً؟ غرقتُ في معاناةٍ مريرة، وآثرتُ الكتمان عن أهلي؛ فما في روحي من ندوبٍ كان يغنيني عن سياط لومهم التي لن أقوى على احتمالها.
صرتُ أرفعُ للسماء نداءً واحداً: أن يعود حقي لأرده لأمي. لقد مرت ستة أشهر ثقيلة، وأنا التي وعدتها بأن الفرح سيُطبعُ خلال شهرين. كنتُ أتهربُ من تساؤلاتها المتكررة بأعذارٍ واهية عن "ضغط العمل"، بينما قلبي يرتجف. انتقل صراعنا من أروقة «إنستغرام» إلى فضاء «واتساب»، حيث اجتمع شتات الكُتّاب المكلومين. بدأت الأصوات تعلو؛ بين من يستعينُ بمحققٍ ومن يلوذُ بمحامٍ، وبدأنا بجمع فتات الأدلة وصور الحوالات. كنا ثلةً من المغرب، ولم أكن فيها غريبةً سوى أنا وزميلةٌ أخرى من أرض السعودية .. "بدأ الشتاتُ يجتمع، وتكشفت لنا حقائقُ مريرة؛ فالرجلُ الذي ائتمنّاه لم يكن سوى كاتبٍ يلوكُ الوهم، والدارُ التي زعم ملكيتها لم تكن سوى مرافئ نشر فيها أعماله السابقة. وحين تقصينا الخبر من الدار الأم، جاء الردُّ كالصاعقة: «ليس له صلةٌ بنا سوى الورق». وزاد من وطأة القلق أنَّ اسمه لم يدرج في سجلات معرض القاهرة الدولي، فباتت أحلامنا في مهبِّ الريح.
وسط هذا الضجيج، برز صوتٌ كدرتهُ العنصرية، يطالبُ بإقصائنا من التكتل؛ متذرعاً بأننا «أهل السعودية» نملكُ من المال ما يغنينا عن المطالبة، أو ربما نحنُ حلفاءٌ للمحتال! لم أحتمل زيف قوله، فرددتُ عليه بشموخ: «لو كان الأمرُ بيدي لغادرتَ أنت هذا المقام. ما جمعنا هنا هو وجعُ الحقوق المسلوبة، فإن ضاق صدرك بوجودنا فالأرضُ واسعة.. تقبلنا كشركاء في المصير أو انسحب بصمت». فخرسَ صوته أمام قوة منطقي.
انشغل الجميع بتدبير البلاغات للسلطات المصرية، حتى لاح في الأفق خبرٌ جديد؛ إذ زعم أحدُ الرفاق أن صديقاً للمدير تواصل معه، مؤكداً أنَّ الغياب كان قسرياً في ردهات المستشفى إثر علةٍ في صمام القلب، وأنه سيعود بعد أسبوعٍ ليوضح الحقائق ويضع الحلول.
وجدتُ نفسي تائهةً في فضاءٍ من الريبة، لا أهتدي لصدقِ أحدهم من كذبه، فآثرتُ الصمتَ والمراقبة؛ إذ لم يكن لي من غايةٍ سوى ردِّ الأمانة المالية لوالدتي. في لحظةِ بؤسٍ مشتركة، قلتُ لرفاقِ الحرف: «لقد انزوت الثقةُ في ركنٍ بعيدٍ لتبكي حالنا؛ فبدلاً من أن نخطَّ اليوم فصول رواياتنا، أو نقفُ بشموخٍ في حفلات التوقيع لنعانق قرّاءنا، ها نحنُ نقتاتُ على السخرية ونكتبُ النكات لنضحك على خيباتنا».
ضجَّ المكان بضحكاتهم، وشعرتُ وكأنني «جوكر» يرقصُ فوق جراحه، فابتسمتُ لابتسامتهم؛ فقد كان الحزنُ يغلفُ أرواحهم جميعاً، ولأنني أعلمُ أنَّ خلف كل شاشةٍ قلباً ينوءُ بحملٍ لا يعلمه إلا الله.
مضت الأيامُ تتسارعُ كخفقاتِ القلق، وبعد أسبوعٍ من الانتظار المر، فتحتُ هاتفي لأجد رسالةً مباغتةً من الدار.. جاءت رسالتهُ كأنفاسٍ متقطعة لشخصٍ عاد للتو من حافة الموت؛ بدأها بالسلام والاعتذار، مدعياً أنَّ جسدهُ كان أسيراً لمشرط الجراح وصمام القلب الواهن. أقسمَ بجهدهِ أنَّ أحلامنا الورقية لم تكن وهماً، بل كانت واقعاً سهرَ على تدقيقه وتصميمه حتى أتمَّ طباعته، متسائلاً بنبرةٍ فيها استعطاف: «لو كان سراباً، لِمَ أنفقتُ عليه مالي وجهدي؟».
بررَّ غيابهُ القاتل بحادثٍ غادر وسرقةٍ جردتهُ حتى من هويتهِ وهاتفه، مما قطع حبال الوصل بيننا رغماً عنه. أكدَّ بصياغةٍ يحاول فيها استجداء الود أنَّ النية لم تكن يوماً خذلاناً، وأنَّ الكتب التي ننتظرها باتت حقيقةً قابعةً في المطابع.
عرضَ علينا صلحاً يقينا شرَّ المحاكم ودهاليز القضاء؛ مخيراً إيانا بين استلام ثمار تعبنا، أو فسخِ عهودنا واسترداد أموالنا. ختمَ رسالتهُ بانتظارِ قرارٍ جذري يُنهي هذا الشتات، وبجملةٍ كانت هي الأهم في نظري، وجدتها في تذييل رسالته الموجهة لي خصيصاً: «مبلغكِ محفوظٌ يا آنسة، إن شئتِ استردادهُ فهو لكِ» ..
ضجَّت مجموعة الكُتّاب بردود الأفعال؛ فمنهم مَن اكتفى بإجابةٍ مقتضبة، ومنهم مَن أطلقَ لسياطِ غضبهِ العنان، لكنَّ صرختهم المشتركة كانت: «أعد إلينا أموالنا». ساد الهمسُ بيننا بأنَّ تراجعهُ لم يكن سوى رضوخٍ لضغوطِ التحقيق، فتسللَ التوجسُ إلى قلبي؛ ماذا لو تبخرَّ هذا الوعدُ مرةً أخرى؟
حسمتُ أمري وكتبتُ له بلهجةٍ تجمعُ بين رقةِ الكاتب وحزمِ صاحبِ الحق: «وعليكم السلام.. إن كانت علتكَ صدقاً، فأسألُ الله أن يجبر كسر فؤادك، لكنَّ روحي لم تعد تقوى على الاستمرار؛ أريد استعادة مالي. لقد تجرعتُ مرارة القلق في غيابكم، وبات لزاماً عليَّ أن أستردَّ أمانتي».
تقبلَ قراري بوقارٍ ظاهري، فسألتُه عن ميعاد الوفاء. وبذكاءٍ يحفظُ للكاتب كرامته، أضفتُ شرطاً للتعويض؛ فلم يكن طلبي لزيادة المبلغ مجرد رغبةٍ في المال، بل كان اعترافاً بالندوب المعنوية التي خلفها الانتظار، وتعويضاً عن فُرصٍ وأحلامٍ كدنا نفقدها ونحنُ نرقبُ سرابَ وعوده. طالبتُ بـ 1499 ريالاً،بدل 1199 كجبرٍ لخاطرٍ كُسر، وتقديرٍ لصبرٍ طال .. تضاربت الأنباءُ في مجموعة الكُتّاب؛ فمنهم من آثر البقاء ومواصلة الطريق مع الدار، ومنهم من قَبِلَ بالغلافِ ثمناً منقوصاً لحقّه، أما أنا فكنتُ في أوج غضبي، فقررتُ بتر كل صلةٍ تربطني بتلك التجربة وحذفتُ الغلافَ هو الآخر. وبحثاً عن هويةٍ جديدة لروايتي، تواصلتُ مع مصممٍ قيل إنه يمدُّ يد العون لنا، فطلبتُ منه أن ينسج لي غلافاً يوافقُ خيالي.
سقطتُ في بئر الحرج حين أدركتُ أنني أسأتُ الفهم؛ إذ ظننتُ صنيعهُ تطوعاً ومؤازرة، وببراءةٍ أفضيتُ له بظني، فما كان من نبلهِ إلا أن أبى تقاضي أجرٍ على تعبه، قائلاً بفيضٍ من الرقي: «اعتبريها هديةً مني». ولم يطوعني كبريائي أن أقبل العطاء دون ردٍّ، فقررتُ أن أفتح معه آفاقاً جديدة؛ أوكلتُ إليه مهمة تصميم أغلفة بقية مؤلفاتي، فدفعتُ له شطراً من حقه، واستمهلتُه في الشطر الآخر حتى أتمكن من جمعه ..
عدتُ أدراجي نحو صاحب الدار، وبنبرةٍ يسكنها الزهدُ في الخصومة، قلتُ له: «عفوتُ عن التعويض، فلييسّر الله أمرك، فقط أعد إليّ أمانتي المالية». اجتاحتني موجةٌ من مراجعة الذات؛ أكان سوء ظنٍ منّي أم انسياقاً خلف ضجيج الآخرين؟ ولعلَّ مَن يمرُّ بمثلِ عجزي يرتكبُ ما هو أقسى، كما فعل الذين أمطروه بسياط التهديد والشتائم.
بدأت خيوطُ الثقة تعودُ ببطء حين رأيتُه يفي بوعودهِ كلَّ خميس، مفرّجاً عن حقوق زملائي واحداً تلو الآخر. غير أنَّ جراح الغياب كانت قد تركت أثراً؛ فقد سُميَّ «نصاباً» في ساحات «فيسبوك»، وحُوصرت حساباته بصرخات المطالبين، مما جعلهُ يستجدي الوقف عن التشهير. تأسست مجموعةٌ لتكون شاهداً على استرداد الحقوق، حيث يغدو كل «وصلِ حوالةٍ» بشارةَ أملٍ لمن بقي.
غيّر المديرُ جِلد داره، وأطلق اسماً جديداً في فضاء المواقع الإلكترونية، عارضاً التبني لمن أراد أو الغلافَ لمن اكتفى. أما أنا، فقد كبلتني عزة نفسي؛ فبأيِّ وجهٍ أطرقُ باب تبنيهِ وقد كنتُ أول مَن أعلن الرحيل؟ وبأيِّ لسانٍ أطلبُ منه احتضان حلمي وأنا التي طلبتُ استرداد مالي؟ آثرتُ أن أقف في منطقة الصمت الموحشة، أنتظرُ استعادة أمانتي أولاً، تاركةً الأيام تقررُ مصير حلمي .. عكفتُ على صقل رواياتي من جديد، شهران من الكتابة والتدقيق لعل القادم يكون أجمل. انطلقتُ مرة أخرى في رحلة البحث عن «تبنٍ» يحمي حلمي، فكنتُ كمن يطرق أبواباً موصدة؛ فبين رفضٍ قاطع واعتذارٍ عن استقبال المزيد، ظللتُ أرقبُ الطريق. وفي تلك الأثناء، عاد مدير الدار للظهور، وأخيراً استعدتُ نقودي بعد انتظارٍ دام شهرين، لكن الفرحة لم تكتمل؛ فقد عادت ناقصة، تسلمتُ 985 ريالاً من أصل 1199.
واجهتُ شركة التحويل بذلك النقص، فبرروا لي الأمر بتذبذب أسعار الصرف، وهو عذرٌ واهٍ لم يستسغه عقلي. توجهتُ بسؤالي لصاحب الدار، فأكد لي براءتهُ مرسلاً وثيقة التحويل بـ (13855 جنيهاً)، وهي القيمة المعادلة لما تسلمه هو. حينها أدركتُ الفخ؛ فذاك المحتال في شركة التحويل قد قضم من حق أمي أكثر مما زعم؛ ادعى أن عمولته 180 ريالاً، بينما اختلس في الحقيقة 214 ريالاً.
شعرتُ بغصة في قلبي، ليس لأجل المال فحسب، بل لمرارة التعرض للنصب في عزِّ حاجتي. تركتُ أمره لخالق السماوات، ففي يوم الحشر لا تضيعُ الحقوق، وهناك سنستردُّ كل درهمٍ سُلب منا بغير حق؛ فحسبي الله ونعم الوكيل، وهو نعم المولى ونعم النصير .. وضعتُ ما استرددتُه من مالٍ في كفِّ والدتي، واعدةً إياها بأنني سأتمُّ لها ما نقص في القريب العاجل..
