عوض الله جميل
حقوق النشر والطبع محفوظة للمؤلفة عبير سعيد © 2026
جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة إنتاج أو نسخ أو نقل أي جزء من هذا الكتاب بأي وسيلة إلكترونية أو ميكانيكية، بما في ذلك التصوير أو التسجيل أو أي نظام لتخزين المعلومات واسترجاعها، دون إذن كتابي مسبق من المؤلفة.
الطبعة الأولى – 2026
عوض الله جميل
عبير سعيد
Aneen_writer
مقدمة
لا شيء في هذا الوجودِ وُجد سُدى، فخلف كل مشهدٍ حكمةٌ إلهيةٌ
بالغة. إنَّ لكل حرمانٍ في طياته عوضاً يرتسمُ في الأفق،
فكونوا على يقينٍ بأنَّ الله قادرٌ على أن يقلبَ موازين
الكونِ ويبدّلَ شتاتَ مَن حولك رأساً على عقب،
ليُهدي قلبك سعادةً تليقُ بصبرك.
ما دمتَ تحيا في كنفِ رعايته، فلا تتسللِ المخاوفُ إلى صدرك؛
فالورقةُ التي تهوي من غصنها لا تسقطُ إلا بعلمه وإذنه،
ومَن يُدبّرُ شأن حبةِ الخردلِ في ملكوته، لن يغفلَ يوماً عن تدبير شأنك ..
إهداء
إلى الأرواح التي أرهقها الظلامُ وضاق بآلامها المدى،
إلى كل مَن ظنَّ أنَّ خريفَ حياته قد أعلن النهاية؛ لا تقنطوا من رحمة الله،
فإنَّ فجرَ العوضِ قادمٌ لا محالة. لقد صدقَ اللهُ وعده حين قال،
وقوله الحقُّ الذي تطمئنُّ له القلوب: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾
أنا عبير، بدأت فصول حكايتي منذ كنتُ في السادسة من عمري. ولأنني أحملُ قلباً مفرطاً في عاطفته، كنتُ أسترقُ النظر إلى مسلسلات الحب التي يشاهدها والدي، فتسكنني دهشة المشاعر البكر. في تلك السن الصغيرة، كنتُ أتوقُ لعيش قصةٍ تماثلها، أتقمصُ دور البطلة في مخيلتي، وأذرفُ دمعاً حقيقياً مع كل صراعٍ يمر به الأحبة.
أتذكرُ كيف قيدني مسلسل «سجين الحب» بجماله، حتى باتت أمانيَّ صغيرة وبريئة؛ فكنتُ أرفعُ يدي في الصلاة، وأدعو الله بقلب طفلة أن تعيد القناة عرض ذاك المسلسل من جديد، غافلةً عن أن محراب الصلاة له دعواته التي تليق بجلاله. كنتُ مجرد طفلةٍ تبحثُ عن مرافئ للحب، وتتوقُ لقلبٍ يحتوي أحلامها الكبيرة ..
وحين أتممت عامي العشرين أتذكرُ مشهداً للوداع؛ حين كان البطلُ يهمُّ بالرحيل تاركاً بطلته، وفي لحظةِ اندماجٍ مفرطة، رفعتُ يدي لألوّح له مودعةً خلف الشاشة. لم أستفق من غيبوبة خيالي إلا على صدى ضحكات والدتي وشقيقاتي التي ملأت الأرجاء، فخفضتُ يدي بسرعةٍ وقد صبغ الإحراجُ وجنتيّ. ، وحاولتُ عبثاً إقناعهنَّ أن الأمر لم يتعدَّ كونه اندفاعاً عاطفياً لا شعورياً، لكنهنَّ فسَّرنَ الأمر بإعجابٍ بالبطل؛ فآثرتُ الصمت أمام فيضِ سخريتهنَّ المربكة.
كبرتُ وكبرت معي أحلامي بفارسٍ يشاركني بناء مملكةٍ من الحب، تماماً كأي فتاةٍ يغازلُ الخيالُ عينيها. لكنَّ القدر كان يخبئ لي فصلاً آخر؛ إذ بدأت رحلةُ المعاناة حين نالَ المرضُ من جسدي، وأصابني خمولُ الغدة الدرقية وتكيسُ المبايض .. تحت وطأة المرض، بدأ جسدي يتغير رغماً عني؛ فحلَّت السمنةُ ضيفةً ثقيلة، ورافقها اضطرابٌ في النوم وخمولٌ ينهشُ طاقتي. كانت شهيتي تتأرجحُ بين فقدانٍ تام ونهمٍ لا يُقاوم، وكل ذلك يجري في عروقي بتمرد الهرمونات وعواصفها، دون أن أفهم ما الذي يحدث لي. كنتُ أقاومُ رغبتي في الأكل قدر استطاعتي، متشبثةً بملامحي الجذابة التي وهبني الله إياها رغم سمار بشرتي.
لكنني اصطدمتُ بعقولٍ ضيقة ترى الجمال لوناً واحداً، فكان السمارُ في عرفهم نقيصة، وزاد كربي حين اجتمعت السمنةُ المرضية مع سمار اللون. كان الجميعُ يجلدونني باتهاماتهم؛ يظنون أن سمنتي ثمرةُ كسلٍ ونهم، بينما كنتُ أجهلُ أنا نفسي سرَّ هذا التضخم. كنتُ ألوذُ بالخلوة لأغسل حزني بالدموع، بعيداً عن أعينهم الساخرة، متظاهرةً بجمودٍ كاذب ظنوهُ بروداً، فتمادوا في قسوتهم وأمطروني بألقابٍ جارحة، غلفوها برداء المزاح وهي في الحقيقة نصالٌ تمزقُ روحي. وإن كانوا قد كرهوا ملامح سمنتي، فليعلموا أنني كنتُ أول كارهيها، لكنني كنتُ عاجزةً أمامها .. كانت محاولاتي لإنقاص وزني تذوبُ كالملحِ في الماء، فكلما سعيتُ لخطوةٍ للأمام ردني العجزُ خطوات، حتى غزت مرارةُ الخيبة قلبي المثقل أصلاً بالأحزان. ..
طرقتُ أبواب الوهم فابتعتُ أعشاباً وشايًا تروج لها الإعلانات، غير أنَّ روحي التي احترقت بصمتِ الصبر وعصبيةِ الكتمان، أهدتني داءً جديداً هو «القولون»؛ فغدت رشفةُ القهوة سكيناً تمزقُ أحشائي وتقلصاتٍ تنهشُ جسدي، حتى حُرمتُ منها بأمر والدي.
وحين كنتُ أحاولُ ترويض جسدي بالرياضة، كانت عضلاتي المتعبة بنقص الحديد تشتدُّ وتقاومني، وكأن جسدي يعاقبني هو الآخر. لم يبصر أحدٌ تلك المعركة الضارية التي أخوضها داخل أسواري، بل رأوا ظاهري فقط؛ جسداً ساكناً، وصحناً ممتلئاً، وبروداً فسّروه أنانيةً مفرطة! لقد كان قلبي ينوءُ بحملٍ تنوءُ منه الجبال، فبأي ذنبٍ تُجلدُ روحي بسياط كلماتكم الجارحة، وألقابكم التي تقعُ عليَّ كالصخور؟ ذبلت ملامحي وانطفأ بريقي، فظنوا أنني أهملتُ نفسي، بينما كنتُ أغرقُ في الوجع. كانوا يصرخون في وجهي: «ستصبحين كالبرميل الذي لا يتحرك، أنتِ تقتلين نفسكِ»، فما كان مني إلا أن أسلمتُ أمري كله لله، فهو وحده العليمُ بما أخفيه .. ولدتُ في هويةٍ أخرى، لكن روحي نبتت في ثرى السعودية حتى غدت لي وطناً وحباً. لم يكن تعلّقي بهذا الشعب عابراً، بل كان هياماً لا أدرك كنهه، حتى نسجتُ في خيالي الطفولي حُلماً بأن يكون فارس أحلامي سعودياً، يرتدي الأناقة والوقار رداءً له.
بحسن نيةٍ طفولية، أفضيتُ بسري لشقيقتي الكبرى، ولم أدرك أن براءتي ستغدو مادةً لسخرية شقيقي الذي باغتني ضاحكاً: «لا تزالين في العاشرة، وتفكّرين في الفرسان؟ التفتي لدروسكِ فحسب». صمتُّ بمرارة، واكتفيتُ بنظرة عتابٍ لشقيقتي التي كشفت ستري، وظل الحلمُ ينمو في صمت.
حين كبرتُ، كان المرضُ قد بدأ يعثرُ خطوات قدري. طرقَ الخطاب بابنا، لكنهم جاؤوا محملين بشروطٍ لا تنصف الروح؛ يطلبون البياض، والطول، والنحافة، وكأن المرأة قوالبُ صماء! ورغم أنني كنتُ قصيرة القامة، إلا أنني كنتُ أقدسُ جمالي الخاص وأعتز بنفسي. كانت «الرؤية الشرعية» تمر بجانبي لتستقر عند شقيقتي الأصغر، وفي كل مرة، كان يُغرسُ في قلبي نصلٌ من وجع، بينما كنتُ أرسمُ على وجهي قناعَ اللامبالاة.
كانت السخريةُ تكتمل حين أرى الشباب العُزّاب يطلبون ودَّ شقيقتي، بينما يُدفعُ إليَّ بمن أكل الدهرُ عليهم وشرب؛ فإما باحثٌ عن زوجةٍ ثانية، أو أرملٌ مثقلٌ بالهموم، أو رجلٌ يعاني من وطأة الزهايمر والعلل. شعرتُ حينها أن كرامتي تُخدش، وأن قدري في أعينهم قد رخص، فكان رفضي صرخةً مدوية في وجه ذاك الظلم .. أنا عازبة، ومن حقي أن أبحث عن قلبٍ بكر لم تسكنه امرأة قبلي؛ فلي الحقُ في الحلم، وفي الاختيار، وفي أن أقول «لا» بكل ما أوتيتُ من كبرياء. لكنَّ صدق مطلبي قوبل بسياط السخرية من الأهل والأقارب: «علامَ تتشرطين وأنتِ في هذا الحال؟ غداً يذبل ربيعكِ وتتعفنين في زوايا هذا البيت، ولن يطرق بابكِ حينها حتى شيخٌ ثمانينيّ».
غصتُ في دموعي بينهم، وقد استباحوا مشاعري وكأنني مجرد رهانٍ على الزواج، لا يهمهم مَن يكون الشريك؛ حتى لو كان شيخاً يصارع الموت، المهم ألا يُقال عني «عازبة». وحين زُفت شقيقتي الصغرى، انغرست في قلبي نِصال الخيبة، وانفجرت في روحي براكينُ صمتٍ لا تهدأ؛ حتى غدوتُ بكماء لا أتقنُ سوى لغة النوم.
كنتُ أهربُ من واقعي إلى فراشي، أغرق في سباتٍ طويل ولم يسألني أحد عن سرِّ هذا الغياب. لم يبصروا انهيار نفسي وذبول صحتي، بل كان بصرهم حاداً في أمرٍ واحد: اتهامي بالبرود تجاه فرح شقيقتي! وضع القدرُ فوق صدري جبلًا من الضيق سلبني القدرة على التنفس، فآثرتُ النوم الطويل، وكأنني أحاول تعويض قرونٍ من السهر والوجع ..
توالت أعراسُ الجميع من حولي؛ أقاربُ، ومعارفُ، حتى ابنة شقيقتي الكبرى زُفت لبيت زوجها. لم يكن الحسد يوماً ليعرف طريقه إلى قلبي الصافي الذي يتسع بالخير للكل، لكن أوجعني تساؤلهم المرير: هل ذنبي أن الجسد وهنَ بمرضٍ أجهل كنهه؟ وهل أُلامُ على قدرٍ ليس لي فيه حيلة؟! في كل مرة أرفضُ فيها خاطباً لا يملأ عيني، كانت تمطرني والدتي وخالتي بوابلٍ من الكلمات السامة: «من يرتضي بكِ والسنون تسرقُ ربيعكِ؟ غداً يرحلُ الخطابُ تندبين حظكِ ندماً. انظري حولكِ، الصغيراتُ تزوجنَ وأنجبنَ، وأنتِ لا تزالين أسيرة أوهام الكتب! أخجلي من نفسكِ، هل تنتظرين ابن الوزير؟ الواقعُ يا ابنتي مرٌّ، لا يشبه الروايات التي تسكن رأسكِ».
غامت الرؤيةُ أمام عيني، واختلطت أحرف الكتاب الذي أقرؤه بدموعي، فخرجت صرختي المكتومة بصوتٍ متهدجٍ لكنه يفيض بالثبات: «خديجةُ رضي الله عنها كانت في الأربعين حين اقترن اسمها بأعظم البشر، سيدنا محمد ﷺ، فوهبها الله ما لم توهبه الشابات. أنا اليوم في فجر السابعة والعشرين، ولدي يقينٌ وإيمانٌ بأن الله يخبئ لي من هو أجمل وأطهر مما تقارنوني بهم. سأنتظر تدبيره، وسترون بأعينكم.. فما خاب أبداً مَن استغاثَ بالله» .. جاءني ردُّ والدتي كالنصل: «ذاك زمنٌ مضى يا ابنتي، فلم يعد في هذا الوقت من يرتضي بامرأةٍ تقدم بها العمر وأثقلها السمن». أطبقتُ كتابي على وجع قلبي وهرعتُ إلى محرابي؛ توضأتُ بماء اليقين ولجأتُ إلى سجادتي، أطلتُ السجود حتى امتزج أنيني بدموعي، ولم يعلُ في الغرفة صوتٌ سوى نشيجي المكتوم. اتخذتُ من جوف الليل موعداً، فكنتُ أقومُ في الثالثة فجراً، أبثُّ شكواي لخالقي: «يا رب، لقد نضب صبري وتداعت قواي، وأنت العليمُ بحالي، يا من سبقت رحمتك قدرتك.. استجب لي».
كانوا يقتادونني إلى مناسباتهم لعلَّ عيناً تلتفتُ إليّ، وما علموا أن مقاييسهم المادية التي تنحصر في بياضِ البشرة ونحول القوام قد غلقت الأبواب في وجهي. كنتُ أسايرهم فراراً من ضجيج الجدال، لا بحثاً عن نصيب؛ لكنَّ وهج الأنوار وصداح الزفات كان يهتكُ ستر الجمود الذي تغلف به قلبي. غلبتني دموعي، وحين فاجأتني نظرةُ والدتي، حاولتُ مواراة انكساري بسؤالٍ عن شقيقي: «متى نراه عريساً؟ لقد اشتقتُ لبهجة العرس». لم يصدقني أحد، ولم تصدقني نفسي؛ فانسللتُ من بينهم إلى العتمة، وهناك أجهشتُ بالبكاء كما لم أبكِ قط، وشعرتُ بأن قدماي لا تقويان على العودة لمواجهة تلك الأنوار الزائفة مرة أخرى ..
ننتمي لعائلةٍ يكتفي كدحُ أبنائها بتأمين قوت يومنا، لذا بقيت إبداعاتي حبيسة الأدراج؛ في عالم النشر، تخفتُ أصوات الموهوبين أمام صليل العملات. المادة تمنحُ الورق الفارغ قيمة، بينما تُدفنُ المواهب الحقيقية في مقابر الفقر بصمت. راودتني فكرة الاستدانة لأبصرَ حلمي النور، واعدةً نفسي بأن تتكفل مبيعات كتابي الأول بنشر ما يليه من مؤلفات. كنتُ أحلمُ بكتابٍ فريد، بورقٍ أسودٍ وصورٍ تلامسُ الوجدان، لكنَّ دور النشر صدمتني بأسعارها التي تفوق قدرتي، وظلَّ قلبي متشبثاً بحلمه، رافضاً التنازل عن تلك التفاصيل الفنية التي تسكن خيالي.
تذكرتُ زميلةً يمنيةً كانت قد أغدقت عليّ يوماً بوعود المساندة: «متى احتجتِ إليَّ، فناديني وسأكونُ حاضرة». طرقتُ بابها بالرسائل والنداءات، لكن صمتها كان مطبقاً. وبعد يأسٍ، واجهتُها برسالة عتاب: «لم يكن عليكِ بيع الأوهام لي، فكسرُ الأمل بعد منحهِ أشدُّ إيلاماً من المنع».
حضرت بعد أسبوع
تذرعت بالسفر وادعت إخباري به، ورغم غيظي من زيفِ عذرها، إلا أن حاجتي لحلمي دفعتني للرد. وحين عرضت التحويل المالي، طلبتُ رقم هاتفها، إذ كنت أجهلُ حينها أن الحساب البنكي يغني عن كل وسيلة تواصل. عادت لتختفي في سراب صمتها من جديد، فأدركتُ بحرقة أن مَن يريدُ الوصل لا تمنعه الطرقات، ومَن يريد العون لا يخلقُ الحواجز. حظرتُها من هاتفي، لكن ألم الخيبة ظلَّ يسكنني؛ فقد كانت مجرد دراما زائفة، بينما كان حلمي ينزفُ وحيداً
رغم الألم، ظلَّ نبضُ الأمل بالله يقودُ خطاي نحو المخرج المنتظر. وفي غمرة البحث، عثرتُ على «دار الرفقاء» المصرية؛ حيث استقبلوني بفيضٍ من الرقيّ والأدب لم أعهده في غيرهم. وعدوني بقرار القبول في يومين، وبأن يرى كتابي النور خلال شهرين فقط، وبتكلفةٍ لم تتجاوز 1199 ريالاً. في تلك اللحظة الخالدة، رفعتُ وجهي نحو السماء، والدموع تغسلُ مرارة الانتظار، وهتف قلبي بيقينٍ زلزل كياني: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.
ركضتُ نحو والدتي، وبكلماتٍ ممزوجة بالرجاء، طلبتُ منها معونةً ماليةً على أن أعيدها لها من ثمار نجاحي، فكانت يدها ممدودةً بالعطاء. قبلتُ رأسها بدعواتٍ صادقة، وحوّلتُ المبلغ إلى مصر عبر شقيقتي. وبدأتُ أعدُّ الثواني ليخرج أثري للنور، بينما كانت الدار تخطو خطواتها الأولى في عالم النشر. كنتُ كمن يحملُ شعلةً، أخبرُ الجميع عن هذا الملاذ الذي يفتح أبوابه للموهوبين بأسعارٍ ترفق بحالهم المادي.
ومع ذلك، واجهتنا عقبات البدايات؛ فمر شهران والدار لم تدرك بعد رؤيتي الفنية لغلافي. كان المدير شاباً طموحاً يحملُ على عاتقه أحلام أكثر من خمسين مبدعاً. وبعد ثلاثة أشهر من الانتظار، توجَّ المديرُ صبرنا بأن صمم الغلاف بنفسه بعد أن غاص في أعماق روايتي. كان الغلاف لوحةً فنيةً تخطفُ الأنفاس، دقيقةً لدرجةٍ جعلت زملائي الكتاب يتساءلون بشغف: «لِمَ حظي غلافُها بلمستك الخاصة؟». فما كان منه إلا أن جعل من ريشتهِ جسراً لكل أحلامهم، لتخرج أغلفةُ كتبهم وكأن كل واحدٍ منها يتباهى قائلاً: أنا الجمالُ كله .. "حملتُ نصيحتي للمدير بشغف الحريص؛ اقترحتُ عليه ألا يزجَّ بجميع المؤلفات في آنٍ واحد لئلا تضيع ملامح الإبداع في زحام الرفوف، بل أن يمنح كل أثرٍ حقه من الرعاية والدعم، وأن يتريث في إبرام عقود جديدة حتى يوفي القديم حقه. غير أنه، وبحماس الشباب، لم يلقِ بالاً لقولي، وواصل استقبال المزيد من الأحلام الورقية.
بدأت أروقة الانتظار تضيقُ بي، وأسئلتي عن موعد الميلاد الحقيقي لكتابي تزداد، لكني كنتُ أطمئنُ قلقي باليقين: «إنَّ ربَّ الخير لا يقدّرُ إلا الخير». انقضت أربعة أشهر، وجاء الوعد بأن أكتوبر سيشهد ولادة كتابي. كنتُ أجهلُ حينها خبايا الصنعة، وظننتُ أن تدقيق الحروف مهمةُ الدار وحدها، فدفعتُ بنصي البكر كما هو.
اصطدمتُ بمنسقةٍ حاولت عبثاً أن تعيد صياغة روحي؛ بدّلت في سردي وحرّفت في أسلوبي، وحين اعترضتُ دفاعاً عن خصوصية حرفي، لاذت بصمتٍ طويل. تسلمتُ الملف أخيراً من المدير، ففُجعتُ بما رأيت؛ أخطاءٌ تملأ السطور ونقصٌ يشوه الأحداث. انكببتُ على إصلاحهِ بصبرٍ يغالبُ الوقت، بينما كانت المطابعُ تدورُ لتعلن عن كتبِ زملائي، فكتمتُ غيظي بقلبٍ مؤمن يردد: «في كل تأخيرةٍ خيرة، ولعل القدر يخبئ لي ما هو أجمل» .. ودّعتُ أكتوبر ولم تودعني المطابعُ بخبرٍ يسرّ الخاطر. زاد من ألمي نقدُ إحدى القارئات التي واجهتني بعثرات الحروف في مسودتي، معلنةً أنها لن تمنحني مراجعةً أدبيةً قبل أن أهذبَ لغتي. في حيرةٍ من أمري، سألتُ صاحب الدار: «هل عانقت أحرفي المطبعة؟»، فأجاب بالإيجاب، وحين استفسرتُ عن سرِّ هذا البطء، ألقى عليَّ أعذاراً عن جمارك المغرب وتحديات الشحن، في تبريرٍ لم يسكن غليلي ولم يشفِ تساؤلاتي؛ فما علاقة شحن الكتب بطباعة نصي الذي لم يخرج بعد؟
تمنيتُ لو أنني استعدتُ نصي في تلك اللحظة؛ لأودعه يد مدققٍ يحفظُ للغةِ حرمتها، لا مجرد عابرٍ يستنزفُ مالي ويشوهُ بنيان سردي. لكنَّ المدير أكد لي فوات الأوان، وأنَّ كتابي بات في قبضة الآلات. اجتاحتني الهواجس: كيف سأواجه جمهوري الأول بهذا القصور؟ سيُقال عني ما يُقال، وسيضيع جمالُ الحكاية في زحام الخطأ الإملائي.
انقضى أكتوبر وجاء الوعد بأن «يناير» هو شهر الميلاد المنتظر في معرض القاهرة. رفعتُ كفيّ للسماء أستجدي صبراً يشدُّ أزري حتى أرى ثمار كفاحي يانعة. ولكن، تلا ذلك صمتٌ طويل منه؛ غاب الرجل وغابت ردوده، فبات القلقُ ينهشُ أطراف قلبي. ومع كل رسالةٍ لا تجدُ مجيباً، كنتُ أخلقُ له مئة عذر، وأمني نفسي بأنه غارقٌ في تفاصيل الطباعة والتجهيز، لعل القادم يحملُ معه "المجد للمرأة" كما تمنيت .. باغتتني رسالةٌ من كاتبةٍ زميلةٍ تشاركني الانتماء للدار ذاتها، تحثني فيها على اتخاذ إجراءٍ قانوني في مصر، وترسمُ لي خطوات الشكوى. سألتها بحذرٍ عما ينويه بقية الرفاق، فعرضت الحديث معهم، فمهدتُ لها الطريق بضمّها لمجموعتنا لنستبين الأمر.
ورغم ضجيج الشكوك حولنا، كان قلبي لا يزال يتشبثُ ببقايا ثقةٍ بأن الرجل لم يهرب، غير أن رياح الخوف عصفت بسكينتي؛ فكيف السبيل لردِّ مال والدتي؟ وكيف سأغفر لنفسي ضياع ثلاث سنوات من عمري سكبتُ فيها روحي بين ثنايا تلك الرواية؟ هل تُسرقُ أحلامي وتصبحُ هباءً منثوراً؟ غرقتُ في معاناةٍ مريرة، وآثرتُ الكتمان عن أهلي؛ فما في روحي من ندوبٍ كان يغنيني عن سياط لومهم التي لن أقوى على احتمالها.
صرتُ أرفعُ للسماء نداءً واحداً: أن يعود حقي لأرده لأمي. لقد مرت ستة أشهر ثقيلة، وأنا التي وعدتها بأن الفرح سيُطبعُ خلال شهرين. كنتُ أتهربُ من تساؤلاتها المتكررة بأعذارٍ واهية عن "ضغط العمل"، بينما قلبي يرتجف. انتقل صراعنا من أروقة «إنستغرام» إلى فضاء «واتساب»، حيث اجتمع شتات الكُتّاب المكلومين. بدأت الأصوات تعلو؛ بين من يستعينُ بمحققٍ ومن يلوذُ بمحامٍ، وبدأنا بجمع فتات الأدلة وصور الحوالات. كنا ثلةً من المغرب، ولم أكن فيها غريبةً سوى أنا وزميلةٌ أخرى من أرض السعودية .. "بدأ الشتاتُ يجتمع، وتكشفت لنا حقائقُ مريرة؛ فالرجلُ الذي ائتمنّاه لم يكن سوى كاتبٍ يلوكُ الوهم، والدارُ التي زعم ملكيتها لم تكن سوى مرافئ نشر فيها أعماله السابقة. وحين تقصينا الخبر من الدار الأم، جاء الردُّ كالصاعقة: «ليس له صلةٌ بنا سوى الورق». وزاد من وطأة القلق أنَّ اسمه لم يدرج في سجلات معرض القاهرة الدولي، فباتت أحلامنا في مهبِّ الريح.
وسط هذا الضجيج، برز صوتٌ كدرتهُ العنصرية، يطالبُ بإقصائنا من التكتل؛ متذرعاً بأننا «أهل السعودية» نملكُ من المال ما يغنينا عن المطالبة، أو ربما نحنُ حلفاءٌ للمحتال! لم أحتمل زيف قوله، فرددتُ عليه بشموخ: «لو كان الأمرُ بيدي لغادرتَ أنت هذا المقام. ما جمعنا هنا هو وجعُ الحقوق المسلوبة، فإن ضاق صدرك بوجودنا فالأرضُ واسعة.. تقبلنا كشركاء في المصير أو انسحب بصمت». فخرسَ صوته أمام قوة منطقي.
انشغل الجميع بتدبير البلاغات للسلطات المصرية، حتى لاح في الأفق خبرٌ جديد؛ إذ زعم أحدُ الرفاق أن صديقاً للمدير تواصل معه، مؤكداً أنَّ الغياب كان قسرياً في ردهات المستشفى إثر علةٍ في صمام القلب، وأنه سيعود بعد أسبوعٍ ليوضح الحقائق ويضع الحلول
وجدتُ نفسي تائهةً في فضاءٍ من الريبة، لا أهتدي لصدقِ أحدهم من كذبه، فآثرتُ الصمتَ والمراقبة؛ إذ لم يكن لي من غايةٍ سوى ردِّ الأمانة المالية لوالدتي. في لحظةِ بؤسٍ مشتركة، قلتُ لرفاقِ الحرف: «لقد انزوت الثقةُ في ركنٍ بعيدٍ لتبكي حالنا؛ فبدلاً من أن نخطَّ اليوم فصول رواياتنا، أو نقفُ بشموخٍ في حفلات التوقيع لنعانق قرّاءنا، ها نحنُ نقتاتُ على السخرية ونكتبُ النكات لنضحك على خيباتنا».
ضجَّ المكان بضحكاتهم، وشعرتُ وكأنني «جوكر» يرقصُ فوق جراحه، فابتسمتُ لابتسامتهم؛ فقد كان الحزنُ يغلفُ أرواحهم جميعاً، ولأنني أعلمُ أنَّ خلف كل شاشةٍ قلباً ينوءُ بحملٍ لا يعلمه إلا الله.
مضت الأيامُ تتسارعُ كخفقاتِ القلق، وبعد أسبوعٍ من الانتظار المر، فتحتُ هاتفي لأجد رسالةً مباغتةً من الدار.. جاءت رسالتهُ كأنفاسٍ متقطعة لشخصٍ عاد للتو من حافة الموت؛ بدأها بالسلام والاعتذار، مدعياً أنَّ جسدهُ كان أسيراً لمشرط الجراح وصمام القلب الواهن. أقسمَ بجهدهِ أنَّ أحلامنا الورقية لم تكن وهماً، بل كانت واقعاً سهرَ على تدقيقه وتصميمه حتى أتمَّ طباعته، متسائلاً بنبرةٍ فيها استعطاف: «لو كان سراباً، لِمَ أنفقتُ عليه مالي وجهدي؟».
بررَّ غيابهُ القاتل بحادثٍ غادر وسرقةٍ جردتهُ حتى من هويتهِ وهاتفه، مما قطع حبال الوصل بيننا رغماً عنه. أكدَّ بصياغةٍ يحاول فيها استجداء الود أنَّ النية لم تكن يوماً خذلاناً، وأنَّ الكتب التي ننتظرها باتت حقيقةً قابعةً في المطابع.
عرضَ علينا صلحاً يقينا شرَّ المحاكم ودهاليز القضاء؛ مخيراً إيانا بين استلام ثمار تعبنا، أو فسخِ عهودنا واسترداد أموالنا. ختمَ رسالتهُ بانتظارِ قرارٍ جذري يُنهي هذا الشتات، وبجملةٍ كانت هي الأهم في نظري، وجدتها في تذييل رسالته الموجهة لي خصيصاً: «مبلغكِ محفوظٌ يا آنسة، إن شئتِ استردادهُ فهو لكِ» .. ضجَّت مجموعة الكُتّاب بردود الأفعال؛ فمنهم مَن اكتفى بإجابةٍ مقتضبة، ومنهم مَن أطلقَ لسياطِ غضبهِ العنان، لكنَّ صرختهم المشتركة كانت: «أعد إلينا أموالنا». ساد الهمسُ بيننا بأنَّ تراجعهُ لم يكن سوى رضوخٍ لضغوطِ التحقيق، فتسللَ التوجسُ إلى قلبي؛ ماذا لو تبخرَّ هذا الوعدُ مرةً أخرى؟
حسمتُ أمري وكتبتُ له بلهجةٍ تجمعُ بين رقةِ الكاتب وحزمِ صاحبِ الحق: «وعليكم السلام.. إن كانت علتكَ صدقاً، فأسألُ الله أن يجبر كسر فؤادك، لكنَّ روحي لم تعد تقوى على الاستمرار؛ أريد استعادة مالي. لقد تجرعتُ مرارة القلق في غيابكم، وبات لزاماً عليَّ أن أستردَّ أمانتي».
تقبلَ قراري بوقارٍ ظاهري، فسألتُه عن ميعاد الوفاء. وبذكاءٍ يحفظُ للكاتب كرامته، أضفتُ شرطاً للتعويض؛ فلم يكن طلبي لزيادة المبلغ مجرد رغبةٍ في المال، بل كان اعترافاً بالندوب المعنوية التي خلفها الانتظار، وتعويضاً عن فُرصٍ وأحلامٍ كدنا نفقدها ونحنُ نرقبُ سرابَ وعوده. طالبتُ بـ 1499 ريالاً،بدل 1199 كجبرٍ لخاطرٍ كُسر، وتقديرٍ لصبرٍ طال .. تضاربت الأنباءُ في مجموعة الكُتّاب؛ فمنهم من آثر البقاء ومواصلة الطريق مع الدار، ومنهم من قَبِلَ بالغلافِ ثمناً منقوصاً لحقّه، أما أنا فكنتُ في أوج غضبي، فقررتُ بتر كل صلةٍ تربطني بتلك التجربة وحذفتُ الغلافَ هو الآخر. وبحثاً عن هويةٍ جديدة لروايتي، تواصلتُ مع مصممٍ قيل إنه يمدُّ يد العون لنا، فطلبتُ منه أن ينسج لي غلافاً يوافقُ خيالي.
سقطتُ في بئر الحرج حين أدركتُ أنني أسأتُ الفهم؛ إذ ظننتُ صنيعهُ تطوعاً ومؤازرة، وببراءةٍ أفضيتُ له بظني، فما كان من نبلهِ إلا أن أبى تقاضي أجرٍ على تعبه، قائلاً بفيضٍ من الرقي: «اعتبريها هديةً مني». ولم يطوعني كبريائي أن أقبل العطاء دون ردٍّ، فقررتُ أن أفتح معه آفاقاً جديدة؛ أوكلتُ إليه مهمة تصميم أغلفة بقية مؤلفاتي، فدفعتُ له شطراً من حقه، واستمهلتُه في الشطر الآخر حتى أتمكن من جمعه ..
عدتُ أدراجي نحو صاحب الدار، وبنبرةٍ يسكنها الزهدُ في الخصومة، قلتُ له: «عفوتُ عن التعويض، فلييسّر الله أمرك، فقط أعد إليّ أمانتي المالية». اجتاحتني موجةٌ من مراجعة الذات؛ أكان سوء ظنٍ منّي أم انسياقاً خلف ضجيج الآخرين؟ ولعلَّ مَن يمرُّ بمثلِ عجزي يرتكبُ ما هو أقسى، كما فعل الذين أمطروه بسياط التهديد والشتائم.
بدأت خيوطُ الثقة تعودُ ببطء حين رأيتُه يفي بوعودهِ كلَّ خميس، مفرّجاً عن حقوق زملائي واحداً تلو الآخر. غير أنَّ جراح الغياب كانت قد تركت أثراً؛ فقد سُميَّ «نصاباً» في ساحات «فيسبوك»، وحُوصرت حساباته بصرخات المطالبين، مما جعلهُ يستجدي الوقف عن التشهير. تأسست مجموعةٌ لتكون شاهداً على استرداد الحقوق، حيث يغدو كل «وصلِ حوالةٍ» بشارةَ أملٍ لمن بقي.
غيّر المديرُ جِلد داره، وأطلق اسماً جديداً في فضاء المواقع الإلكترونية، عارضاً التبني لمن أراد أو الغلافَ لمن اكتفى. أما أنا، فقد كبلتني عزة نفسي؛ فبأيِّ وجهٍ أطرقُ باب تبنيهِ وقد كنتُ أول مَن أعلن الرحيل؟ وبأيِّ لسانٍ أطلبُ منه احتضان حلمي وأنا التي طلبتُ استرداد مالي؟ آثرتُ أن أقف في منطقة الصمت الموحشة، أنتظرُ استعادة أمانتي أولاً، تاركةً الأيام تقررُ مصير حلمي .. عكفتُ على صقل رواياتي من جديد، شهران من الكتابة والتدقيق لعل القادم يكون أجمل. انطلقتُ مرة أخرى في رحلة البحث عن «تبنٍ» يحمي حلمي، فكنتُ كمن يطرق أبواباً موصدة؛ فبين رفضٍ قاطع واعتذارٍ عن استقبال المزيد، ظللتُ أرقبُ الطريق. وفي تلك الأثناء، عاد مدير الدار للظهور، وأخيراً استعدتُ نقودي بعد انتظارٍ دام شهرين، لكن الفرحة لم تكتمل؛ فقد عادت ناقصة، تسلمتُ 985 ريالاً من أصل 1199.
واجهتُ شركة التحويل بذلك النقص، فبرروا لي الأمر بتذبذب أسعار الصرف، وهو عذرٌ واهٍ لم يستسغه عقلي. توجهتُ بسؤالي لصاحب الدار، فأكد لي براءتهُ مرسلاً وثيقة التحويل بـ (13855 جنيهاً)، وهي القيمة المعادلة لما تسلمه هو. حينها أدركتُ الفخ؛ فذاك المحتال في شركة التحويل قد قضم من حق أمي أكثر مما زعم؛ ادعى أن عمولته 180 ريالاً، بينما اختلس في الحقيقة 214 ريالاً.
شعرتُ بغصة في قلبي، ليس لأجل المال فحسب، بل لمرارة التعرض للنصب في عزِّ حاجتي. تركتُ أمره لخالق السماوات، ففي يوم الحشر لا تضيعُ الحقوق، وهناك سنستردُّ كل درهمٍ سُلب منا بغير حق؛ فحسبي الله ونعم الوكيل، وهو نعم المولى ونعم النصير .. وضعتُ ما استرددتُه من مالٍ في كفِّ والدتي، واعدةً إياها بأنني سأتمُّ لها ما نقص في القريب العاجل..
لم أكن أملكُ حينها درهماً واحداً، لكنَّ يقيني بخالقي كان سندي؛ فهو الذي لا يتركُ عبدهُ للسقوط أبداً. همستُ في سري وأنا أغادرها: «إليك يا ربُّ وكلتُ أمري، فكن لي معيناً». وحين سألتني بقلبِ الأم المشفق عن مصير كتابي، طمأنتها بأنَّ التأخير كان سبباً لاسترداد المال، وأنَّ طموحي الآن هو النشرُ «تبنياً»؛ فمنعُ الله عطاء، وفي طيات الكرهِ قد يكمنُ الخيرُ كله، كما أخبرنا في محكم تنزيله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
لعلَّ هذا الباب الذي وُصد في وجهي كان الحائل بيني وبين أبوابٍ أكثر رحابةً أرادها الله لي، والحمد لله الذي وهبني القدرة على بعث روايتي من جديد بصياغةٍ أكثر نضجاً. لم أكن أدرك حينها، هل كنتُ أبثُّ الطمأنينة في صدرها، أم كنتُ ألملمُ شتات قلبي وأقنعه بالصبر؟ غادرتُ غرفتها، واليقينُ يملأ روحي بأنَّ القادم أجمل .. طرقتُ باب «دار الرفقاء» مجدداً أستقصي خبر التبني، فجاء الرد بأنَّ أبواب الفرص قد وُصدت لهذا العام. ورغم طهارتي من الخطأ في حقهم، إلا أنَّ نبل روحي دفعني للاعتذار، متمسكةً بحقي الأخير: «لقد وعدتَنا بالأغلفة يوماً، وأنا الآن أستردُّ هوية كتابي». نلتُ غلافي، وسقتني الأقدارُ نحو دارٍ احتضنت حلمي، ليعلنَ العالمُ بعد شهرٍ واحدٍ ولادة عملي الذي استحال نجاحاً مدوياً، وأصبح اسمي يترددُ في المحافل ككاتبةٍ تعرفُ كيف تصوغ الوجدان.. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.
توالت الإصداراتُ، وباتت كتبي مرايا لأحلامي الموءودة وشجوني المكتومة. كنتُ أمني النفس أن يخرج «فارسُ حروفي» من بين السطور، فخفق قلبي ذات مرة لشخصٍ عبر الفضاء الأزرق، لكنه خذلني؛ إذ لم يكن حبه لي، بل كان انبهاراً بهالةِ النجاح التي أحاطت بي. وحين انقشع ضباب الزيف، آثرتُ الرحيل وقررتُ إغلاق باب قلبي، مدعيةً الزهد في الزواج.
غير أنَّ خلف قناع القوة كاتبةً تنشدُ الاحتواء، وامرأةً تبحثُ عن روحٍ تخرجها من عتمة وحدتها، وتمسك بيدها في ميثاقٍ غليظٍ لا يعرف التسلية. انهمرت دموعي في جوف الليل على حال قلبي الذي لا يتقن العبث، وقررتُ منذ تلك اللحظة أن أعتزل الأعراس؛ فصداح زفاتها يهتكُ ستر وجعي، ويذكرني بأنني لا أزالُ أنتظرُ يداً تليقُ بطهرِ قلبي ..
في عرسِ شقيقي، كنتُ أوزعُ الابتساماتِ وأباشرُ المهام، بينما في أعماقي بركانٌ يغلي، يكادُ لهيبه يلتهمُ كل مَن زرعوا الشوك في طريقي وأوقدوا في قلبي نيران الأسى. كنتُ أجالدُ نفسي بصبرٍ واهٍ، وحين صدحت موسيقى الزفاف، فررتُ من وهج الأنوار أتحسسُ صدري المثقل، كأنما أبحثُ عن هواءٍ ضلَّ طريقه إليّ.
انتظرُت انقضاء الجلبة لأقتربَ منه، وحين حان دوري في مباركته، انحلَّ قيدُ صبري؛ عانقتُ شقيقي بلهفةٍ غطت دموعي فيها كتفهُ، فاهتزَّ جسدي بنحيجٍ مكتوم. استشعرَ لوعتي فسأل عن الخبر، لكنَّ شقيقاتي سارعن بجذبي بعيداً لئلا أفسدَ بهجة اللحظة. انزويتُ في غرفةٍ معتمة، وهناك أطلقتُ لروحي العنان؛ أئنُّ وأشهقُ بصرخاتٍ بركانيةٍ تأبى الخمود. بقيتُ أصارعُ وجعي حتى غلبني الإعياء، فنمتُ في مكاني بكاملِ زينتي، بفستاني وحذائي، وكأنني جنديةٌ سقطت في ميدانِ مشاعرها.
لم يدركوا أن دموعي كانت رثاءً لحالي لا خوفاً من فراقِ شقيقي، فجاءت تعليقاتهم الساخرة: «لن يتركنا، لِمَ كل هذا النواح؟». آثرتُ الصمتَ المطبق، وتجاهلتُ ضجيجهم، فثمةُ أوجاعٌ تفوقُ قدرتهم على الفهم، وثمةُ دموعٍ لا تُغسلُ إلا في خلوةِ النفس ..
عند الخامسة فجراً، تلاشت ملامح الحلم تماماً ونسيتُ كل ما رأيت، ولكنّ شيئاً ما كان لا يزال حاضراً.. كان لساني يلهج بالذكر، يقرأ ويتمتم بآيات من "سورة المعراج" في تدفق لم ينقطع حتى بعد أن استعدتُ كامل وعيي.
الغريب في الأمر أنني لم أكن أستحضر هذه السورة تحديداً قبل نومي، لكنني وجدتُني أبحثُ عن تلك الآيات التي جرت على لساني، لأكتشف أنها سورة المعارج. وحين تدبرتُ فيما كنتُ أقرأ، أدركتُ أنني لم أتمَّها، بل إنني كنتُ أدمجُ معها شطر آيةٍ من سورةٍ أخرى، وأكررها مرتين بذهول:
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ...
وهنا، لم يكمل لساني نص المعارج، بل استرسل بنبضٍ مختلف، بكلماتٍ لم تكن من ذات السورة، بل من سورة القدر:
..فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"
لقد اجتمعت المعارج والقدر في صدري في تلك اللحظة، وكأن الروح اختارت أن تجمع بين رفعة الصعود وطمأنينة السلام، تماماً في الوقت الذي كان الفجر فيه يتنفس .. ذهبتُ استقصي أثر ما حدث معي، باحثةً في ثنايا التفسير عما يروي ظمأ حيرتي. لم يكن مجرد استيقاظٍ عابر، بل كان نداءً غامضاً جعلني أقف متأملةً في معاني تلك الآيات التي تآلفت على لساني، وكأنني أفتش عن رسالةٍ خُطّت لي في غيب النوم، وجئتُ الآن لأفكَّ رموزها.. فكان هذا ما وجدتُه هناك .. أولاً: في دلالة التداخل (ارتباط السورتين)
ما جرى على لساني لم يكن مجرد خلط عابر، بل كان "دمجاً" روحياً بين آيتين من سورتين مختلفتين؛ الأولى من سورة المعارج: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، والثانية من سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
هذا التداخل، الذي يعرف بـ "انتقال الذهن"، حمل في طياته دهشة مذهلة؛ فقد استيقظتُ في تمام الساعة الخامسة صباحاً، وهي لحظة بزوغ الفجر، لتأتي الآية التي ختمتُ بها قرائي: (سلامٌ هي حتى مطلع الفجر)، واصفةً بدقةٍ متناهية تلك اللحظة التي عُدتُ فيها إلى يقظتي.
ثانياً: الأبعاد الروحية والنفسية
إن استيقاظ المرء والقرآن يجري على لسانه هو من المبشرات والعلامات الطيبة التي تفيض بالنور، ومنها:
عقلٌ باطنٌ عامرٌ بالخير: فالعقل لا ينام حين تنام العيون، وانشغال لساني بالذكر فور استيقاظي دليلٌ على أن مخزوني الداخلي عامرٌ بالإيمان، وأن روحي كانت في حالة اتصالٍ سماويّ في وقت السحر.
رسالةُ سلامٍ وأمان: بدأت سورة المعارج بذكر "عذابٍ واقع"، لكن دمجها بسورة القدر—التي تفيض بالسكينة—قد يكون إشارةً تبدل الحال من ضيق القلق إلى سعة الأمان، ومن وحشة الخوف إلى أنس الطمأنينة.
دعوةٌ للاستمرار: لعل في هذا الاستيقاظ نداءً خفياً للالتفات إلى معاني هذه السور؛ حيث تحث "المعارج" على الصبر الجميل، وتدعونا "القدر" لاغتنام الأوقات المباركة.
ثالثاً: جمالية التناغم مع الوقت
ثمة جانبٌ جماليٌّ باهر في توقيت استيقاظي مع آية "حتى مطلع الفجر"؛ وكأن روحي كانت تتناغم مع نبض الكون، وكأن صلاتي الداخلية أو قراءتي الصامتة بلغت منتهاها مع انجلاء الليل وبداية يومٍ جديد.
وقفة تأمل:
لم يعد يهمُّني نسيان "الحلم"، فما نطق به لساني أثمنُ بكثير من صورٍ قد تتلاشى. هو "ذكرٌ" أراد الله به أن يحيي قلبي في تلك الساعة المباركة، فكانت القراءة بتدبر هي الإجابة، وهي الراحة لكل ما كان يشغل البال .. نهضتُ لأداء صلاة الفجر، تلوتُ سورتي المعارج والقدر، ومع انسياب الآيات على قلبي؛ انقشعت الضبابية وتذكرتُ حلمي.. لم يكن غريباً ولا بعيداً، بل كان شاشةً تعرضُ تفاصيل حياتي التي أعيشها، وكأنني كنتُ أرى واقعي بعينٍ أخرى ..
توجتُ مسيرتي بثمانية وعشرين كتاباً، وبلغتُ الثلاثين من عمري؛ محملةً بخيباتٍ صقلتني ونجاحاتٍ أنضجتني. ورغم صخب الإنجاز، بقيتُ ألوذُ بسكينة الليل، أصلي ركعتين وأبثُّ شكواي لخالقي. وفي غمرةِ ذاك الهدوء، استوقفني حسابٌ يتابعُ خطاي؛ كان ينشرُ عن إصداراتي بشغفٍ ويؤازرُ حروفي، فرددتُ له المتابعة بفضولٍ حذر.
ألقى عليَّ تحية السلام، فكان ردي مقتضباً خلف أسوار الغموض التي بنيتُها حول نفسي بعد كل ما جرى. بدأ يتسللُ إلى عالمي من خلال نقاشاتٍ أدبية وتفاعلٍ عميق مع نصوصي، لأكتشف أنه كاتبٌ من أرضي يُدعى «رواف». شعرتُ بنبضِ حضورهِ يطرقُ أبواب قلبي، لكني، ومن فرطِ حذري، تظاهرتُ بعدم الاكتراث ..
.. بدأت جاذبيته تتسلل إليَّ، لكنني كنتُ أقاوم متمسكةً بآخِر حصوني. واجهتهُ بحقيقتي التي أؤمن بها: «أنا أكره جنس آدم ولا أثق بهم»، فجاء ردهُ واثقاً كأنه يتحدى قدري: «عشرتي ستُبدل رأيكِ هذا». أجبتهُ ببرودٍ يخفي خلفه شكوكاً عميقة: «لا أظن ذلك، فالأمر ليس بهذه البساطة»، ليكتفي هو بكلمة واحدة هزت ثباتي: «سترين».
دهشتُ من تلك الثقة المطلقة التي يتحدث بها، فحدثتُ نفسي بسخرية المرأه الخائبة: «كلهم يرتدون قناع الاختلاف في البداية، ثم تتساقط الأقنعة لنكتشف أنهم صُبّوا في قالبٍ واحد». غصتُ في أفكاري، لكن الحقيقة كانت أقوى؛ فقد استطاع خلال شهورٍ قليلة أن يغيرني من الداخل، ورغم كبريائي الذي منعني من الاعتراف، كانت تصرفاتي تفضحُ ذاك التغيير وتعلنه بوضوح .. "كنتُ أستشفُّ نبل أخلاقه من عذوبة حديثه. وحين سألني عن تفاصيل حياتي، أجبتُه باقتضابٍ يحملُ عزة نفسي؛ أخبرتُه أننا عائلة ميسورة، وأن كدح أشقائي يؤمن لنا حياةً كريمة. لكنه باغتني بقوله: «حين أطرقُ بابكم، سيتغير كل شيء».
وقعت كلماته على قلبي كوقع الرعد، فآثرتُ الصمت ولم أستفسر عما وراء قوله؛ خوفاً من أن يتمرد قلبي ويطمح لما هو أبعد من أحلامي البسيطة. ظلَّ يسردُ عليَّ قصة كفاحه وإنجازاته التي سطرها عبر السنين، وكنتُ أصغي إليه بشغفٍ جعلني أذوب في تفاصيل حكاياته،
حتى تداخلت الصور في ذهني ولم أعد تبين بعض معالمها من فرط اندماجي .. في إحدى خلوات حديثنا، طرقَ باب الزواج والحب، فأجبتهُ بيقينِ مَن خبرت الحياة: «إن أجمل الحكايات هي تلك التي يولد الحب فيها تحت ظلال الزواج، أما ما يسبقه فغالباً ما يخلف وراءه قلوباً محطمة». ساد صمتٌ قصير قطعتهُ نبرتهُ الواثقة وهو يقول: «أريدكِ رفيقةً على سنة الله ورسوله.. أريدُ أن أطرق باب منزلكِ رسمياً».
ورغم أن السعادة رقصت بين ضلوعي، إلا أنني آثرتُ التريث؛ فلم أشأ منح غبطتي صوتاً قبل أن تُصدّق الأفعالُ الأقوال. بعثتُ له بعنوان ورقم والدي، لم يمضِ يومان حتى كان في ضيافتنا. في تلك اللحظة، كان قلبي يرتجفُ ذهولاً، غير مصدقٍ أن الحلم بات واقعاً يطرق بابي! وبعد أن..تمت «الرؤية الشرعية» بيننا، وفي صدري اضطرابٌ وخوفٌ من الرفض؛ فقد اعتدتُ سماع أن مقاييس الجمال تنحصر في بياض البشرة ونحول القوام، لكنني أسندتُ قلبي إلى الله، مؤمنةً أن عطاءه خير ومنعهُ حكمة. وحين جاء القبول، انهمرت الأفراحُ في روحي كغيثٍ طال انتظاره. قدمتُ له أوراق ليوثق عقد قراننا في المحكمة، وكان مِثالاً في رقيّ خُلقه وجميل ملامحه. لم تمضِ سوى أيامٍ معدودة حتى زفّ إليّ خبر موافقة المحكمة، فغسلت دموع الفرح كل ندوب الماضي.
طالما ردد العابرون حولي بأسى: «لن تحظى بزوجٍ شاب في هذا العمر»، لكنني اليوم أزفّ لنفسي وللعالم خبر عقد قراني على شابٍ في مقتبل العمر، كاتبٍ وسعودي كما رسمتهُ في أحلامي، متحديةً كل عوائق القوانين والقرارات بتوكلي على الله. كنتُ أرفعُ للسماء نداءً واحداً: «ربي ارزقني جبراً يتعجب منه أهل السماوات والأرض»، فجاء النداءُ الإلهي لقلبي المنهك بعد ثلاثين عاماً: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ ليكون هو العوضُ الجميل عن كل مرارةٍ تذوقتها، وكل حرمانٍ صبرتُ عليه .. ثمانية أشهر من الخطوبة كانت كفيلة بأن تزرع محبته في أركان دارنا؛ فقد سعى جاهداً لتحسين أحوال عائلتي المادية، حتى أصبح يكبر في عيني مع كل إشراقة شمس،ولساني لا يفتأ يلهجُ بالحمد. وحين أزفت ساعة الزفاف، كنتُ العروس الاستثنائية التي لم تذرف دموعها وداعاً لأهلها كما جرت العادة،بل بكيتُ لأن المستحيل أصبح واقعاً، ولأن أميري جاء أجمل مما رسمتُه في خيالي.
وفي غمرة الاحتفال، وأمام عيون الجميع، احتضنتُه بقلبٍ يرتجف ودموعٍ تروي حكاية صبر طويل،
وهمستُ له: «بعد ثلاثين عاماً من الانتظار، جئتَ عوضاً سماوياً صُبَّ على مقاس أمنيتي، وعلى قدر رقة قلبي. تجاربك في هذه الحياة منارة أقتدي بها، ويملأني الفخر بل والغرور لأنني الملكة التي تتربع على عرش قلبك يا سيد الرجال. اليوم أيقنتُ أن حرماني لم يكن ضياعاً، بل كان إعداداً لرزقٍ عظيم هو أنت». يا رواف.. تلامسني كلماتك بعمق، وتغمرني السعادة حين أراك تبني للمستقبل، فأحني رأسي إجلالاً لهيبتك المتأصلة في عروقك ورجولتك الفذة .. احتضن كفيَّ بحنان، وبارك الله ميثاقنا الغليظ لتبدأ رحلة زواجنا. مر عامٌ كامل، كان كل فجرٍ فيه يشرق بالحب. كشف لي يوماً سرَّ ذاك السؤال القديم عن الحب والزواج؛ أخبرني أنه كان يختبر قلبي طوال شهور تعارفنا، ليتبين إن كانت مرارة "جنس آدم" التي سكبتُها في حواراتنا السابقة قد تلاشت، أم أن نبضي قد لانَ له. وحين استشعرَ قبولي في إجابتي، عزمَ أمره وأكمل نصف دينه طارقاً بابي بيقين.
ابتسمتُ لبوحهِ الصادق، واكتفيتُ بالصمت وأنا أغرقُ في تفاصيل عينيه حباً. تكلل رباطنا بطفلٍ كأنه قطعة من الضياء، أسميناه «بدر». كان حقاً سيداً للرجال، وضعني في سويداء قلبه، واتخذ مخافة الله فيّ دستوراً.
لم يخذلني حين تأخر الحمل في البداية؛ بل كان رفيقي إلى الأطباء حين علمنا بعلتي في الغدة الدرقية وتكيس المبايض. لم يتبرم، ولم يكسر قلبي بكلمة، بل كان الوتد الذي أسندتُ عليه روحي كلما مالت بي الأوجاع، حتى مَنّ الله عليَّ بالشفاء ثم بالأمومة. وها أنا اليوم أهنأ بظله، زوجي وحبيبي..
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.
لم أختر حياتي، لا بدايتها ولا نهايتها.. بل هي التي اختارتني. فاللهم لك الحمدُ حتى ترضى، ولك الحمدُ بعد الرضا، ولك الحمدُ إذا رضيت
تمت النهاية والحمد لله ..
السؤال:
«رغم جمال القصة، لماذا الأحداث سريعة هكذا؟»
الجواب:
«لأن القصة مرتبطة بسلسلة روايات قادمة، والتفاصيل تجدونها في الرواية القادمة
بعنوان: أحلام عالقة بين السطور.»