«أحيانًا لا نخاف من الأسرار لأنها مجهولة، بل لأن جزءًا منا يعرفها منذ زمن، وينتظر اللحظة التي نمتلك فيها الشجاعة لنتذكر.»
— ليلى، لا تلتفتي.
توقفت أنفاسها.
كان الصوت خلفها صوت والدها بلا شك؛ النبرة الهادئة نفسها التي كان يستخدمها حين يريد حمايتها من شيء لا يستطيع شرحه، والطريقة نفسها التي ينطق بها اسمها، كأنه يخشى أن يجرحه الهواء إذا رفع صوته.
لكن والدها مات.
رأته بعينيها داخل نعشه، ولمست جبينه البارد للمرة الأخيرة، ووقفت أمام قبره بينما كانت حفنة التراب الأولى تسقط فوق الخشب.
فكيف يمكن لصوته أن يعود الآن؟
شعرت بيد آدم تقبض على معصمها.
— لا تتحركي.
همست بصعوبة:
— إنه أبي.
— أعرف.
— إذن لماذا تمنعني من الالتفات؟
اقترب آدم منها حتى صار صوته همسًا لا يسمعه سواها.
— لأن ما يناديك ليس بالضرورة من تظنينه.
أغمضت ليلى عينيها.
كان الصوت خلفها يزداد قربًا.
— ليلى، صغيرتي... لقد تأخرتِ.
ارتجفت شفتاها.
تلك الجملة تحديدًا.
كان والدها يقولها كلما تأخرت في العودة من المدرسة، ثم يفتح ذراعيه لها ويبتسم، مهما حاولت إخفاء ارتباكها.
لم يكن بإمكان غريب أن يعرفها.
إلا إذا كان قد عرف والدها فعلًا.
— أبي؟ همست.
شد آدم على معصمها.
— لا تجيبي.
لكن الصوت عاد، هذه المرة أكثر حنانًا:
— انظري إليّ يا ليلى. أريد أن أراكِ مرة أخيرة.
سال الدمع على خديها.
كانت تعرف أن عليها أن تقاوم، لكن قلبها لم يعد قادرًا على التمييز بين الخوف والاشتياق. فقد أمضت شهورًا تتمنى لو تسمع صوت والدها مرة أخرى، ولو لدقيقة واحدة فقط، لتخبره عن الأشياء التي لم تستطع قولها قبل رحيله.
اشتاقت إليه حتى أصبح الاشتياق ألمًا يسكن جسدها.
والآن، حين عاد الصوت، كيف يُطلب منها أن تدير ظهرها؟
رفعت يدها ببطء نحو وجهها، ومسحت دموعها.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— إذا كنت أبي حقًا، فأخبرني بما قلته لي في آخر يوم رأيتني فيه.
ساد الصمت.
حتى البحر بدا وكأنه توقف عن التنفس.
مرّت ثوانٍ طويلة، ثم سمعت صوتًا يشبه ضحكة خافتة.
— لقد نسيتِ يا ليلى.
فتحت عينيها.
كان والدها يقول لها دائمًا إن الذكريات قد تخون أصحابها، لكن الحب لا يحتاج إلى دليل كي يعرف طريقه.
أما هذا الصوت، فقد بدا غريبًا فجأة.
أكمل:
— لقد نسيتِ كل شيء. لكنني سأساعدك على التذكر.
انطلقت من خلفها صرخة حادة.
وانطفأ الضوء الأزرق.
حين فتحت ليلى عينيها، وجدت نفسها على الأرض قرب البئر.
كان آدم جاثيًا إلى جوارها، ووجهه شاحبًا، بينما كانت يده تضغط على جرح في كتفه.
أما الرجل ذو المعطف الأسود، فقد اختفى.
نهضت ليلى بصعوبة.
— ماذا حدث؟
رفع آدم رأسه.
— حاول أن يأخذ المفتاح.
تفقدت جيب معطفها بسرعة، ثم أخرجت المفتاح النحاسي. كان لا يزال هناك، لكنه أصبح دافئًا على نحو غريب، كأن شيئًا حيًا ينبض داخله.
تنفست بارتياح، ثم انتبهت إلى الدم الذي يلطخ يد آدم.
— أنت مصاب!
— ليس خطيرًا.
— دعني أرى.
— ليلى...
— قلت دعني أرى!
أزاحت يده بحذر. كان الجرح طويلًا، لكنه بدا أقل عمقًا مما توقعت. أخرجت منديلًا من حقيبتها وضغطت به على كتفه.
لم يقاوم.
وللمرة الأولى منذ لقائهما، شعرت أنه ليس الرجل الغامض الذي يعرف كل الإجابات، بل إنسان متعب يحاول النجاة مثلها.
قالت وهي تربط المنديل:
— لا أزال لا أثق بك.
نظر إليها.
— أعرف.
— لكنني لن أتركك تنزف حتى الموت لمجرد أنك تخفي عني أسرارك.
ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة.
— كان والدك يقول إنك عنيدة.
توقفت يدها.
رفعت عينيها إليه ببطء.
— ماذا قلت؟
اختفت الابتسامة.
— قلت إنك عنيدة.
— لا. قلت إن أبي كان يقول ذلك عني. متى تحدث معك عني؟
لم يجب.
شعرت ليلى بالشك يعود إليها، أقوى من قبل.
— آدم، هل التقيت أبي قبل وفاته بمدة طويلة؟
تنفس بعمق، ثم نهض مستندًا إلى البئر.
— نعم.
— كم طويلة؟
— أطول مما ينبغي.
أغمضت عينيها لحظة، محاولة السيطرة على غضبها.
— سأعود إلى البيت. وأنت ستأتي معي.
— لا أظن أن هذه فكرة جيدة.
— لم أطلب رأيك.
ثم أضافت، وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
— ستخبرني بكل ما تعرفه. وإذا اكتشفت أنك تكذب عليّ، فلن تراني مرة أخرى.
نظر إليها آدم طويلًا، ثم أومأ.
— اتفقنا.
لكن حين استدارا لمغادرة المكان، سمعا صوتًا خافتًا يأتي من البئر.
صوت حجر يسقط في الماء.
ثم ارتفع من أعماقها همس لم يسمعه سوى آدم:
— لا تخبرها عن الليلة التي ماتت فيها مرتين.
تجمد في مكانه.
وللمرة الأولى، بدا أن آدم يخشى ليلى أكثر مما يخشى الرجل ذي المعطف الأسود.
### البيت الذي يحتفظ بالأسرار
وصلت ليلى إلى منزلها قبيل الفجر.
كانت السماء قد بدأت تفقد سوادها، والبحر يتحول تدريجيًا إلى لون رمادي شاحب. فتحت الباب بالمفتاح الذي تحمله دائمًا، ودخلت، بينما تبعها آدم بخطوات مترددة.
لم تتحدث معه طوال الطريق.
كان ذهنها مزدحمًا بالأسئلة، وكلما حاولت ترتيبها ظهر سؤال جديد يبدد محاولتها.
من المرأة التي تشبهها؟
كيف عرف آدم والدها؟
من كان الرجل ذو المعطف الأسود؟
ولماذا كانت أصوات الموتى تناديها؟
لكن السؤال الذي أخافها أكثر من الجميع كان سؤالًا لم تجرؤ على صياغته كاملًا:
ماذا لو لم تكن ذكرياتها عن حياتها حقيقية كما تظن؟
أغلقت الباب، ثم أشارت إلى غرفة المكتب.
— انتظرني هنا.
خلعت معطفها وذهبت إلى الطابق العلوي لتغسل الدم عن يديها. وعندما عادت، وجدت آدم واقفًا أمام رف الكتب القديم، يمرر أصابعه فوق عناوين الروايات التي جمعها والدها على مدى سنوات.
توقف أمام كتاب ذي غلاف أزرق.
— كان يحب هذا الكتاب.
اقتربت ليلى.
كان الكتاب بعنوان «المدينة التي نسيت أسماءها»، إحدى الروايات القديمة التي كانت والدتها تقرؤها لها قبل النوم.
— هل قرأته؟
— أكثر من مرة.
— هل قرأته مع أبي؟
نظر إليها آدم، ثم أعاد الكتاب إلى مكانه.
— نعم.
لم تستطع إخفاء دهشتها.
— متى؟
— قبل أن تولدي.
شعرت بأن الغرفة ضاقت فجأة.
— هذا غير ممكن. أبي لم يكن يسافر كثيرًا، ولم يكن يذكر أنه يعرف أحدًا في عمرك.
— ربما لم يكن يريدك أن تعرفي.
— لماذا؟
لم يجب.
وضعت ليلى يديها على الطاولة.
— يكفي! كلما سألتك سؤالًا، أعطيتني نصف إجابة، ثم طلبت مني الانتظار. لن أنتظر بعد الآن.
سحب آدم كرسيًا وجلس.
بدا عليه الإرهاق، وكأن الليلة سلبته شيئًا أكبر من الدم الذي فقده.
— حسنًا. ابحثي عن الصندوق أولًا. أظن أن والدك ترك لك شيئًا يشرح جزءًا مما حدث.
ترددت ليلى.
— كيف تعرف أن هناك صندوقًا؟
رفع عينيه إليها.
— لأنني ساعدته في إخفائه.
لم تقل شيئًا.
استدارت نحو خزانة الملفات القديمة، وبدأت تفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر. كانت تعرف أن والدها يحتفظ بأوراقه المهمة في مكان لا تصل إليه أيدي الزوار، لكنها لم تعرف يومًا أين يخفيها.
فتشت تحت المكتب، وخلف الستائر، وداخل الخزانة التي تحتوي على دفاتره القديمة.
لم تجد شيئًا.
وبينما كانت تسحب صندوقًا صغيرًا من الرف السفلي، لاحظت خطًا رفيعًا في الجدار خلفه.
انحنت ومسحت الغبار.
كان هناك تجويف مستطيل صغير، مخفي خلف لوح خشبي يتحرك قليلًا إذا ضغطت عليه من الجانب.
أخرجت المفتاح النحاسي من جيبها.
اقترب آدم منها بسرعة.
— انتظري.
التفتت إليه.
— ماذا الآن؟
كان يحدق في المفتاح بقلق.
— لست متأكدًا مما سيحدث إذا استخدمتِه.
نظرت إلى التجويف.
ثم إلى المفتاح.
— أعتقد أن أبي تركه لي لهذا السبب بالذات.
أدخلت المفتاح في الفتحة.
سمعت طقطقة خفيفة.
وانفتح اللوح الخشبي.
في الداخل كان هناك صندوق صغير من خشب الأرز، تزين غطاءه نقوش دقيقة تشبه الأمواج والهلال والنجوم. وعلى جانبه عبارة محفورة بخط والدها:
«إلى ابنتي التي ستبحث عني حين أكون أبعد من الموت.»
تراجعت ليلى خطوة.
لم تستطع لمس الصندوق.
اقترب آدم، لكنه توقف حين رأى تعبير وجهها.
قالت بصوت خافت:
— لماذا كتب ذلك؟
لم يجب.
جلست أمام الصندوق، ورفعت الغطاء ببطء.
في الداخل وجدت ثلاث رسائل، وصورة قديمة، ودفترًا جلديًا أسود.
تناولت الصورة أولًا.
كانت باهتة، ذات حواف متآكلة، لكنها واضحة بما يكفي لتجعل قلبها يخفق بعنف.
ظهر فيها ثلاثة أشخاص يقفون أمام المنارة.
رجل تعرفه جيدًا.
والدها.
إلى جانبه وقف آدم، أصغر سنًا بقليل، لكن وجهه لم يتغير كما ينبغي أن يتغير وجه الإنسان خلال عشرين عامًا.
أما المرأة التي تقف بينهما، فكانت تشبه ليلى إلى حد جعل الصورة تسقط من يدها.
نفس العينين.
نفس شكل الأنف.
نفس الانحناءة الصغيرة في الشفتين.
حتى الندبة قرب الحاجب الأيسر كانت موجودة.
قلبت ليلى الصورة.
وجدت تاريخًا مكتوبًا على ظهرها:
17 أكتوبر 1987.
ثم عبارة قصيرة:
«الليلة التي بدأت فيها الدائرة، والليلة التي أقسمنا فيها ألا تتكرر.»
حدقت ليلى في التاريخ.
كان ذلك قبل ولادتها بعقود تقريبًا، ومع ذلك بدا آدم في الصورة كما لو أنه لم يتقدم في العمر إلا سنوات قليلة.
رفعت عينيها إليه.
— كم عمرك؟
لم يجب.
كررت السؤال:
— كم عمرك يا آدم؟
ظل صامتًا لحظة، ثم قال:
— أكبر مما تظنين.
ضحكت ليلى ضحكة قصيرة متوترة.
— هذا ليس جوابًا.
— أعرف.
نهضت من مكانها.
— هل أنت إنسان أصلًا؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— كنت كذلك.
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
لم تستطع أن تحدد إن كان يمزح، أو يحاول إخافتها، أو يخبرها حقيقة لم تعد قادرة على استيعابها.
لكن وجهه لم يحمل أي أثر للمرح.
كان يتحدث بجدية كاملة.
### الرسالة الأولى
تركت ليلى الصورة على الطاولة، وفتحت الرسالة الأولى.
كان الورق أصفر، والحبر قد بهت في بعض المواضع. لكنها تعرفت إلى خط والدها فورًا.
ليلى،
إذا كنت تقرئين هذه الكلمات، فهذا يعني أن المنارة عادت إلى الظهور، وأن المفتاح استجاب لك.
لن أطلب منك أن تسامحيني على ما أخفيته عنك. ليس الآن. فهناك أشياء لا يمكن تبريرها، مهما كانت النوايا طيبة.
أريدك فقط أن تعرفي أن حياتك لم تبدأ في اليوم الذي وُلدتِ فيه.
أنت تحملين ذكرى أقدم من عمرك، ووعدًا قطعه أشخاص لم يعرفوا أنهم يتركونه لك.
آدم يعرف أكثر مما سيعترف به. لا تلوميه على كل شيء، لكن لا تمنحيه ثقتك كاملة قبل أن يروي لك حكاية أخته.
أما الرجل الذي يطاردك، فلا تبحثي عن اسمه في سجلات القرية. لقد محا العالم اسمه منذ زمن، ولم يبقَ منه سوى اللقب الذي يخشاه الجميع.
الظل الأسود.
إذا وصلتِ إلى المنارة، فلا تدخلي الغرفة العليا قبل أن تجدي الساعة.
وإذا سمعتِ صوتي يناديك من داخلها، فتذكري أنني لن أكون هناك.
أحبك أكثر مما استطعت أن أخبرك.
أبوك.
انخفضت الرسالة من يدها.
لم تستطع منع الدموع هذه المرة.
لم تكن دموع الخوف وحده، بل دموع الاشتياق والغضب، ووجع اكتشاف أن الرجل الذي أحبته طوال حياتها كان يحمل عالمًا كاملًا من الأسرار خلف ابتسامته الهادئة.
لماذا لم يخبرها؟
لماذا تركها تواجه الحقيقة وحدها؟
وضعت الرسالة على الطاولة، ثم غطت وجهها بيديها.
لم يقترب آدم منها.
ظل واقفًا على مسافة، كأنه يعرف أن بعض الأحزان لا يمكن مواساتها بالكلمات.
بعد دقائق، مسحت ليلى دموعها.
— أخبرني عن أخته.
تنفس آدم ببطء.
— اسمها مريم.
رفعت رأسها.
— المرأة التي رأيتها في المنارة؟
— نعم.
— لماذا تشبهني؟
جلس آدم، ووضع يديه المتشابكتين فوق الطاولة.
— لأنكما مرتبطتان بطريقة لم أفهمها إلا بعد فوات الأوان.
— هل كانت أختك فعلًا؟
— كانت أختي. وكانت أكبر مني بثلاث سنوات. ماتت في السابع عشر من أكتوبر عام 1987.
نظرت ليلى إلى الصورة.
إذن، لم يكن التاريخ المكتوب عليها مجرد تاريخ قديم. كان تاريخ موت مريم.
لكنها كانت تقف في الصورة إلى جانب والدها وآدم، بينما بدا الجميع وكأنهم ينظرون إلى مصير يعرفونه مسبقًا.
قالت ليلى:
— كيف ماتت؟
ظل آدم صامتًا طويلًا.
ثم أجاب:
— دخلت المنارة لتنقذني.
— وماذا حدث؟
— خرجتُ وحدي.
لم يزد على ذلك.
لكن ليلى رأت يده ترتجف، ورأت كيف انقبض فكه حين حاول السيطرة على نفسه.
فهمت أنه لم يكن يخفي الحقيقة عنها وحدها.
كان يخفيها عن نفسه أيضًا.
### الدفتر الأسود
فتحت ليلى الدفتر الجلدي.
في الصفحة الأولى، وجدت رسمًا للمنارة، وتحته عنوان بخط والدها:
قواعد المنارة الثلاث عشرة.
قلبت الصفحة.
كانت القاعدة الأولى مكتوبة بحبر أزرق:
«لا تدخل المنارة حين يغيب القمر.»
والثانية:
«لا تجب عن أي صوت يناديك باسمك من خلف باب مغلق.»
والثالثة:
«لا تصدق الذاكرة حين تختلف مع القلب.»
توقفت ليلى عند العبارة الأخيرة.
قرأتها مرة أخرى.
ثم تابعت تقليب الصفحات، حتى وصلت إلى صفحة ممزقة من طرفها.
لم يبقَ منها سوى سطر واحد:
«إذا اجتمعت الوريثة وحارس الباب، فسيُفتح الطريق إلى الغرفة الثالثة عشرة، وحينها سيضطر أحدهما إلى الاختيار بين الحب والحقيقة.»
شعرت ليلى بقبضة باردة تحيط بقلبها.
الوريثة.
وحارس الباب.
نظرت إلى آدم.
— من حارس الباب؟
لم يجب.
— هل أنت؟
خفض رأسه.
كان صمته جوابًا كافيًا.
نهضت ليلى وابتعدت عنه.
— إذن كل هذا كان مخططًا له؟
— ليس كما تظنين.
— أنت تعرف المنارة، وتعرف أبي، وتعرف المفتاح، وتعرف المرأة التي تشبهني، وتعرف لماذا يطاردني رجل لا يموت! ماذا بقي لا أعرفه؟
وقف آدم، لكنه لم يقترب.
— الحقيقة التي أخشى أن تدمر كل شيء.
— الحقيقة لا يمكن أن تكون أسوأ من هذا.
نظر إليها بحزن.
— بل يمكنها أن تكون أسوأ بكثير.
في تلك اللحظة، صدر صوت من داخل الصندوق.
صوت ناعم يشبه احتكاك ورقة بالأخرى.
التفتت ليلى.
كانت الرسالة الثانية تتحرك وحدها.
اقتربت منها ببطء، وفتحتها.
لم تكن الرسالة مكتوبة بخط والدها.
كان الخط أنيقًا، مائلًا قليلًا إلى اليمين، وفي أعلاها تاريخ:
17 أكتوبر 1987.
بدأت تقرأ.
إلى ليلى التي لم تولد بعد،
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أن آدم أخفق مرة أخرى في حمايتي، وأنك أصبحتِ الآن قريبة من الحقيقة.
لا تخافي منه. إنه ليس عدوك.
لكن لا تحبيه قبل أن تعرفي لماذا عاد.
توقفت ليلى عن القراءة.
رفعت عينيها نحو آدم.
كان واقفًا في مكانه، وقد اختفى اللون من وجهه.
تابعت:
سيخبرك أنه جاء لينقذك، وسيقول إن والدك طلب منه حمايتك. وهذا صحيح.
لكنه لن يخبرك بالسبب الحقيقي.
لم يعد آدم إلى القرية من أجلك وحدك.
لقد عاد لأنه يعرف أنني لم أمت.
سقطت الرسالة من يد ليلى.
ساد الصمت في الغرفة.
ثم رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى الرجل الذي وقف إلى جانبها طوال الليل.
— آدم...
لم يستطع النظر في عينيها.
همست:
— هل أختك مريم ما زالت حية؟
أغمض عينيه.
وحين فتحهما، كان فيهما حزن عميق لم ترَ مثله من قبل.
— لا أعرف إن كانت حية بالطريقة التي تفهمينها.
تراجعت ليلى.
— ماذا يعني ذلك؟
أجابها أخيرًا:
— يعني أنني أبحث عنها منذ تسعة وثلاثين عامًا.
لم تنطق.
تابع بصوت خافت:
— وفي كل مرة أقترب منها، أفقد ذكرى أخرى من حياتي. وفي المرة الأخيرة، نسيت وجه أمي. وبعدها نسيت صوتها.
نظر إلى الصورة القديمة.
— أخشى أن تكون المرة القادمة هي الأخيرة.
— الأخيرة في ماذا؟
رفع عينيه إليها.
— آخر مرة أستطيع فيها تذكّر من أحببتهم.
شعرت ليلى بألم غريب يتسلل إلى قلبها. أرادت أن تسأله عن المزيد، لكنها لم تستطع تجاهل السؤال الذي ظل يطاردها منذ قرأت الرسالة.
لا تحبيه قبل أن تعرفي لماذا عاد.
لم تكن قد أحبته.
بالطبع لم تكن قد أحبته.
كان رجلًا غريبًا، يحيط به الغموض، ويعرف عن عائلتها أكثر مما تعرف هي نفسها.
لكنها أدركت أنها بدأت تخشى فقدانه، رغم أنها لم تعرفه إلا منذ ساعات.
وكان ذلك الشعور أخطر من كل الأسرار التي اكتشفتها.
### الزائر عند النافذة
قبل أن يتمكن أي منهما من الكلام، سمعا ثلاث طرقات على نافذة المكتب.
تجمدت ليلى.
كانت النافذة مغلقة، والطابق مرتفعًا بما يكفي لجعل الوصول إليها من الخارج مستحيلًا.
اقترب آدم منها بحذر، وأشار إلى ليلى أن تبقى مكانها.
ثم رفع الستارة.
لم يكن خلف الزجاج أحد.
لكن على النافذة، من الخارج، كانت هناك كتابة بخط أحمر داكن:
«أعيدي المفتاح، وسأعيد إليك أباك.»
شهقت ليلى.
اندفع آدم نحو النافذة، لكنه توقف قبل أن يلمس الزجاج.
كان هناك انعكاس رجل يقف خلفه.
رجل يرتدي معطفًا أسود، ويضع قناعًا يخفي وجهه.
استدار آدم بسرعة.
لم يكن في الغرفة أحد.
عاد ينظر إلى الزجاج.
ظهر الانعكاس مرة أخرى.
رفع الرجل المقنّع يده، وأشار إلى ليلى.
ثم تحركت شفتاه ببطء، كأنه ينطق كلمات لا يسمعها إلا آدم.
تغير وجهه.
استدار نحو ليلى، وقال بصوت مرتجف:
— علينا الذهاب إلى المنارة الآن.
— لماذا؟
— لأن الرجل الذي قتل والدك لم يعد يريد المفتاح فقط.
نظر إلى الرسالة المفتوحة على الطاولة.
ثم قال:
— لقد عرف أنك بدأت تتذكرين.
شعرت ليلى بالدم يبرد في عروقها.
— أتذكر ماذا؟
لم يجب آدم.
فجأة، انطفأت جميع المصابيح.
وفي الظلام، سمعا صوتًا قادمًا من الطابق العلوي.
خطوات بطيئة.
ثم صوت باب غرفتها يُفتح.
تلاه صوت امرأة تضحك بخفة.
ضحكة تعرفها ليلى جيدًا.
ضحكة أمها.
لكن أمها لم تكن في المنزل.
أمسكت ليلى بالمفتاح النحاسي، وشعرت بحرارته ترتفع بين أصابعها.
ومن أعلى الدرج، جاء الصوت:
— ليلى، حبيبتي... تعالي. هناك شيء أريد أن أخبرك به عن والدك.
تقدم آدم نحو الدرج، ثم توقف والتفت إليها.
— مهما سمعتِ، لا تصعدي.
لكن ليلى كانت تنظر إلى الظلام، وقد بدأت تتذكر شيئًا لم تفهمه.
في طفولتها، كانت تحلم مرارًا بغرفة طويلة، وباب أزرق، وامرأة تناديها من خلفه.
وفي كل مرة تستيقظ، كانت تجد والدها جالسًا قرب سريرها، يمسك بيدها ويهمس:
«إنها مجرد أحلام يا صغيرتي. لا تتذكريها.»
الآن فقط فهمت أن تلك الكلمات لم تكن مواساة.
كانت تحذيرًا.
رفعت رأسها نحو الدرج.
ثم سمعت صوت المرأة مرة أخرى:
— أسرعي يا ليلى. لم يبقَ لي وقت طويل.
تحركت قدمها الأولى نحو الدرج.
وفي اللحظة نفسها، صرخ آدم:
— لا تصعدي! إنها ليست أمك!
لكن الصوت الذي جاء من الطابق العلوي بعد ذلك جعل ليلى تتجمد تمامًا.
لم يكن صوت أمها هذه المرة.
بل صوتها هي.
صوت ليلى، كما سيكون بعد سنوات طويلة، حين يصبح الحزن أعمق، والخوف حقيقة لا يمكن الهرب منها.
قال الصوت:
— إذا صعدتِ الآن، فسيموت آدم.
ثم انغلق الباب العلوي بقوة.
وساد الصمت.