لم يكن سقوط آدم عاديًا.
حين هوى جسده على أرض الغرفة، انطفأ الضوء الأزرق الذي كان يحيط بالمفتاح النحاسي، وارتجّت النوافذ كأن عاصفة هائلة ضربت البيت من الداخل.
اندفعت ليلى نحوه.
— آدم!
جلست إلى جانبه، ورفعت رأسه بين يديها. كان وجهه شاحبًا، وأنفاسه متقطعة، أما عيناه فظلّتا مغلقتين كأنهما تبحثان عن طريق بعيد لا تستطيع الوصول إليه.
اقتربت أمها بخطوات مترددة، وهي تحدّق في الباب المضيء الذي ظهر وسط الأرضية.
— لا تلمسيه يا ليلى.
رفعت ليلى عينيها إليها.
— ماذا حدث له؟ وما علاقة إيلارا بكل هذا؟
لم تجب الأم فورًا. انحنت نحو آدم، ووضعت يدها على جبينه، ثم تراجعت فجأة.
— لقد سمع الاسم الذي حاولت المنارة إخفاءه عنه طوال هذه السنوات.
— إيلارا؟
هزّت الأم رأسها ببطء.
— ليس الاسم وحده ما يخيفني... بل ما يتذكّره عندما يسمعه.
في تلك اللحظة، تحركت أصابع آدم قليلًا. فتح عينيه بصعوبة، ونظر إلى ليلى دون أن يبدو أنه يعرفها.
— أنتِ...؟
تجمّدت ليلى.
— أنا ليلى. أنا هنا.
ظلّ يحدّق فيها طويلًا، ثم همس:
— لا... لم يكن هذا اسمك.
شعرت ليلى بأن الهواء اختفى من الغرفة.
— ماذا تقصد؟
حاول آدم النهوض، لكنه عجز. أمسك بيدها بقوة مفاجئة وقال:
— لا تدعيهم ينادونك به مرة أخرى.
— بأي اسم؟
نظر إلى الباب المضيء، ثم إلى أمها.
— إيلارا.
لم تتكلم الأم.
كان الصمت في الغرفة أشدّ رعبًا من أي اعتراف.
نهضت ليلى ببطء، واتجهت نحو المكتب القديم. فتحت الدفتر الأسود الذي تركه والدها، وبدأت تقلب صفحاته بسرعة، حتى وجدت ورقة مطوية لم ترها من قبل.
كان في أعلاها تاريخ:
17 أكتوبر 1987.
وتحت التاريخ، جملة واحدة بخط والدها:
«لم نُسمِّها ليلى حين خرجت من المنارة. كان الاسم الأول قد اختفى من ذاكرتها، فاخترنا لها اسمًا جديدًا كي تتمكن من العيش.»
تراجعت ليلى خطوة.
— أمي... ماذا فعلتم بي؟
اقتربت الأم، وقد امتلأت عيناها بالدموع.
— لم نكن نريد أن نخدعكِ.
— لكنكم فعلتم! طوال حياتي أخفيتم عني أن لي اسمًا آخر!
أمسكت الأم بالورقة، وأكملت القراءة بصوت مرتجف:
«إيلارا لم تكن طفلة عادية. كانت أول من استطاع عبور الباب الثالث عشر والعودة منه دون أن تفقد حياتها. لكنها لم تعد كاملة... فقد تركت خلفها شيئًا لا يمكن للمنارة أن تستعيده.»
رفعت ليلى رأسها.
— ماذا تركت؟
لم تجب الأم.
فجأة، سُمعت ثلاث طرقات من داخل الباب المضيء.
طرقة أولى.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وانبعث من الأرض صوت طفلة صغيرة:
— أمي...
توقفت أنفاس ليلى.
كان الصوت مألوفًا إلى حدّ الألم.
— نور؟
جاءها الرد من خلف الباب:
— لقد تأخرتِ كثيرًا هذه المرة.
اقتربت ليلى من الباب، لكن أمها أمسكت بذراعها.
— لا تفتحيه قبل أن تعرفي ما الذي ينتظركِ في الداخل.
— إنها ابنتي!
ارتجفت شفتا الأم، ثم قالت:
— نور ابنة مريم وآدم... لكن هذا لا يعني أنها تناديكِ دون سبب. المنارة لا تستخدم كلمة «أمي» عبثًا.
نظرت ليلى إلى آدم.
كان قد استعاد بعض قوته، ويحاول الوقوف مستندًا إلى طرف المكتب.
— ليلى، اسمعيني. لا تدخلي وحدكِ.
— هل تتذكرني الآن؟
لم يجب.
اقترب منها، ثم قال بصوت خافت:
— أتذكر أنني كنت أخشى فقدانكِ. لا أعرف متى بدأ ذلك، ولا لماذا... لكنني أعرف أنني لا أريد أن يحدث مرة أخرى.
لامست ليلى يده.
للحظة قصيرة، عاد الضوء الأزرق إلى المفتاح.
لكن الباب لم ينفتح.
بدلًا من ذلك، ظهرت كلمات جديدة على سطحه:
«لا يدخل الحارس مع صاحبة الاسم.»
قرأ آدم العبارة، فتغير وجهه.
— إذن هذا ما كانت تخشاه إيلارا.
سألته ليلى:
— ماذا؟
أجاب وهو ينظر إليها:
— أن أدخل معكِ... لأنني إذا دخلت، فلن أكون الحارس بعد الآن.
— وماذا ستكون؟
أغمض عينيه لحظة.
— الشخص الذي يجب أن يبقى خلف الباب.
اقتربت الأم من المكتب، وأخرجت من درج مخفي صورة قديمة.
كانت الصورة لامرأة تقف أمام المنارة، ترتدي معطفًا أبيض، وشعرها يتطاير بفعل الريح.
لم تكن المرأة تشبه ليلى فحسب.
كانت ليلى نفسها.
لكن خلفها وقف رجل يحمل مصباحًا أحمر، وبجانبه طفلة صغيرة تمسك بيده.
قلبت ليلى الصورة.
على ظهرها كُتبت عبارة:
«إلى إيلارا، من الرجل الذي وعدكِ أن يعيد اسمكِ... حتى لو نسي اسمه.»
وتحت العبارة توقيع لم تتوقعه:
آدم.
رفعت عينيها إليه.
— أنت كتبت هذا؟
حدّق آدم في الصورة، ثم وضع يده على رأسه كأن ألمًا حادًا اخترق ذاكرته.
— لا أتذكر...
لكن صوته انكسر فجأة.
— انتظري... هناك شيء...
اقترب من الصورة، وأشار إلى الطفلة الصغيرة.
— هذه الطفلة...
ثم نظر إلى ليلى.
— إنها أنتِ.
هزّت ليلى رأسها.
— لا يمكن. هذه الصورة من عام 1987!
قالت الأم بصوت يكاد لا يُسمع:
— لهذا السبب لم أخبركِ بالحقيقة. أنتِ لم تولدي في ذلك العام، يا ليلى... لكنكِ كنتِ موجودة فيه.
وقبل أن تسألها ليلى عن معنى كلماتها، انطفأ الضوء في الغرفة.
لم يبقَ سوى المصباح الأحمر.
ظهر انعكاس الرجل المقنّع على زجاج النافذة، ثم جاء صوته من خلفهم:
— لقد انتهى وقت الاختباء.
استدارت ليلى، فلم تجد أحدًا.
لكن صوت الرجل عاد، هذه المرة من داخل الباب الثالث عشر:
— أهلًا بكِ مجددًا، إيلارا.
ثم ظهرت يد صغيرة أسفل الباب.
يد طفلة ترتدي سوارًا أزرق تعرفه ليلى جيدًا.
كان سوار نور.
وسمعت ليلى صوتها للمرة الأخيرة:
— أمي... لا تدعيه يأخذ وجهي هذه المرة.
تراجعت ليلى، بينما اتسعت الشقوق المضيئة في الأرضية.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.
انفتح الباب الثالث عشر قليلًا، وظهرت خلفه غرفة تشبه غرفة ليلى في طفولتها.
على السرير كانت تجلس طفلة صغيرة، ظهرها إلى الباب، وشعرها الطويل يغطي كتفيها.
وبجانبها مرآة.
اقتربت الطفلة من المرآة، ورفعت رأسها ببطء.
لكن انعكاسها لم يكن انعكاس طفلة.
كان انعكاس ليلى، بوجهها الحالي.
ابتسم الانعكاس وقال:
— أخيرًا... جئتِ لتأخذي مكاني.
وفي اللحظة نفسها، سمعت ليلى صوت والدها من خلفها:
— لا تصدّقيها يا ابنتي... أنتِ لستِ إيلارا.
ثم أضاف بصوت مرتجف:
— أنتِ الشيء الذي تركته إيلارا داخل المنارة.
الاسم الذي أخفته المنارة
ظل القمر على شاطئ السد · بقلم @ma waraa.alhibr