«أقسى أنواع الفقد أن تقف أمام شخص تحبه، فتكتشف أنه لم يعد يعرف من تكون… والأقسى أن تعرف أنه سيحبك من جديد، لكنه قد لا يتذكّر لماذا.»
لم يكن اختفاء آدم يشبه اختفاء البشر.
لم يترك وراءه أثرًا، ولا صوت خطوات يتلاشى في الممر، ولا بابًا مفتوحًا يدل على الطريق الذي سلكه. قبل لحظة واحدة كان واقفًا إلى جوار ليلى، يبكي لأنه تذكّر ضحكة أخته، وفي اللحظة التالية لم يبقَ منه سوى دفء خافت في الهواء، كأن المكان احتفظ بظله وابتلع صاحبه.
ركضت ليلى إلى الخارج.
كان البحر هائجًا على غير عادته، رغم أن الريح توقفت تمامًا. امتد ضوء القمر الأحمر فوق الماء، مشيرًا إلى المنارة التي لم يكن ينبغي أن تظهر إلا في الليالي التي يكتمل فيها القمر.
لكن القمر لم يكن مكتملًا.
رفعت ليلى رأسها نحو السماء. كان هلالًا رفيعًا، شاحبًا، تحيط به هالة سوداء.
همست:
— كيف ظهرت المنارة؟
جاءها صوت من خلفها:
— لأنها لم تعد تنتظر القمر.
التفتت مذعورة.
كانت أمها تقف عند عتبة المنزل، ترتدي معطفًا خفيفًا، وفي يدها مصباح قديم. بدا وجهها أكبر سنًّا مما كان عليه قبل ساعات، كأن شيئًا ما سحب منه سنوات كاملة.
— أين آدم؟ سألتها ليلى.
لم تجب الأم مباشرة. نظرت إلى البحر، ثم أغمضت عينيها.
— لقد فتح الباب.
— أي باب؟
— الباب الذي أقسم والدك أنه لن يُفتح مرة أخرى.
اقتربت ليلى منها وأمسكت ذراعها.
— أمي، اختفى آدم أمام عينيّ! سمعت صوته، ثم لم يعد موجودًا. أريد أن أعرف أين ذهب.
فتحت الأم عينيها.
— إلى المكان الذي دفن فيه اسمه.
لم تفهم ليلى العبارة، لكنها شعرت بأن أمها تعرف أكثر مما تقول.
قالت بحزم:
— لن أعود إلى البيت قبل أن أعرف الحقيقة.
تأملتها الأم طويلًا، ثم مدت إليها المصباح.
— إذن تعالي. هناك شيء يجب أن تريه قبل أن نذهب إلى المنارة.
قادتها أمها إلى الغرفة العلوية.
كانت الساعة القديمة متوقفة من جديد، لكن عقاربها لم تعد تشير إلى الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة. بل إلى الثالثة وسبع عشرة دقيقة، وهو وقت لم تفهم ليلى دلالته.
أما المرآة، فقد عادت مغطاة بالقماش الأبيض.
وقفت الأم أمام الخزانة الخشبية، وفتحت درجًا سفليًّا لم تلاحظه ليلى من قبل. أخرجت منه دفترًا صغيرًا ذا غلاف أخضر، وربطته بشريط أسود.
— هذا دفتر أبيك الأخير.
تناولته ليلى بحذر.
— ظننت أن الدفتر الأسود الذي وجدناه كان آخر ما كتبه.
— ذلك الدفتر تركه لك لتتبعي الطريق. أما هذا، فكتبه عندما أدرك أن الطريق سيقودك إليه.
فتحت ليلى الصفحة الأولى.
كان خط أبيها واضحًا، وإن بدا مرتجفًا في بعض المواضع.
«إذا قرأتِ هذه الكلمات، فهذا يعني أن آدم قد اختفى، أو أنني أخفقت مرة أخرى في إبقائه بعيدًا عن المنارة.
لا تبحثي عنه في الغابة.
ولا تبحثي عنه في البحر.
ابحثي عنه في المكان الذي لا يستطيع فيه أحد أن يكذب.»
قلبت ليلى الصفحة.
وجدت رسمًا لباب مستطيل تحيط به ثلاثة عشر خطًّا، وتحته عبارة:
«غرفة الاسم لا تُفتح بالمفتاح، بل بالحقيقة التي يخشى صاحبها الاعتراف بها.»
سألت أمها:
— ما غرفة الاسم؟
— الغرفة التي لا تحتفظ بصور الناس، بل بالأسماء التي فقدوها.
— وكيف يمكن أن يكون للاسم غرفة؟
جلست الأم على حافة السرير.
— المنارة ليست بناءً عاديًّا، يا ليلى. إنها مكان تتراكم فيه الأشياء التي يعجز أصحابها عن الاحتفاظ بها: الذكريات، والوعود، والأسماء، وأحيانًا السنوات نفسها.
— وهل يمكن أن نجد آدم هناك؟
— إذا لم يكن قد نسي اسمه بعد.
توقفت ليلى عن تقليب الصفحات.
— ماذا يحدث إذا نسي اسمه؟
نظرت أمها إلى المرآة المغطاة.
— يصبح من حق المنارة أن تختار له اسمًا جديدًا.
— وماذا يعني ذلك؟
أجابت الأم بصوت متهدج:
— يعني أنه لن يكون آدم الذي نعرفه بعد الآن.
في الصفحة الأخيرة من الدفتر، وجدت ليلى رسمًا صغيرًا لقلادة زجاجية زرقاء، تشبه تمامًا القلادة التي يحملها آدم.
وتحت الرسم كُتبت كلمات لم تكن موجهة إليها وحدها:
«إلى آدم، إن كنت ما زلت تتذكر كيف تقرأ.
لم تكن مريم أول من دخل الغرفة الثالثة عشرة.
ولم تكن ليلى أول من خرج منها.
أما أنت، فقد دخلتها ثلاث مرات، وفي كل مرة خرجتَ منها ناقصًا شيئًا.
في المرة الأولى فقدتَ اسم أمك.
في المرة الثانية فقدتَ صوت مريم.
وفي المرة الثالثة، ستفقد السبب الذي يجعلك ترغب في العودة.»
شعرت ليلى بأن أصابعها بردت.
— أمي، ماذا يعني هذا؟
لم تنظر الأم إليها.
— يعني أن آدم لم يكن يبحث عن مريم وحدها.
— عن ماذا كان يبحث إذن؟
صمتت الأم طويلًا، ثم قالت:
— عن الشخص الذي وعده، قبل تسعة وثلاثين عامًا، بأنه لن يتركه وحيدًا.
— مريم؟
هزت الأم رأسها.
— لا.
رفعت ليلى عينيها إليها.
— من إذن؟
لكن الأم لم تجب.
فقد جاء من داخل المرآة صوت طرق خافت.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل يهمس:
— ليلى… هل تتذكرين اسمي؟
لم تنتظر ليلى موافقة أمها.
رفعت القماش عن المرآة.
لم يظهر انعكاسها هذه المرة. رأت ممرًّا طويلًا تكسوه طبقة من الضباب الأزرق، وعلى جانبيه أبواب كثيرة، لكل باب مقبض مختلف.
وفي نهاية الممر، كان آدم جالسًا على الأرض، مسندًا ظهره إلى الجدار.
لم يكن مصابًا، ولم تظهر عليه علامات الألم. لكنه كان يحدق في يديه بارتباك، كأنهما غريبتان عنه.
اقتربت ليلى من الزجاج.
— آدم!
رفع رأسه.
لم يتعرف إليها.
— من أنتِ؟
انقبض قلبها، لكنها أجبرت نفسها على الكلام بهدوء.
— أنا ليلى. جئت لأعيدك إلى البيت.
نظر إليها بشك.
— ليلى؟
كرر الاسم، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
— كان لديّ شخص بهذا الاسم.
— لا، يا آدم. أنا ذلك الشخص.
هز رأسه.
— لا أتذكر وجهك.
ابتلعت دموعها.
— لا بأس. سأجعلك تتذكر.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— هل كنتِ صديقتي؟
لم تستطع الإجابة فورًا.
تذكرت كل ما مرّا به منذ لقائهما الأول، تحذيراته، أسراره، النظرات التي كان يصرفها عنها كلما اقتربت منه أكثر مما ينبغي.
ثم تذكرت جملة المرأة في المرآة:
«لا تثقي بآدم عندما يتذكّر.»
قالت أخيرًا:
— كنتَ الشخص الذي وعدني ألا يتركني وحدي.
خفض آدم رأسه.
— يبدو أنني أخلفت وعدًا آخر.
ثم رفع عينيه إليها فجأة.
— هل أحببتك؟
توقفت أنفاسها للحظة.
لم يكن السؤال اعترافًا، بل سؤال رجل يحاول فهم حياته من خلال شخص غريب يقف خلف الزجاج.
أجابت بصوت خافت:
— لا أعرف.
لكنها كانت تعرف أنها بدأت تخاف من اليوم الذي قد يتذكر فيه آدم كل شيء، أكثر مما تخاف من اليوم الذي ينساه فيه.
ظهر باب جديد في نهاية الممر.
كان مختلفًا عن الأبواب الأخرى؛ أسود، بلا مقبض، وفي وسطه فتحة على شكل هلال يحتضن عينًا مفتوحة.
توهج المفتاح النحاسي في جيب ليلى.
فهمت عندها أن المرآة ليست نافذة فقط.
إنها مدخل.
لكن حين رفعت يدها لتلمس الزجاج، أمسكت أمها بمعصمها بقوة.
— لا تدخلي.
— إنه هناك!
— أعرف.
— إذن ساعديني على إخراجه!
اقتربت الأم منها، وامتلأت عيناها بالدموع.
— إذا دخلتِ الآن، فستفقدين شيئًا لا تستطيعين استعادته.
— وماذا سأفقد؟
لم تجب الأم.
تذكرت ليلى التحذير المحفور في دفتر أبيها: لا تصدق الذاكرة حين تختلف مع القلب.
ثم نظرت إلى آدم خلف الزجاج.
كان يحاول الوقوف، لكنه تعثر وسقط على ركبتيه.
صرخ:
— ليلى! لا تدخلي!
تجمدت.
رفع رأسه إليها، وظهرت في عينيه لمحة من الذعر لم تستطع تفسيرها.
— مهما قلتُ لكِ هناك… لا تصدقيني!
ثم انطفأ الضوء الأزرق في الممر.
واختفى آدم.
تراجعت ليلى عن المرآة، فيما ظلت أمها تمسك بيدها.
— لماذا قال ذلك؟ سألتها ليلى.
أجابت الأم:
— لأنه بدأ يتذكر.
— لكنك قلتِ إنه نسي اسمه!
— النسيان ليس طريقًا يسير في اتجاه واحد. أحيانًا تعود الذكريات، لكنها تعود مشوهة، أو تختلط بذكريات أشخاص آخرين. ولهذا أخشى أن يعود آدم إليكِ وهو يتذكر أشياء لم تحدث له، وينسى الأشياء التي عاشها معكِ.
جلست ليلى على الأرض.
— كيف أنقذه إذن؟
جلست أمها إلى جانبها، وضمتها إلى صدرها كما كانت تفعل حين كانت طفلة.
— ابحثي عن اسمه الحقيقي.
رفعت ليلى رأسها.
— اسمه الحقيقي؟ اسمه آدم!
— هذا الاسم الذي يعرفه الناس. أما اسمه الأول، الاسم الذي كان يحمله قبل أن يدخل المنارة للمرة الأولى، فقد أخفاه والدك في مكان لا يستطيع الظل الأسود الوصول إليه.
— أين؟
أغمضت الأم عينيها.
— في قبر مريم.
مع أول ضوء للفجر، خرجت ليلى إلى المقبرة القديمة قرب الغابة.
كانت أمها قد رفضت مرافقتها، واكتفت بإعطائها مفتاحًا صغيرًا وقطعة قماش زرقاء.
قالت لها قبل أن تغادر:
— إذا وجدتِ على القبر وردة بيضاء، فلا تلمسيها. وإذا وجدتِ وردة سوداء، فلا تتركيها خلفك.
لم تفهم ليلى المقصود، لكنها احتفظت بالكلمات في ذاكرتها.
كان القبر في أقصى المقبرة، تحت شجرة سرو ضخمة، بعيدًا عن بقية القبور. لم يكن يحمل سوى اسم واحد:
مريم — 17 أكتوبر 1987.
لا تاريخ ولادة، ولا عبارة رثاء.
وضعت ليلى يدها على الحجر البارد.
— إن كنتِ تسمعينني، فأنا لا أريد أن آخذ مكانك. أريد فقط أن أعيده.
هبّت ريح خفيفة، فسقطت ورقة يابسة قرب قدميها.
ثم ظهر صوت من خلف الشجرة:
— إنه لم يكن لكِ حتى تعيديه.
استدارت ليلى.
كان الرجل المقنّع يقف بين الأشجار، يحمل مصباحه الأحمر.
لم تتحرك.
قال الرجل:
— أخبركِ آدم أنه يبحث عن أخته، أليس كذلك؟
— نعم.
— وهل أخبركِ أنه هو من أغلق الباب عليها؟
تسارعت دقات قلبها.
— قال إنه حاول إنقاذها.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
— كل من يدخل المنارة يملك رواية جميلة عن السبب الذي دفعه إلى ذلك.
تقدّم خطوة، فرفعت ليلى المفتاح النحاسي أمامها.
توقف الرجل.
للمرة الأولى، بدا عليه الخوف.
— من أين حصلتِ على هذا؟
— من أبي.
— أبوكِ لم يكن يملك حق الاحتفاظ به.
— لكنه احتفظ به. وأنت لا تستطيع أخذه.
مال الرجل برأسه قليلًا.
— أنتِ لا تعرفين حتى ما الذي يفتحه.
— إذن أخبرني.
صمت لحظة، ثم قال:
— يفتح الباب الذي خرجتِ منه أنتِ، يا ليلى.
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
— أنا لم أخرج من أي باب.
— حقًّا؟
رفع المصباح الأحمر نحو قبر مريم.
تحت ضوءه، ظهرت كلمات لم تكن ليلى قد رأتها من قبل، محفورة على الحجر أسفل الاسم:
«إلى مريم، التي بقيت خلف الباب كي تعود ليلى إلى العالم.»
شهقت ليلى.
— ماذا تعني هذه العبارة؟
اقترب الرجل المقنّع حتى لم يفصل بينهما سوى خطوات قليلة.
— تعني أن حياتكِ كانت ثمنًا دفعه شخص آخر.
— من؟
لم يجب.
لكن من خلفه، انطلقت ضحكة امرأة.
ضحكة هادئة، مألوفة، لا يمكن أن تخطئها ليلى.
التفت الرجل المقنّع نحو الأشجار.
وفي تلك اللحظة، خرجت من بين الظلال امرأة ترتدي ثوبًا أبيض، وشعرها الأسود ينساب على كتفيها.
كانت تشبه المرأة التي رأتها ليلى في الصورة القديمة.
تشبه إيلارا.
لكنها كانت أكبر سنًّا، ووجهها شاحب، وعلى حاجبها الأيسر ندبة صغيرة.
ندبة تشبه ندبة ليلى.
نظرت المرأة إلى ليلى، ثم قالت:
— تأخرتِ كثيرًا يا ابنتي.
سقط المفتاح من يد ليلى.
لم تكن المرأة تنظر إليها وحدها.
كانت تنظر إلى بطنها، ثم إلى وجهها، وكأنها تتأكد من شيء لا تستطيع ليلى فهمه.
تقدّم الرجل المقنّع ليقف بينهما.
— ليس الآن.
لكن المرأة تجاهلته، ومدت يدها نحو ليلى.
— تعالي. سأخبركِ لماذا لم يكبر آدم يومًا، ولماذا لم أمت أنا، ولماذا كُتبت رسالتكِ من المستقبل قبل أن تولدي من جديد.
تراجعت ليلى خطوة.
— من أنتِ؟
ابتسمت المرأة بحزن.
— أنا مريم.
ثم نظرت إلى القبر خلفها، وأضافت:
— أما التي دُفنت هنا، فهي المرأة التي تظنين أنكِ أنتِ.
في الفصل الثامن: «القبر الذي يحمل اسمين» — ستواجه ليلى حقيقة مريم، ويبدأ الشك في هوية المرأة المدفونة تحت شجرة السرو. لكن السؤال الأخطر لن يكون من مات ومن بقي حيًّا، بل: من منهما يملك الحق في العودة؟