«قد تنسى العقول الوجوه والأسماء، لكن القلب يحتفظ بما عجز الزمن عن محوه. وربما كان الحب أحيانًا ذاكرة لا نريد استعادتها، لأنها تذكّرنا بما فعلناه.»
لم تستطع ليلى النوم بعد اختفاء الدائرة الزرقاء.
ظلت جالسة أمام مكتب أبيها، والمفتاح النحاسي مستقر فوق كفها. كانت الكلمات المحفورة عليه تختفي وتظهر، كأن المعدن يتنفس.
«الغرفة الثالثة عشرة لا تنتظر المفتاح. إنها تنتظر صاحبتها.»
أما آدم، فكان واقفًا قرب النافذة، يراقب السماء التي بدأت تتغير ألوانها رغم أن الليل لم ينتهِ بعد.
قالت ليلى:
— أريد أن أعرف ما حدث في تلك الليلة.
لم يلتفت إليها.
— بعض الذكريات لا تعود دفعة واحدة.
— لا أريد أن أسمع تحذيرات أخرى. أريد الحقيقة.
تنهد آدم.
— حسنًا. لكن عليكِ أن تعرفي أن الحقيقة التي تبحثين عنها قد لا تكون هي الحقيقة التي تتمنينها.
— لقد تعبت من الخوف.
استدار نحوها.
— وأنا تعبت من نسيانكِ.
ساد صمت قصير بينهما.
ثم جلس قبالتها، وأخرج من جيبه القلادة الزجاجية الزرقاء.
— هذه القلادة كانت لأختي مريم. أعطتني إياها في الليلة التي دخلنا فيها المنارة.
— ولماذا تحملها؟
— لأنها آخر شيء بقي لي منها.
تأملها قليلًا، ثم أضاف:
— أو هكذا كنت أعتقد.
أغمض آدم عينيه.
بدأ يحكي.
في السابع عشر من أكتوبر سنة 1987، كان عمره اثنين وعشرين عامًا. كانت مريم أكبر منه بثلاث سنوات، وكانت نور ابنتها الصغيرة.
لم يكن آدم يؤمن بالمنارة، حتى اختفت مريم في إحدى الليالي، تاركة خلفها رسالة قصيرة:
«إذا سمعتَ الساعة تدق ثلاث عشرة مرة، فلا تأتِ خلفي.»
لكنه ذهب.
وجدها أمام المنارة، تحمل نورًا بين ذراعيها، بينما كان والد ليلى يحاول إقناعها بالعودة.
كانت مريم تصر على الدخول.
قالت لهما إن هناك شخصًا خلف الباب، وإنها سمعت صوته يناديها بصوت أمها الراحلة.
لم يكن أحد يعرف أن المنارة تستطيع استخدام أصوات الموتى لإغراء الأحياء.
دخلت مريم أولًا.
تبعها آدم.
أما والد ليلى فبقي في الخارج يحاول إغلاق الباب.
لكن قبل أن ينغلق، ظهرت طفلة في الممر الأزرق.
طفلة تشبه ليلى.
لم تكن نور.
كانت ليلى نفسها.
رفع آدم رأسه نحوها.
— كانت في السادسة من عمرها، لكنها قالت لي شيئًا لم أستطع نسيانه.
— ماذا قالت؟
— قالت: «أنت تأخرت كثيرًا يا آدم.»
شعرت ليلى بقشعريرة.
— كيف عرفت اسمي؟
— لم أعرف. هي التي أخبرتني به.
— وماذا حدث بعدها؟
— ركضت نحو الغرفة الثالثة عشرة. حاولتُ اللحاق بها، لكن مريم أمسكت بي. قالت إن الباب لا يسمح إلا لشخص واحد بالدخول.
توقف آدم قليلًا.
— ثم سمعت صوتكِ تصرخين.
— ماذا كنت أقول؟
نظر إليها بعينين حزينتين.
— كنتِ تنادينني وتطلبين مني ألا أترككِ وحدكِ.
ابتلعت ليلى ريقها.
— وهل تركتني؟
أطرق آدم رأسه.
— نعم.
نهضت ليلى وابتعدت عنه.
لم تستطع احتمال فكرة أن طفلة في السادسة كانت تطلب المساعدة، وأن الرجل الذي يقف أمامها تركها خلف باب مجهول.
قالت بغضب:
— كنتَ هناك! كنتَ تستطيع إنقاذي!
— حاولت.
— لكنك لم تفعل!
— لأن مريم كانت تحتضر بين ذراعيّ.
توقفت ليلى.
رفع آدم عينيه إليها.
— كان الباب ينهار. وكانت نور تصرخ في الجهة الأخرى. لم أكن أعرف من أُنقذ أولًا.
— وماذا اخترت؟
لم يجب.
كانت إجابته واضحة.
جلست ليلى ببطء.
— اخترت مريم.
هز رأسه.
— حاولت إنقاذ مريم. لكنني لم أستطع.
— ونور؟
أغمض عينيه.
— اختفت.
— وأنا؟
اقترب منها.
— خرجتِ أنتِ.
نظرت إليه بذهول.
— كيف؟
— لا أعرف. عندما أغلق والدكِ الباب، وجدناكِ في الخارج، وحيدة، تحملين المفتاح.
— وماذا عن مريم؟
— لم تخرج.
— إذن من المرأة التي قابلناها في المقبرة؟
أجاب آدم بصوت خافت:
— مريم التي عادت ليست مريم التي دخلت.
في تلك اللحظة، تحركت القلادة الزرقاء بين أصابع آدم.
أضاءت فجأة، ثم انطلقت منها خيوط ضوئية رقيقة امتدت نحو ليلى.
تراجعت، لكنها لم تستطع الابتعاد.
ظهر أمام عينيها مشهد لم يكن من الماضي الذي تعرفه.
كانت تقف في ممر أزرق طويل.
قدماها حافيتان، وثوبها الأبيض ملطخ بالغبار.
على الجانب الآخر من الممر، كانت طفلة صغيرة تبكي.
نور.
اقتربت ليلى منها.
— لا تبكي. سأخرجكِ من هنا.
رفعت نور وجهها.
— هل ستعودين إلى آدم؟
أومأت ليلى.
— نعم.
— هل ستأخذينني معكِ؟
مدت ليلى يدها.
لكن قبل أن تلمس الطفلة، ظهر ظل أسود عند نهاية الممر.
قال بصوت يشبه صوت أبيها:
— لا يمكنكِ إنقاذ الجميع.
التفتت ليلى.
— ابتعد عنها!
ضحك الظل.
— اختاري يا ليلى. إما أن تخرجي من هنا، أو تبقي معها إلى الأبد.
نظرت ليلى إلى نور.
كانت الطفلة تمد يديها إليها، وتبكي.
ثم حدث شيء لم تتوقعه.
سمعت صوت آدم من خلف الباب:
— ليلى! افتحي الباب!
نظرت إلى نور مرة أخرى.
كانت تعرف أن الباب لن يبقى مفتوحًا طويلًا.
وكان عليها أن تختار.
أمسكت نور بيدها بقوة.
— لا تتركيني.
لكن صوت آدم ارتفع:
— ليلى! أرجوكِ!
وفي لحظة خوف، أفلتت ليلى يد الطفلة.
ركضت نحو الباب.
وقبل أن تغادر، التفتت فرأت نور واقفة في الممر، لا تبكي هذه المرة.
كانت تبتسم بحزن.
وقالت:
— سأنتظركِ يا أمي.
شهقت ليلى وعادت إلى الغرفة.
كان آدم يمسك كتفيها، بينما الدموع تغطي وجهها.
— ماذا رأيتِ؟
لم تستطع الكلام.
ثم همست:
— لقد تركتها.
خفض آدم رأسه.
— نعم.
— كانت تناديني أمي.
لم يجب.
وضعت ليلى يديها على وجهها.
— كيف يمكن أن تكون طفلة في السادسة أمًّا لطفلة أخرى؟
اقترب آدم وجلس إلى جانبها.
— في المنارة، لا يُقاس العمر بالسنوات. بعض الذكريات تعيش قبل أصحابها، وبعض الأرواح تلتقي قبل أن تولد.
رفعت عينيها إليه.
— هل كنت تعرف أنني سأراها؟
— كنت أخشى ذلك.
— ولماذا لم تخبرني؟
— لأنكِ كنتِ ستبحثين عنها قبل أن تكوني مستعدة.
سكت لحظة، ثم قال:
— ولأنني كنت أخشى أن تتذكري ما فعلتِه بي أيضًا.
نظرت إليه.
— ماذا فعلتُ بك؟
ابتعد آدم قليلًا.
— عندما خرجتِ من المنارة، طلبتِ مني أن أنساكِ.
لم تصدق ليلى ما سمعته.
— طلبتُ منك ذلك؟
— قلتِ لي إنكِ لا تريدين أن أتذكركِ، وإنني إذا حاولت العودة إليكِ فسأفقد كل شيء.
— لماذا؟
نظر آدم إلى القلادة الزرقاء.
— لأنكِ رأيتِ شيئًا في الغرفة الثالثة عشرة. شيئًا جعلكِ تخافين من المستقبل.
— ماذا رأيت؟
— لم تخبريني.
— وأنت وافقت؟
ابتسم بمرارة.
— لم أكن أملك خيارًا. كانت المنارة تأخذ مني ذكرى في كل مرة أحاول فيها الاقتراب منكِ. وفي النهاية، نسيتُ حتى سبب بحثي عنكِ.
مد يده إليها، لكنه توقف قبل أن يلمسها.
— لكنني كنت أعود دائمًا.
قالت ليلى بصوت خافت:
— لماذا؟
أجاب:
— لأن قلبي كان يعرف الطريق، حتى عندما لم أعد أعرف اسمكِ.
فجأة، انفتح دفتر أبيها فوق المكتب.
انقلبت صفحاته بسرعة، حتى توقفت عند صفحة لم تكن موجودة من قبل.
ظهرت عليها كلمات زرقاء:
«حين يتذكر القلب، تستيقظ الغرفة.»
ثم ظهر رسم لباب يحمل ثلاثة عشر قفلًا.
وتحت الرسم جملة:
«لا يستطيع الحارس فتح الباب إلا إذا تذكّر الوعد، ولا تستطيع الوريثة إغلاقه إلا إذا تخلّت عن الذكرى التي جعلتها تعود.»
قرأت ليلى العبارة مرتين.
— ما الذكرى التي جعلتني أعود؟
قال آدم:
— لا أعرف.
لكن عينيه كانتا تقولان إنه يعرف شيئًا يخفيه.
اقتربت ليلى منه.
— آدم، هل هناك شيء لم تخبرني به؟
صمت.
— أجبني.
قال أخيرًا:
— نعم.
— ما هو؟
نظر إليها طويلًا.
— في الليلة التي خرجتِ فيها من المنارة، لم تكوني وحدكِ.
— من كان معي؟
أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية بعناية.
كانت قديمة، وحوافها محترقة.
فتحها ووضعها أمامها.
كان مكتوبًا فيها بخط ليلى، لكن الكتابة بدت كأنها كُتبت بيد طفلة:
«إذا نسيتني يا آدم، فلا تبحث عني.
وإذا تذكرتني، فلا تحبني.
لأنني في المرة القادمة سأكون أنا من يفتح الباب.»
لم تتحرك ليلى.
كانت الكلمات واضحة، لكنها لم تستطع فهم معناها.
— من أين حصلت على هذه الورقة؟
— وجدتها في جيبي بعد اختفائكِ.
— ولماذا احتفظت بها؟
— لأنها الشيء الوحيد الذي لم تستطع المنارة أخذه مني.
أخذت الورقة ووضعتها قرب قلبها.
ثم قالت:
— هل تعتقد أنني سأفتح الباب الثالث عشر؟
أجاب آدم:
— أعتقد أنكِ فتحته بالفعل.
قبل أن تسأله عن قصده، سمعا صوت خطوات في الممر.
كانت الأم.
دخلت الغرفة، وفي يدها صندوق صغير مغطى بقماش أزرق.
ما إن رأت آدم حتى توقفت.
— أنت عدت.
أومأ.
— لم يكن لديّ خيار.
وضعت الصندوق على المكتب.
— إذن يجب أن تعرفا ما وجدته الليلة الماضية.
فتحت الصندوق.
كان داخله دفتر يوميات صغير، وميدالية فضية تحمل اسمًا واحدًا:
نور.
التقطت ليلى الميدالية.
وفي اللحظة التي لمستها فيها، سمعت صوت الطفلة مجددًا:
— أمي… لقد كبرتِ.
رفعت رأسها مذعورة.
لكن هذه المرة، لم يكن الصوت داخل المرآة.
كان صادرًا من الصندوق.
أخرجت الأم دفتر اليوميات وفتحته على الصفحة الأولى.
كانت الكتابة بخط امرأة مجهولة:
«أنا نور.
لا أعرف كم مرّ من الوقت منذ تركتني أمي خلف الباب.
لكنني أعرف أن ليلى ستعود.
هي لا تتذكر أنها وعدتني بذلك، لكنها ستعود.
وعندما تعود، سيكون عليها أن تختار: أن تعيدني إلى الحياة، أو أن تترك آدم يعيش.»
شهقت ليلى.
— لماذا يرتبط مصير آدم بنور؟
قلبت الأم الصفحة.
وكانت هناك جملة واحدة، مكتوبة بحبر أحمر:
«لأن آدم هو والد نور الحقيقي.»
لم ينطق أحد بكلمة.
نظرَت ليلى إلى آدم.
كان واقفًا في مكانه، ووجهه شاحب تمامًا.
— هل هذا صحيح؟
لم يجب.
— آدم، هل نور ابنتك؟
أغمض عينيه.
— نعم.
شعرت ليلى بأن الأرض تميد تحت قدميها.
— ومريم؟
قال بصوت مكسور:
— كانت أمها.
— إذن لماذا أخفيتَ ذلك عني؟
فتح عينيه، ونظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأخيرة.
— لأنني لم أتذكر ذلك إلا الآن.
ثم مد يده نحو الميدالية.
لكن قبل أن يلمسها، ظهر على سطحها انعكاس صغير لوجه نور.
كانت الطفلة تبتسم.
وقالت:
— أبي… هل ستأتي هذه المرة؟
وفي اللحظة نفسها، دق جرس المنارة.
الدقة الثامنة.
ثم ظهر ضوء أزرق تحت باب الغرفة.
كان الضوء يتسع شيئًا فشيئًا، حتى رسم على الأرض شكل باب كامل.
وفي وسطه، ظهر الرقم ثلاثة عشر.
اقترب آدم من ليلى وهمس:
— لقد اختارتكِ المنارة.
أمسكت ليلى بيده.
— لن أذهب وحدي.
نظر إليها، ثم إلى الباب المضيء.
— أخشى أنني لن أستطيع العودة معكِ.
— لماذا؟
أجابها بصوت هادئ:
— لأن الشخص الذي ينتظر خلف الباب ليس نور وحدها.
ثم ظهرت على الأرض كلمات جديدة:
«مرحبًا بعودتكِ، يا ليلى. لقد انتظرناكِ منذ سبعٍ وثلاثين سنة.»
رفعت ليلى رأسها نحو أمها.
لكن أمها لم تكن تنظر إلى الكلمات.
كانت تحدق في آدم، وتهمس:
— يا إلهي… لقد عاد يتذكر.
وفجأة، قال آدم اسمًا لم يسمعه أحد منذ زمن طويل:
— إيلارا.
ثم سقط على الأرض فاقدًا للوعي.
يتبع في الفصل الحادي عشر: «الاسم الذي أخفته المنارة» — سيكشف ظهور اسم إيلارا سرّ المرأة التي تشبه ليلى، وسيتضح أن آدم لم يكن الحارس الوحيد للمنارة. أما ليلى، فستجد نفسها أمام باب لا يفتح إلا باسم شخص لم يولد بعد.
حين يتذكّر القلب
ظل القمر على شاطئ السد · بقلم @ma waraa.alhibr