«ليست كل الطرق التي تقودنا إلى الماضي مرئية، وليست كل الأبواب التي نفتحها تؤدي بنا إلى الخارج.»
لم تتحرك ليلى من مكانها.
ظلت عيناها معلقتين بالمساحة الفارغة بين الأشجار، حيث اختفت المنارة قبل لحظات، كأنها لم تكن موجودة قط. وحده صوت البحر بقي شاهدًا على ما حدث، يرتفع وينخفض في إيقاع مضطرب يشبه أنفاس شخص يحاول كتمان بكائه.
أما آدم، فكان يراقب الغابة بحذر، وكأن اختفاء الضوء لم يكن نهاية الخطر، بل بدايته الحقيقية.
قالت ليلى أخيرًا:
— قلت إن المرأة التي رأيتها كانت جدتي.
— نعم.
— كيف عرفت ذلك؟
التفت إليها.
— لأنني رأيتها من قبل.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
— متى؟
تردد قليلًا قبل أن يجيب:
— قبل واحد وعشرين عامًا.
حدقت فيه.
— هذا مستحيل. جدتي ماتت قبل ولادتي بسنوات.
— أعرف.
— إذن، كيف رأيتها؟
لم يجب.
اقتربت منه خطوة، وقد بدأ الخوف يتحول في داخلها إلى غضب.
— اسمع، يا آدم. لا أعرف من أنت، ولا لماذا تلاحقني، ولا ما علاقة أبي بكل هذا. لكنني لن أذهب معك إلى أي مكان آخر حتى تخبرني بالحقيقة.
نظر إليها طويلًا.
كان في عينيه شيء جعلها تتمنى لو أنه كذب عليها. كان يبدو كإنسان يحمل اعترافًا أثقل من أن ينطقه، ويخشى أن يؤدي نطقه إلى تدمير آخر ما تبقى له.
— الحقيقة ليست شيئًا واحدًا يا ليلى. أحيانًا تكون لكل شخص نسخته الخاصة منها.
— لا أريد فلسفة. أريد إجابات.
أومأ ببطء.
— حسنًا. سأخبرك بما أستطيع. لكن ليس هنا.
— ولماذا؟
رفع عينيه نحو الأشجار.
— لأننا لسنا وحدنا.
سمعت ليلى الصوت مرة أخرى.
احتكاك ثقيل فوق الحجارة، يتبعه صوت معدني متقطع، يشبه سلاسل تُجر على الأرض.
لم يكن الصوت صادرًا عن حيوان تعرفه. كان منتظمًا على نحو مخيف، وكأن صاحبه يتعمد أن يُسمع خطواته لمن ينتظره.
أضاءت ليلى مصباح هاتفها ووجهته نحو الأشجار.
لم ترَ شيئًا.
لكنها لاحظت أن الأغصان في نهاية الطريق تتحرك، رغم أن الريح توقفت تمامًا.
همست:
— ما الذي يوجد هناك؟
أجاب آدم:
— شيء لا ينبغي أن يجدنا.
— هل هو إنسان؟
لم يرد.
ثم أمسك بالمصباح من يدها وأطفأه.
— لا تفعلي ذلك مرة أخرى.
— أعد إليّ هاتفي!
أعاده إليها فورًا، ثم أشار إلى ممر ضيق بين الأشجار.
— تعالي.
ترددت.
— وإذا رفضت؟
نظر إليها بجدية.
— سأبقى هنا معك، لكنني لن أستطيع حمايتك إذا وصل إلينا.
لم يعجبها جوابه. لم يعجبها أنه يتحدث عن الخطر كما لو كان يعرفه منذ زمن، ولا أنه يطلب منها أن تثق به بينما يخفي عنها كل شيء.
لكنها تذكرت الرسالة.
لا تذهبي إليها وحدك.
لم يقل والدها ألا تذهب مع آدم.
ولم يقل لها أن تثق به أيضًا.
وضعت يدها داخل جيب معطفها، وتأكدت من وجود المفتاح النحاسي.
ثم تبعته.
كان الممر أضيق مما بدا من بعيد.
تتشابك أغصان الصنوبر فوق رأسيهما، وتحجب معظم ضوء القمر، فيما كانت الجذور البارزة تجعل السير فوق الأرض الرطبة أشبه بالمشي داخل متاهة قديمة.
سارت ليلى خلف آدم، تحاول ألا تُظهر خوفها.
بعد دقائق، بدأت تلاحظ أمرًا غريبًا.
لم يكونا يسيران في اتجاه البحر، بل يبتعدان عنه، ومع ذلك كان صوت الأمواج يزداد وضوحًا.
توقفت.
— آدم.
واصل السير خطوتين قبل أن يلتفت.
— ماذا؟
— البحر خلفنا، أليس كذلك؟
نظر إليها، ثم إلى الأشجار المحيطة بهما.
— بحسب الطرق التي تعرفينها، نعم.
— لا أفهم.
— ستفهمين لاحقًا.
أطلقت زفرة غاضبة.
— هل توجد جملة أخرى تعرفها غير هذه؟
كاد يبتسم، لكنه تراجع عن ذلك.
— توجد جمل كثيرة. لكنك لن تحبي معظمها.
للمرة الأولى، شعرت ليلى أن وراء ملامحه الحزينة شيئًا يشبه الدعابة، وإن كان مدفونًا تحت طبقات من التعب.
تابعا السير.
وبعد منعطف حاد، ظهرت أمامهما مساحة صغيرة خالية من الأشجار.
في وسطها بئر حجرية قديمة، تحيط بها أعشاب طويلة وأزهار بيضاء لم ترَ ليلى مثلها من قبل.
كان القمر يضيء المكان وحده، لكن ضوءه بدا هنا أكثر صفاءً، كأن السماء أقرب إلى الأرض.
تقدمت نحو البئر.
— لم أكن أعرف بوجود هذا المكان.
— لم يكن يظهر للجميع.
نظرت إليه.
— ماذا يعني ذلك؟
أشار إلى حافة البئر.
كانت هناك كتابة محفورة على الحجر، بالكاد يمكن قراءتها بسبب آثار الزمن.
أخرج آدم من جيبه قطعة قماش، ومسح الغبار عنها.
ظهرت الكلمات تدريجيًا:
«من يبحث عن الطريق، فليترك خلفه ما يظن أنه يعرفه. ومن يبحث عن الحقيقة، فليستعد لما لا يريد أن يعرفه.»
شعرت ليلى بقشعريرة.
— من كتب هذه العبارة؟
— رجل أحب امرأة أكثر مما ينبغي، وخاف أن يفقدها أكثر مما يستطيع الاحتمال.
— هل كان والدك؟
رفع آدم رأسه إليها بسرعة.
للمرة الأولى، بدا السؤال وكأنه أصابه في موضع مؤلم.
— لماذا تسألين عن أبي؟
— لأنني بدأت أظن أن الجميع في هذه الحكاية يعرفون بعضهم بعضًا، باستثنائي أنا.
صمت طويلًا.
ثم قال:
— ليس أبي.
اقترب من البئر، وأخرج من جيبه سلسلة فضية تتدلى منها قطعة صغيرة من الزجاج الأزرق.
— كان جدي.
حدقت ليلى في القطعة.
لم تكن زجاجًا عاديًا. كان الضوء يتحرك داخلها كأن قطرة من البحر حُبست فيها، وكلما مال آدم بيده تغير لونها من الأزرق إلى الفضي.
شعرت بشيء مألوف يتسلل إلى ذاكرتها.
ثم تذكرت.
كانت هناك قطعة مشابهة في صندوق خشبي صغير احتفظ به والدها في مكتبه، ولم يسمح لها يومًا بفتحه. بعد وفاته، اختفى الصندوق من البيت.
سألته بصوت متوتر:
— من أين حصلت على هذا؟
— ورثته عن جدي.
— هل تعرف ما الذي حدث لأبي؟
خفض آدم يده.
— أعرف أنه لم يمت بالطريقة التي أخبروك بها.
توقفت أنفاسها.
لم تستطع أن تسأله السؤال الذي اندفع إلى لسانها. شعرت بأن مجرد سماع الإجابة قد يغير كل شيء، بما في ذلك ذكرياتها عن الأيام الأخيرة لوالدها.
أخيرًا، همست:
— هل تقصد أنه قُتل؟
لم ينظر إليها.
وكان صمته كافيًا ليجعل عينيها تمتلئان بالدموع.
جلست ليلى على حافة البئر.
لم تبكِ فورًا. كانت في تلك المرحلة التي تسبق البكاء، حين يشعر الإنسان بأن شيئًا داخله قد انكسر، لكنه لا يعرف بعد كيف يخرج الألم إلى الخارج.
تذكرت جنازة والدها.
تذكرت الوجوه التي أحاطت بها، والتعازي التي سمعتها، وكلمات المواساة التي لم تستطع تصديقها.
وتذكرت الرجل الذي جاء يومها متأخرًا، وقف بعيدًا عن الجميع، ثم اختفى قبل أن تتمكن من معرفة هويته.
هل كان آدم؟
رفعت رأسها إليه.
— هل كنت في جنازته؟
لم يجب فورًا.
ثم قال:
— نعم.
— لماذا لم تقترب مني؟
— لأنني كنت أراقب الطريق خلفك.
— أي طريق؟
أدار وجهه نحو الغابة.
— الطريق الذي جاء منه الرجل الذي قتله.
شعرت ليلى بأن العالم أصبح أضيق من أن يتسع لأنفاسها.
— رأيت قاتله؟
— رأيت ما يكفي لأعرف أن موته لم يكن حادثًا عاديًا.
— ومن هو؟
أغمض آدم عينيه للحظة.
— لا أعرف اسمه الحقيقي.
— لكنك تعرفه؟
— نعم.
نهضت ليلى فجأة.
— إذن أخبرني أين أجده!
أمسك آدم بذراعيه إلى جانبيه، ولم يحاول الاقتراب منها.
— لن يفيدك أن تجديه الآن.
— كان أبي! هل تفهم؟ كان أبي!
ارتفع صوتها حتى ارتد بين الأشجار.
— لا يحق لك أن تقرر ما يفيدني وما لا يفيدني. أنت لا تعرف شيئًا عن حياتي!
كانت الكلمات قاسية، لكنها خرجت من مكان أعمق من الغضب.
لم يدافع آدم عن نفسه.
ظل ينظر إليها، وفي عينيه حزن لم تستطع تفسيره.
ثم قال بهدوء:
— أنت محقة.
فاجأها جوابه.
— ماذا؟
— أنت محقة. لا أعرف كل شيء عن حياتك. ولا أملك الحق في أن أطلب منك الثقة بي. لكنني أعرف ما حدث لوالدك، وأعرف أن الرجل الذي قتله يبحث عنك الآن.
ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة.
— لماذا يبحث عني؟
أخرج آدم خريطة مطوية من داخل معطفه.
كانت قديمة، مرسومة على جلد رقيق مائل إلى الاصفرار، تتخللها خطوط زرقاء وحمراء، وفي وسطها دائرة تحيط برسم منارة.
مدها إليها.
— لأن والدك أخفى شيئًا لا يستطيع ذلك الرجل الوصول إليه إلا من خلالك.
نظرت ليلى إلى الخريطة.
في الزاوية السفلية، وجدت رمزًا جعل قلبها يتوقف للحظة.
هلال يحتضن عينًا مفتوحة.
الرمز نفسه المحفور على مفتاحها.
لكن الأمر الأكثر رعبًا كان الاسم المكتوب تحت الدائرة المحيطة بالمنارة.
منارة الذاكرة.
رفعت عينيها إلى آدم.
— ما هذه المنارة؟
وقبل أن يجيب، سمعا صوتًا يأتي من داخل البئر.
صوت امرأة تبكي.
تراجعت ليلى.
كان البكاء خافتًا في البداية، ثم أصبح أكثر وضوحًا، حتى استطاعت تمييز الكلمات التي تتخلله.
— ليلى...
تجمدت في مكانها.
كان الصوت يشبه صوت والدتها.
— ليلى، ساعديني...
اندفعت نحو البئر، لكن آدم أمسك بيدها بسرعة.
— لا تقتربي!
حاولت الإفلات.
— إنها أمي!
— ليس هذا صوت أمك!
توقفت، ونظرت إليه في ذهول.
استمر الصوت.
— ليلى، أنا خائفة... أرجوكِ...
كانت نبرة الاستغاثة مطابقة تمامًا لصوت أمها حين كانت توقظها من كابوس في طفولتها.
شعرت ليلى بأن قلبها ينقسم بين الرغبة في الركض نحو الصوت والخوف من أن يكون آدم محقًا.
ثم خرجت من البئر همسة أخرى.
هذه المرة، لم تكن بصوت أمها.
كانت بصوت والدها.
— لا تثقي به يا ابنتي.
تجمدت أصابعها.
نظر آدم إلى البئر، ثم إلى ليلى، وظهر في وجهه خوف لم يحاول إخفاءه هذه المرة.
— لقد وجدنا.
— من؟
لم يجب.
فجأة، ارتفع صوت السلاسل من بين الأشجار.
اقترب الصوت بسرعة، ثم توقف على الطرف الآخر من المساحة الخالية.
ظهر ظل طويل بين جذوع الصنوبر.
كان أطول من أي إنسان رأته ليلى، لكنه يتحرك على قدمين.
لم تستطع رؤية وجهه.
كل ما رأته كان معطفًا أسود، ويدًا شاحبة تمسك بسلسلة فضية، وفي نهايتها مصباح صغير ينبعث منه ضوء أحمر.
رفع الظل رأسه.
ثم تحدث بصوت بدا كأنه يأتي من أعماق بئر أخرى:
— سلّمها إليّ يا آدم.
تراجع آدم خطوة، ووقف أمام ليلى.
— لن يحدث ذلك.
أطلق الرجل ضحكة قصيرة.
— ما زلت تظن أنك تستطيع تغيير النهاية؟
ثم التفت إلى ليلى.
— أخبروك أنه مات، أليس كذلك؟
لم تستطع الرد.
رفع الرجل يده، فاشتعل الضوء الأحمر داخل المصباح.
— والدك لم يمت في تلك الليلة وحدها، يا ليلى. لقد مات مرات كثيرة قبلها. وفي كل مرة، كنتِ أنت السبب.
شعرت بأن الهواء اختفى من حولها.
صرخ آدم:
— لا تستمعي إليه!
لكن الرجل واصل كلامه.
— اسأليه عن الفتاة التي كانت قبلك. اسأليه لماذا يتذكر وجهك رغم أنه لم يقابلك قط قبل موت أبيك. واسأليه ماذا حدث في المنارة قبل واحد وعشرين عامًا.
نظر آدم إلى ليلى.
وفي تلك اللحظة، عرفت من تعبير وجهه أن الرجل لم يكذب في كل ما قاله.
ربما لم يقل الحقيقة كاملة، لكنه لمس سرًا كان آدم يخفيه.
أخرجت ليلى المفتاح النحاسي من جيبها.
بدأ يتوهج بين أصابعها.
نظر الرجل ذو المعطف الأسود إليه، فتراجع للمرة الأولى.
— إذن، لقد اختارك بالفعل.
ثم ابتسم.
— جيد.
رفع المصباح نحو السماء.
وفي اللحظة نفسها، انشق الظلام فوق الغابة عن شعاع أزرق هائل.
عادت المنارة إلى الظهور.
لكنها لم تكن كما رأتها ليلى من قبل.
كانت أبوابها مفتوحة، وفي أعلاها نافذة مضاءة، وخلف النافذة وقفت امرأة ترتدي ثوبًا أبيض.
امرأة تشبه ليلى تمامًا.
حتى ندبة صغيرة قرب حاجبها الأيسر كانت موجودة في الموضع نفسه.
رفعت المرأة يدها ببطء، ووضعتها على الزجاج.
ثم حركت شفتيها.
لم تسمع ليلى صوتها، لكنها قرأت الكلمات بوضوح:
«لا تدعيه يأخذ المفتاح.»
استدارت ليلى نحو آدم.
كان ينظر إلى المنارة، ودمعة واحدة تنحدر على خده.
همست:
— من تكون تلك المرأة؟
أجابها بصوت منكسر:
— أختي.
ثم أغلق عينيه.
— أختي التي أخبرتني بنفسي أنها ماتت قبل ولادتك.
وفي اللحظة التالية، انطفأ كل شيء.
لم يبقَ سوى البئر، والأشجار، وصوت البحر البعيد.
لكن يدًا باردة أطبقت فجأة على كتف ليلى من الخلف.
وجاءها صوت والدها، واضحًا ودافئًا، كما لو أنه يقف خلفها في غرفة مكتبه:
— ليلى، لا تلتفتي.