توقفت ليلى عن التنفس للحظات.
كان صوت والدها واضحًا هذه المرة، لا يشبه الأصوات التي اعتادت المنارة تقليدها. كان يحمل التعب نفسه، والحنان نفسه، وحتى تلك الرجفة الخفيفة التي كانت تظهر في نهاية جمله حين يحاول إخفاء خوفه عنها.
استدارت بسرعة.
— أبي؟
لم يكن هناك أحد.
لكن صوته عاد من خلفها:
— لا تنظري إلى المرآة يا ليلى. مهما سمعتِ، لا تنظري إليها.
رفعت عينيها نحو الباب الثالث عشر.
كانت الطفلة لا تزال جالسة على السرير، بينما يقف انعكاس ليلى داخل المرآة مبتسمًا.
قال الانعكاس:
— كم مرة ستصدقين الموتى؟ ألم يخبركِ أحد أن والدكِ مات وهو يحاول إخفاء الحقيقة عنكِ؟
صرخت ليلى:
— اصمتي!
اختفت الابتسامة عن وجه الانعكاس.
ثم اقترب حتى التصق وجهه بالزجاج.
— أنا لستُ عدوّتكِ. أنا الجزء الذي حُرم من الحياة كي تعيشي أنتِ.
أمسكت الأم بيد ليلى وسحبتها بعيدًا عن الباب.
— يجب أن نغلقه.
لكن ليلى لم تتحرك.
— أريد أن أعرف ماذا تركت إيلارا داخله.
نظرت الأم إلى آدم، ثم قالت:
— لم تكن إيلارا امرأة عادية. كانت صاحبة الاسم الأول، والطفلة التي عبرت المنارة قبل أن تُصبح ليلى. عندما خرجت من الغرفة الثالثة عشرة، لم تخرج وحدها.
— ماذا خرج معها؟
خفضت الأم رأسها.
— خرجت معها روح أخرى... أو ذكرى، لا أعرف كيف أصفها. كانت المنارة قد فصلت شيئًا عنها، شيئًا لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه.
قال آدم بصوت متعب:
— قلبها.
التفتت ليلى إليه.
كان يحدّق في الباب كأنه يرى مشهدًا قديمًا يعود إليه ببطء.
— إيلارا تركت قلبها هناك، لا بمعناه الحقيقي... بل تركت قدرتها على الشعور، على الحب، وعلى تذكّر من كانت. وحين خرجت، أخذت معها جسدًا جديدًا واسمًا جديدًا.
— وهل أنا ذلك الجسد؟
لم يجب آدم.
لكن صمته كان كافيًا ليجعل ليلى تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها.
فجأة، انفتح الدفتر الأسود على المكتب من تلقاء نفسه.
تقلبت صفحاته بسرعة حتى توقفت عند صفحة لم تكن مكتوبة من قبل.
ظهرت الكلمات أمام أعينهم، حرفًا بعد حرف:
«إذا وصلت صاحبة الاسم إلى الباب الثالث عشر، فعليها أن تختار بين ثلاثة أشياء:
أن تستعيد اسمها، فتفقد حياتها كما تعرفها.
أو أن تستعيد قلبها، فيعود كل من فقدته المنارة.
أو أن تترك الباب مفتوحًا، فيخرج ما لم يكن يجب أن يُخلق.»
قرأت ليلى الكلمات أكثر من مرة.
— من كتب هذا؟
أجابت الأم:
— والدكِ.
— ومتى؟
أشارت الأم إلى أسفل الصفحة.
كان التاريخ مكتوبًا بخط صغير:
17 أكتوبر 2047.
شهقت ليلى.
— لكن هذا التاريخ لم يأتِ بعد!
اقترب آدم من الدفتر، ثم لمس التاريخ بإصبعه.
وفجأة تراجع كأن الصفحة أحرقته.
— لا... هذا ليس خط والدكِ.
— كيف عرفت؟
رفع عينيه إليها.
— لأنني أنا من كتبه.
ساد الصمت.
في الخارج، بدأت الرياح تعصف بالأشجار، رغم أن السماء كانت ساكنة قبل لحظات.
ومن داخل الغرفة الثالثة عشرة، خرج صوت الطفلة مجددًا:
— ليلى...
هذه المرة لم يقل الصوت «أمي».
بل نطق اسمها كما لو كان يعرفها منذ زمن بعيد.
اقتربت ليلى خطوة.
— نور؟
أجابت الطفلة:
— لا تدعي المرأة التي معكِ تكذب عليكِ.
تصلبت الأم.
قالت ليلى:
— أي امرأة؟
— المرأة التي ربّتكِ... ليست المرأة التي حملتكِ أول مرة.
نظرت ليلى إلى أمها.
كانت الدموع تنساب على وجهها، لكنها لم تحاول الدفاع عن نفسها.
— أمي، هل هذا صحيح؟
قالت الأم:
— حملتكِ بين ذراعيّ منذ اللحظة التي خرجتِ فيها من المنارة. أحببتكِ كما لو أنني أنجبتكِ، ولم أندم يومًا على ذلك.
— لم أسألكِ إن كنتِ تحبينني. سألتكِ من تكون المرأة التي حملتني أول مرة.
خفضت الأم عينيها.
ثم قالت:
— مريم.
ارتجف آدم.
— مريم؟
أومأت الأم.
— كانت مريم تحمل طفلة عندما دخلت المنارة. لكنها لم تخرج بها. خرجت وحدها، وبقيت الطفلة في الداخل. وبعد سنوات، عاد والدكِ إلى المنارة، ووجد طفلة أخرى تحمل ملامح تلك التي تركتها مريم.
نظر آدم إلى ليلى، وقد بدأ وجهه يفقد لونه.
— إذن... أنتِ لستِ نور؟
قالت الأم:
— لا أعرف.
في تلك اللحظة، دوّى صوت ارتطام قوي من داخل الباب.
ثم خرجت الطفلة من الغرفة الثالثة عشرة.
كانت ترتدي ثوبًا أبيض قديمًا، وعلى معصمها السوار الأزرق نفسه.
ركضت ليلى نحوها دون تفكير.
لكن آدم أمسك بذراعها.
— انتظري!
صرخت ليلى:
— اتركني! إنها نور!
قال آدم:
— انظري إلى قدميها.
نظرت ليلى إلى الأرض.
كانت الطفلة واقفة أمام الباب، لكن ظلها لم يكن يتجه نحو الضوء.
كان ظلها يتجه إلى الخلف، نحو الغرفة التي خرجت منها.
ثم بدأ الظل يتحرك وحده.
رفع رأسه.
وتكلم بصوت امرأة:
— اشتقت إليكِ يا آدم.
تجمّد آدم.
كان الصوت صوت مريم.
ظهرت ابتسامة حزينة على وجه الطفلة، ثم بدأت ملامحها تتغير ببطء. اختفى وجه نور، وظهر وجه امرأة شابة تشبه المرأة التي رآها آدم في الصور القديمة.
همس:
— مريم...
مدّت المرأة يدها إليه.
— لقد بحثت عني طويلًا.
خطا آدم نحوها، لكن ليلى أمسكت بيده.
— لا تذهب.
نظر إليها، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
— هذا صوتها يا ليلى. أتذكره الآن.
قالت المرأة:
— تعالَ، لقد انتهى انتظارنا.
ثم أضافت:
— لكن لا تأخذ ليلى معك. إنها ليست ابنتنا.
ارتجفت يد آدم داخل يد ليلى.
ابتسمت المرأة ابتسامة غريبة.
— اسألها عن الاسم الذي ناديتها به في تلك الليلة. اسألها من كانت قبل أن تصبح ليلى.
أخرجت ليلى المفتاح النحاسي.
اشتعل الرمز الأزرق في وسطه، وظهر على جدار الغرفة نقش لم تره من قبل:
«لا يمكن استعادة الاسم إلا بحضور من نسيه أولًا.»
نظرت إلى آدم.
— أنت نسيت اسمي، أليس كذلك؟
أغمض عينيه.
— نعم.
— لكنك تتذكر إيلارا.
— نعم.
اقتربت منه أكثر.
— إذن ربما أنت الوحيد الذي يستطيع مساعدتي.
رفع آدم عينيه إليها.
وفي تلك اللحظة، سقطت من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
التقطتها ليلى وفتحتها.
كانت مكتوبة بخط آدم:
«إذا قرأتِ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني تذكرت الحقيقة أخيرًا.
ليلى ليست إيلارا.
وإيلارا ليست مريم.
أما نور... فلم تكن يومًا الطفلة التي انتظرنا عودتها.
لقد كانت الاسم الذي أعطته المنارة لشيء لم يكن له اسم.»
توقفت ليلى عند الجملة الأخيرة.
ثم قلبت الورقة.
وجدت سطرًا إضافيًا، مكتوبًا بحروف مرتجفة:
«لا تسمحي لها بلمس يدكِ. إنها ليست نور.»
رفعت ليلى رأسها بسرعة.
لكن المرأة لم تعد واقفة أمام الباب.
لقد اختفت.
وكان آدم قد اختفى معها.
لم يبقَ سوى المفتاح النحاسي على الأرض، والباب الثالث عشر المفتوح على مصراعيه.
ومن عمق الغرفة، جاء صوت آدم:
— ليلى... لا تبحثي عني.
ثم سمعت صوتًا آخر، يشبه صوتها تمامًا:
— بل ابحثي عني أنا.
وعلى المرآة داخل الغرفة، ظهرت عبارة أخيرة:
«لقد عاد الحارس إلى مكانه... والآن حان وقت خروج صاحبة الباب.»
ما تركته إيلارا خلفها
ظل القمر على شاطئ السد · بقلم @ma waraa.alhibr