NOVELFLEX

سبع ليالٍ من النسيان

ظل القمر على شاطئ السد · بقلم @mawaraa.alhibr

«ليست كل الذكريات التي نفقدها تموت، فبعضها يبقى حيًّا في قلوب الآخرين، ينتظر اللحظة المناسبة ليعود إلينا… وبعضها يعود لينتقم.»

لم تنم ليلى تلك الليلة.

جلست قرب النافذة، والرسالة المختومة بالشمع الأزرق بين يديها، تقرأ الكلمات نفسها للمرة العشرين، كأنها تنتظر أن تتغير أمام عينيها.

«حين تدق الساعة للمرة الثالثة عشرة، لا تبحثي عن مريم. ابحثي عن نفسك.»

ليلى، السابع عشر من أكتوبر سنة 2047.

لم يكن الأمر مجرد رسالة من المستقبل. كان هناك شيء آخر أخافها أكثر من استحالة وصولها: الطريقة التي كُتبت بها الجملة الأخيرة. انحناءة حرف اللام، النقطة الصغيرة التي وضعتها كاتبتها فوق الياء، والخط الخفيف الذي يشبه الندبة قرب نهاية التوقيع.

كل شيء كان لها.

حتى الخطأ الصغير في كلمة «نفسك»، حين كتبتها في البداية «نفسِك» ثم صححتها.

كانت ليلى تفعل ذلك دائمًا.

رفعت رأسها نحو المرآة المقابلة. لم يظهر فيها سوى انعكاس غرفتها المعتمة، والستائر التي تتحرك رغم أن النافذة مغلقة.

ثم ظهر شيء خلف كتفها.

ظلّ طويل.

استدارت بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

عادت إلى المرآة، فوجدت انعكاسها يبتسم.

لكنها لم تكن تبتسم.

تراجعت حتى اصطدم ظهرها بالجدار، وفي اللحظة نفسها انطفأ المصباح.

جاءها صوت خافت من داخل المرآة:

— بقيت ست ليالٍ.

ثم عاد الضوء، وعاد انعكاسها طبيعيًّا.

لكن الرسالة اختفت من يدها.

في الطابق السفلي، كانت أمها تجلس أمام آدم، وبينهما كوبان من الشاي لم يقترب منهما أحد.

لم تكن تنظر إليه بفضول امرأة تقابل شخصًا من الماضي، بل بخوف شخص يعرف أن الماضي لم ينتهِ يومًا.

قالت بصوت خفيض:

— وعدتني أنك لن تعود.

أجاب آدم:

— لم أعد من أجلي.

— هذا ما قلته في المرة السابقة.

سكت قليلًا، ثم نظر إلى يديه. كان يحدق في أصابعه كأنه يحاول تذكّر شكلها، أو ربما كان يخشى أن ينساها هي الأخرى.

— كم بقي لها من الوقت؟ سألته الأم.

لم يجب.

ضربت الطاولة بكفها.

— آدم!

رفع عينيه إليها.

— سبع ليالٍ. وربما أقل.

أغمضت الأم عينيها، وخرج من صدرها صوت يشبه الأنين.

— لم يكن ينبغي أن تقترب منها.

— أعرف.

— ولم يكن ينبغي أن تسمح لها بتذكّر أي شيء.

— لم أفعل. هي التي بدأت تتذكّر.

نهضت الأم من مكانها، واتجهت إلى الخزانة القديمة قرب المدفأة. أخرجت منها صندوقًا خشبيًّا صغيرًا، ثم وضعته أمامه.

— إذن حان الوقت لتعرف الحقيقة التي أخفيتها عنكما.

فتح آدم الصندوق.

في داخله كانت هناك خصلة شعر سوداء، ومفتاح صغير صدئ، وصورة لطفلة لا يتجاوز عمرها السادسة.

كانت الطفلة ليلى.

لكنها لم تكن وحدها في الصورة.

خلفها وقفت امرأة ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا، وتمد يدها نحو كتف الطفلة. لم يظهر وجه المرأة كاملًا، إلا أن عينيها كانتا واضحتين.

عينان بلون البحر قبل العاصفة.

همس آدم:

— إيلارا.

أجابت الأم:

— لا. هذه ليست إيلارا.

رفع رأسه ببطء.

— ماذا تقصدين؟

وضعت الأم إصبعها على وجه المرأة في الصورة.

— هذه أنا.

حين نزلت ليلى إلى الطابق السفلي، وجدت أمها تقف أمام النافذة، بينما كان آدم يحمل الصورة القديمة.

توقفت عند آخر درجة.

— أمي؟

التفتت الأم إليها، وللمرة الأولى منذ عودتها، لم تحاول إخفاء خوفها.

— تعالي يا ليلى. حان الوقت لأخبرك بما حدث في تلك الليلة.

جلست ليلى قبالتها. بقي آدم واقفًا، كأنه لا يملك الحق في الجلوس بينهما.

قالت الأم:

— عندما كنتِ في السادسة، استيقظتُ في منتصف الليل ولم أجدك في سريرك. بحثت عنك في البيت، ثم في الحديقة، ثم في الغابة. كان والدك قد خرج قبل ساعات ولم يعد. وعندما اقترب الفجر، وجدتك عند باب المنارة.

— وحدي؟

ترددت الأم.

— لا.

نظرت ليلى إلى آدم.

— كنت معه؟

هزّ رأسه ببطء.

— كنتُ أحملك عندما وجدناك.

— إذن لماذا قلت إنني اختفيت داخل المنارة؟

لم يجب فورًا.

تدخلت الأم:

— لأنني لم أكن أعرف كيف أشرح ما رأيته.

— وما الذي رأيتِه؟

جلست الأم أخيرًا، وضمت يديها إلى صدرها.

— رأيتك تخرجين من المنارة وأنت ترددين اسم امرأة لم أسمع به من قبل. كنتِ تبكين وتقولين إنها بقيت خلف الباب، وإنها وعدتك بأن تعود.

شعرت ليلى ببرودة تسري في ذراعيها.

— من كانت المرأة؟

— لا أعرف. لكن والدك عرفها حين أخبرناه بما حدث.

— وماذا قال؟

نظرت الأم إلى آدم، ثم عادت بعينيها إلى ابنتها.

— قال إنك لم تكوني في المنارة تلك الليلة لتُختطفي، بل لأنك كنتِ تحاولين العودة إلى مكان تتذكرينه.

— كيف يمكن لطفلة في السادسة أن تتذكر مكانًا لم تدخله من قبل؟

همست الأم:

— لأنك، يا ليلى، لم تدخليه للمرة الأولى.

ساد الصمت.

ثم قالت ليلى، بصوت بالكاد سمعته هي نفسها:

— كم مرة دخلته؟

لم تجب أمها.

كان آدم هو من تكلم.

— لا نعرف.

في الخارج، أخذ الضباب يزحف من جهة البحر.

وقف آدم أمام باب المنزل، يحدق في الطريق المؤدي إلى الغابة. كانت أصوات الأمواج تصل إليه متقطعة، كأن البحر يحاول أن يقول شيئًا ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.

خرجت ليلى خلفه.

— لماذا لم تخبرني بالحقيقة منذ البداية؟

— لأن الحقيقة لا تأتي كاملة. تأتي على هيئة شظايا، وإذا جمعتها قبل أوانها، جرحتك.

— وهل تحاول حمايتي أم حماية نفسك؟

التفت إليها.

كان في عينيه تعب لم تره من قبل، تعب رجل قضى سنوات طويلة في مطاردة شيء لا يستطيع الوصول إليه.

— لا أعرف، يا ليلى.

أربكتها إجابته أكثر من أي كذبة.

اقتربت منه خطوة.

— الرسالة التي وصلتني من المستقبل… هل تعتقد أنها حقيقية؟

— نعم.

— وهل سأصل إلى عام 2047؟

تأمل وجهها طويلًا.

— هذا ما أخشاه.

شعرت بشيء ينقبض في صدرها.

— لماذا؟

خفض عينيه نحو يده. كانت أصابعه ترتجف قليلًا.

— لأنني لا أعتقد أنني سأكون معك حينها.

مدت ليلى يدها دون تفكير، وأمسكت بيده.

في اللحظة التي تلامست فيها أصابعهما، انبثق ضوء أزرق خافت من تحت جلده.

شهق آدم وسحب يده، لكن الأوان كان قد فات.

تغير وجهه.

اختفت الصلابة التي اعتادت رؤيتها فيه، وحلّ محلها ذهول طفل تائه.

نظر إليها طويلًا، ثم سألها:

— من أنتِ؟

تجمدت ليلى.

— آدم، ماذا تقول؟

تراجع خطوة، وأخذ يتفحص وجهها كأنه يراه للمرة الأولى.

— أنا… أعرف هذا الوجه.

وضع يده على جبينه.

— أعرف عينيك. أعرف صوتك. لكنني لا أتذكر اسمك.

اقتربت منه، والدموع تتجمع في عينيها.

— اسمي ليلى.

كرر الاسم ببطء:

— ليلى.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، حزينة، كأن الاسم فتح بابًا بعيدًا في داخله.

— ليلى… كنت أعرف أنني سأحب هذا الاسم.

انقبض قلبها.

— هل تذكرتني؟

هزّ رأسه.

— لا.

ثم نظر إليها بخوف صادق.

— لكنني أشعر أنني فقدتك من قبل.

في تلك الليلة، لم تعد ليلى إلى غرفتها.

جلست قرب آدم في الصالة، تراقب وجهه وهو يحاول استعادة ما فقده. كان يتذكر أشياء صغيرة ثم ينساها بعد دقائق: اسم الطريق المؤدي إلى المنارة، لون باب بيت أبيها، وحتى صوت أخته مريم.

كلما حاول أن يستحضر وجهها، كان يضغط أصابعه على صدغيه، ويغمض عينيه بقوة.

وفي إحدى المرات، قال فجأة:

— كانت تخاف من الظلام.

سألته ليلى:

— مريم؟

أومأ.

— كانت تترك المصباح مضاءً طوال الليل. وكانت تقول إن الظلام لا يخيفها، بل الأصوات التي تأتي منه.

ابتسم ابتسامة شاحبة.

— كانت تكذب. كانت تخاف من كل شيء تقريبًا، لكنها لم تكن تخاف من أجلي.

سكت.

ثم قال بصوت متكسر:

— لا أستطيع تذكّر ضحكتها.

لم تعرف ليلى ماذا تقول.

فمدت يدها إليه، لكنه نظر إلى يدها وكأنه لا يفهم سبب اقترابها.

عندها أدركت أن النسيان لم يعد احتمالًا بعيدًا.

لقد بدأ بالفعل.

قرب منتصف الليل، سمعت ليلى صوت خطوات في الممر.

كان آدم نائمًا على الأريكة، وقد غلبه التعب أخيرًا. أما أمها فكانت في غرفتها، والبيت غارق في السكون.

خرجت ليلى من الصالة، وتتبعت الخطوات حتى وصلت إلى باب الغرفة العلوية.

الغرفة التي حذرها آدم من دخولها.

كان الباب مفتوحًا هذه المرة.

دفعتْه ببطء.

في الداخل، لم تجد سوى ساعة قديمة معلقة على الجدار، وخزانة خشبية، ومرآة طويلة مغطاة بقماش أبيض.

كانت الساعة متوقفة عند الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة.

اقتربت ليلى منها، فلاحظت شيئًا محفورًا على إطارها:

«لا يُقاس الزمن بما يمضي، بل بما ننساه.»

وتحت العبارة، وجدت ثلاثة أسماء:

مريم.

آدم.

ليلى.

لكن اسمها لم يكن مكتوبًا بالحبر أو محفورًا على الخشب.

كان محفورًا على طبقة زجاجية رقيقة، خلف وجه الساعة.

مدت يدها لتلمسه.

فدارت العقارب فجأة.

دقة واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

وعند الدقة الثالثة عشرة، انزاح القماش عن المرآة وحده.

لم ترَ ليلى انعكاسها.

رأت امرأة تشبهها تمامًا، أكبر منها سنًّا بعشرين عامًا تقريبًا. كانت ترتدي ثوبًا أسود، وشعرها يتدلى على كتفيها، وعلى حاجبها الأيسر الندبة الصغيرة نفسها.

كانت تلك المرأة تبكي.

وضعت كفها على الزجاج، وقالت بصوت مرتجف:

— لا تثقي بآدم عندما يتذكّر.

حبست ليلى أنفاسها.

— من أنتِ؟

اقتربت المرأة من المرآة، وهمست:

— أنا أنتِ، بعد أن عرفت الحقيقة.

— أي حقيقة؟

رفعت المرأة عينيها. كان فيهما حزن عميق، وخوف لم تستطع ليلى فهمه.

— أنك لم تكوني يومًا المفتاح.

تراجعت ليلى.

— ماذا تقصدين؟

أجابت المرأة:

— أنتِ الباب.

ثم انطفأت الساعة.

وقبل أن تختفي صورتها، قالت المرأة جملة أخيرة:

— وفي الليلة السابعة، سيطلب منك آدم أن تقتليه.

استيقظ آدم على صرخة ليلى.

ركض إلى الغرفة العلوية، فوجدها جالسة على الأرض أمام المرآة، ووجهها شاحب كأنها رأت الموت بعينيها.

أمسك كتفيها.

— ماذا حدث؟

نظرت إليه طويلًا، تبحث في ملامحه عن الرجل الذي عرفته قبل دقائق، وعن الرجل الذي قد تنساه هي أيضًا ذات يوم.

— أريدك أن تجيبني عن سؤال واحد.

— اسألي.

— إذا وصلتَ إلى مريم، هل ستختارها على حسابي؟

لم يتحرك.

كان الصمت الذي أعقب سؤالها أشد قسوة من أي جواب.

ثم قال:

— لا أعرف.

أفلتت ليلى من يديه ونهضت.

— الجميع هنا لا يعرف شيئًا، ومع ذلك يريدون مني أن أثق بهم!

أمسك آدم بذراعها، ثم تركها سريعًا حين رأى الرعب في عينيها.

— ليلى، اسمعيني. مهما رأيتِ في هذه الغرفة، لا تدعيه يقرر عنكِ ما ستفعلينه.

— لقد رأيت نفسي في المستقبل. قالت إنك ستطلب مني قتلك.

تغير وجهه.

لم يسألها كيف عرفت، ولم يحاول إقناعها بأنها تتخيل.

كل ما فعله أنه أغلق عينيه للحظة طويلة.

وعندما فتحهما، كان فيهما شيء يشبه الاعتراف.

— إذن بدأ الباب يتذكر.

وقبل أن تتمكن ليلى من سؤاله عما يعنيه، دوّى صوت طرق على باب المنزل.

ثلاث طرقات بطيئة.

ثم صوت امرأة من الخارج:

— آدم؟

تصلب جسده.

همست ليلى:

— من هذه؟

لم يجب.

جاء الصوت مرة أخرى، أكثر وضوحًا:

— آدم، أنا مريم. لقد عدت.

تراجعت ليلى، بينما اندفع آدم نحو الدرج كأن سنوات عمره كلها انكمشت في تلك اللحظة.

لكن قبل أن يصل إلى الباب، صرخت ليلى:

— انتظر! لا تجب عن أي صوت يناديك من خلف باب مغلق!

توقف.

كانت القاعدة الثانية من دفتر أبيها.

ساد الصمت خلف الباب.

ثم جاءت ضحكة خافتة.

ضحكة امرأة.

ضحكة يعرفها آدم.

فجأة، سقط على ركبتيه، ووضع يديه على أذنيه.

— إنها هي… إنها ضحكتها.

اقتربت ليلى منه.

— آدم، انظر إليّ!

لكنه كان يبكي.

— تذكرتها يا ليلى. تذكرت ضحكتها!

ثم رفع رأسه نحو الباب، وقال بصوت لم تسمعه منه من قبل:

— مريم؟

في اللحظة التي نطق فيها الاسم، انفتح الباب وحده.

ولم يكن خلفه أحد.

فقط بحر أسود، وقمر أحمر، ومنارة مضاءة في قلب الماء.

وعلى عتبتها، ملقاة فوق الحجر المبلل، كانت هناك صورة قديمة.

انحنت ليلى والتقطتها.

ظهر فيها آدم شابًّا، يقف إلى جانب مريم، وبينهما طفلة صغيرة ترتدي ثوبًا أبيض.

الطفلة كانت ليلى.

لكن على ظهر الصورة كُتبت عبارة واحدة بخط أبيها:

«في المرة الأولى، أنقذ آدم ليلى. وفي المرة الثانية، ستضطر ليلى إلى الاختيار بين إنقاذه وإنقاذ العالم.»

رفعت ليلى عينيها نحو المنارة.

كان هناك شخص يقف في نافذتها العليا، يحمل مصباحًا أحمر.

الظل الأسود.

رفع الرجل يده، وأشار إليها بإصبع واحد.

ثم أطفأ المصباح.

وفي اللحظة نفسها، اختفى آدم من جانبها.

لم يبقَ سوى صوته، يتردد في الممر المظلم:

— ليلى… لا تدعيه يأخذ ذاكرتي الأخيرة.

يتبع في الفصل السابع: «الرجل الذي نسي اسمه» — حين تختفي ذاكرة آدم الأخيرة، ستكتشف ليلى أن مريم ليست الوحيدة التي تنتظر خلف باب المنارة، وأن بعض الأسرار لا تخفي الماضي فحسب، بل تصنع المستقبل أيضًا.