لم تتحرك ليلى.
كانت تحدّق في العبارة التي ظهرت على المرآة، بينما يتردد صوتها الآخر في أرجاء الغرفة:
— بل ابحثي عني أنا...
اقتربت الأم منها، وأمسكت كتفيها.
— ابتعدي عن المرآة يا ليلى.
لكن ليلى لم تستجب.
— أين ذهب آدم؟
— عاد إلى المكان الذي ينتمي إليه.
— أي مكان؟
أجابت الأم بصوت مرتجف:
— خلف الباب.
نظرت ليلى إلى الغرفة الثالثة عشرة. لم يكن هناك أثر للمرأة التي تشبه مريم، ولا لآدم. فقط سرير قديم، ومرآة طويلة، ونافذة تطل على بحر أسود لا تعكس القمر.
قالت ليلى:
— سأذهب إليه.
اعترضت أمها:
— لن تخرجي من هذه الغرفة كما دخلتِها.
— لقد تركته هناك وحده. لن أكرر الخطأ نفسه.
أمسكت الأم بيدها بقوة.
— في المرة السابقة، لم يكن آدم وحده من بقي خلف الباب. لقد بقي شيء منكِ أيضًا، ولهذا عادت المنارة تطلبكِ.
مدّت ليلى يدها نحو المرآة.
كان سطحها باردًا، لكنه لم يكن صلبًا كما توقعت. حين لامسته بأطراف أصابعها، تموّج الزجاج كأنها لمست سطح ماء ساكن.
ظهرت خلف انعكاسها فتاة صغيرة.
كانت في السادسة من عمرها، ترتدي فستانًا أبيض، وتمسك بدمية فقدت إحدى عينيها.
عرفتها ليلى فورًا.
كانت هي.
قالت الطفلة:
— لماذا تأخرتِ؟
همست ليلى:
— من أنتِ؟
ابتسمت الطفلة بحزن.
— أنتِ التي نسيتِني.
— هل أنتِ إيلارا؟
هزّت رأسها.
— إيلارا اسم أخذوه منكِ، وليلى اسم أعطوكِ إياه. لكنني لستُ أيًّا منهما.
اقتربت الطفلة من المرآة حتى أصبح وجهها قريبًا من وجه ليلى.
— أنا الذكرى التي تركتِها هنا عندما اخترتِ الخروج.
تراجعت ليلى.
— وماذا تريدين مني؟
— أن تتذكري لماذا أغلقتِ الباب على آدم.
فتحت الأم الدفتر الأسود بسرعة.
كانت تقلب صفحاته وهي تتمتم:
— لا... ليس الآن... لا ينبغي أن يحدث هذا الآن.
لاحظت ليلى ارتباكها.
— ماذا تعرفين؟
أخرجت الأم ورقة صفراء من بين الصفحات.
كانت رسالة من والد ليلى، موجهة إلى أمها.
قرأت بصوت مرتعش:
«إذا بدأت الطفلة برؤية نفسها في المرآة، فهذا يعني أن الجزء الذي تركته إيلارا قد استيقظ. لا تحاولي إيقافها، ولا تخبريها أنها اختارت آدم من قبل. الحقيقة يجب أن تأتي منها، وإلا ستصبح المنارة صاحبة القرار.»
توقفت الأم عن القراءة.
رفعت ليلى رأسها.
— اخترت آدم؟ ماذا حدث في المرة السابقة؟
لم تجب الأم.
فقالت ليلى بحدة:
— لقد تعبت من الأسرار. أريد الحقيقة كاملة!
أغلقت الأم الرسالة، ثم نظرت إليها بعينين دامعتين.
— في تلك الليلة، كان عليكِ الاختيار بين ثلاثة أبواب. خلف الأول كانت مريم، وخلف الثاني كانت نور، وخلف الثالث كان آدم. لكنكِ لم تختاري أحدًا منهم.
— ماذا فعلت؟
— اخترتِ أن تبقي أنتِ.
داخل المرآة، اختفت الطفلة.
وحلّ مكانها ممر طويل تضيئه مصابيح زرقاء.
في نهايته وقف آدم.
كان يرتدي المعطف نفسه الذي رأته فيه أول مرة، لكنه بدا أكبر سنًا، ووجهه يحمل آثار تعب لم ترها عليه من قبل.
صرخت ليلى:
— آدم!
رفع رأسه.
— لا تقتربي!
ركضت نحو المرآة، فوضعت الأم يدها أمامها.
— لا تدخلي!
لكن ليلى لم تعد تسمع شيئًا.
خطت إلى الأمام، فابتلعها سطح المرآة.
وجدت نفسها في الممر الأزرق.
كان الهواء باردًا، والجدران مغطاة بصور قديمة. في كل صورة ظهرت ليلى بملامح مختلفة: طفلة، شابة، امرأة مسنة، وامرأة ترتدي ثوبًا أبيض وتقف أمام المنارة.
أما آدم، فكان ينتظرها في نهاية الممر.
اقتربت منه بحذر.
— هل أنت بخير؟
أجابها:
— لا أعرف.
— ماذا حدث لك؟
نظر إلى الصور.
— تذكرت بعض الأشياء. تذكرت أنني كنت هنا قبل سبعة وثلاثين عامًا، وتذكرت أنكِ كنتِ تمسكين بيدي.
توقّف قليلًا.
— وتذكرت أنني وعدتكِ ألا أترككِ.
ابتسمت ليلى رغم خوفها.
— إذن لم تنسَ كل شيء.
نظر إليها بحزن.
— لكنني تذكرت أيضًا أنني خذلتكِ.
— لم تخذلني.
— بل فعلت. عندما طلبتِ مني أن أختار بينكِ وبين نور، اخترتُ أن أنقذ الباب بدلًا من أن أنقذكِ أنتِ.
أمسكت ليلى بيده.
— لم يكن عليك أن تختار وحدك.
ابتسم آدم ابتسامة باهتة.
— هذا ما قلتهِ لي في المرة الأولى.
وفجأة، أضاءت الصور كلها في وقت واحد.
ظهرت صورة جديدة على الجدار.
كانت لليلى وآدم ومريم، يقفون أمام المنارة. وبينهم طفلة صغيرة تحمل مفتاحًا نحاسيًا.
لكن هذه المرة، لم تكن الطفلة تشبه ليلى.
كانت تشبه نور.
اقتربت ليلى من الصورة.
— من هذه الطفلة؟
أجاب آدم:
— لا أعرف.
لكن خلف الصورة ظهرت كتابة لم تكن موجودة قبل لحظات:
«نور لم تختفِ في الغرفة الثالثة عشرة. لقد خرجت منها قبل أن تدخلها ليلى.»
شهقت ليلى.
— ماذا يعني ذلك؟
اقترب آدم من الكتابة.
— يعني أن كل ما نعرفه عن تلك الليلة قد يكون خاطئًا.
وفجأة، سمعا ضحكة طفلة تأتي من خلفهما.
استدارا.
كانت نور تقف في بداية الممر.
لكنها لم تكن ترتدي ثوبها الأبيض القديم. كانت ترتدي فستانًا أزرق، وتحمل دمية ذات عين واحدة.
ابتسمت لليلى.
— أمي!
هذه المرة لم يمنع آدم ليلى من الركض نحوها.
احتضنتها ليلى بقوة، وشعرت بحرارة جسدها وارتجافها الصغير.
همست نور في أذنها:
— لا تثقي به.
تجمدت ليلى.
ابتعدت قليلًا ونظرت إلى وجه الطفلة.
— بمن؟
أشارت نور إلى آدم.
— هذا ليس أبي.
التفتت ليلى ببطء.
كان آدم لا يزال واقفًا في مكانه، لكن عينيه تغيرتا. لم يعد فيهما الضوء الأزرق الذي اعتادته.
بل ظهر في إحداهما انعكاس مصباح أحمر.
قال بصوت هادئ:
— لا تصدقيها يا ليلى.
تراجعت نور إلى الخلف.
ثم رفعت يدها وأشارت إلى الممر خلف آدم.
هناك، كان رجل يقف وسط الظلام.
رجل يحمل وجه آدم نفسه.
لكن حين رفع رأسه، أدركت ليلى الحقيقة المرعبة.
كان آدم الحقيقي هو الذي يقف في الظلام.
أما الذي أمسك بيدها طوال الطريق...
فقد بدأ وجهه يتشقق مثل مرآة قديمة.
ابتسم الرجل ذو الوجه المستعار، ثم قال بصوت والدها:
— لقد وجدتِ أخيرًا الطريق إلى الحقيقة يا ابنتي.
رفع المصباح الأحمر.
وانطفأت جميع الأضواء.
وفي الظلام، سمعت ليلى صوت نور يهمس:
— الآن فقط... سيبدأ الباب الثالث عشر بفتح عينيه.
ثم جاء صوت من عمق المنارة، صوت عميق لم تسمعه من قبل:
— أعيدوا إليّ اسمي... وإلا سأستعيد أسماءكم جميعًا.
خلف المرآة
ظل القمر على شاطئ السد · بقلم @ma waraa.alhibr