أنزلتُ يديّ المتيبستين، ورفعتُ رأسي نحو السماء المعتمة؛ لم تكن تسقط منها سوى ندف الثلج الثقيلة، باردةً ومغلفةً بصمتٍ يشبك الأنفاس.
في تلك اللحظة، ظهر من عتمة الشارع ظلٌّ يترنح. لم يكن "أليكسي"، بل كانت امرأة تتلفح بشالٍ أسود بالٍ، تسير بخطىً وئيدة وكأنها تجرّ خلفها سلاسل من حديد. حين اقتربت، أضاء نور الفانوس الوحيد وجهها؛ كان وجهًا غائر الخدين، لكن عينين واسعتين كانتا تشتعلان بنورٍ يثير الرهبة... نور امرأةٍ مرت بجميع طبقات جهنم وعادت لتخبرنا أن الأمر لا يستحق كل هذا الخوف.
توقفت أمامي، ونظرت إلى قطعتي النحاس اللتين طبعتا أثرهما الأحمر على راحتي المُجمّدة. لم تطلب مني شيئًا، بل قالت بصوتٍ هادئ كهدوء الجليد:
"أنت تبحث عن إجابة في المكان الذي لا توجد فيه سوى الأسئلة يا بني. الطين لا يبتلع الشرف... الطين يبتلع الأجساد فقط، أما الشرف فهو ما نختاره نحن حين نكون في القاع."
ثم امتدت يدها النحيلة، وأخذت من يدي الندفة المتجمدة التي لم تذب بعد، ووضعتها على شفتيها لتطفئ بها عطشًا باطنيًا لا يطفئه الماء.
استدارت وغابت في الضباب الأبيض، متلاشيةً كما يتلاشى الحلم فور الاستيقاظ. لم أركض خلفها، ولم أسألها من تكون. كان كلامها يسري في جسدي كتيارٍ دافئ أذاب الجليد المخزون في أعماقي. أدركتُ حينها أن الجدران الأربعة لم تكن سجنًا، وأن الغرفة الضيقة لم تكن سوى انعكاسٍ لضييق روحي التي رفضت أن تغفر لنفسها.
استدرتُ وعدتُ بخطىً ثابتة نحو الشقة المجاورة. لم يتغير العالم، ولا تزال "نيفسكي" تحتضن أشباحها المعذبة، لكن شيئًا ما في داخلي قد انكسر ليسمح للنور بالدخول. لم أعد أخشى الطين، لأنني عرفت أخيرًا أن الروح الناصعة لا تلوثها الأرض، بل يلوثها الشك في قدرتها على الطيران.