NOVELFLEX

الفصل الثاني

الرجل بدون عنوان · بقلم Rahimo😝hanifi

​لم يبتسم "أليكسي" وهو يأخذ القطعتين النحاسيتين؛ بل حدّجني بنظرةٍ تشبه نظرة غريقٍ يرى غريقًا آخر يقدّم له ثقلًا من حديد ليغرقا معًا. دسّ المال في جيبه الممزق ودون أن ينبس ببنت شفة، استدار ومشى باتجاه نهر "نيفا" المتجمد، متسللًا بين الظلال كأنه لم يكن سوى خيالٍ ابتكره عقلي ليعمّق مأساتي.

​تابعتُ السير بلا هدى، والثلج يتساقط على وجهي فيخزني كالإبر. كانت خطاي على الصقيع تحدث صوتًا أشبه بتحششرة أنفاس أخيرة. تساءلتُ: كيف للناس أن يناموا في هذه اللحظة بالذات؟ كيف يغمضون أعينهم وهم يعلمون أن الموت يتربص خلف الشبابيك، وأن السعادة التي يطاردونها في النهار ليست سوى وهمٍ مصنّع ليحميهم من الجنون؟

​استوقفتني واجهة مكتبة قديمة، تدلّت منها إضاءة خافته صفراء. رأيتُ انعكاس وجهي على الزجاج المعتم، فلم أعرفني. كانت عيناي غائرتين، تلمعان ببريق غريب ومخيف؛ بريق مَن أدرك الحقيقة التي لا يُفترض بشرٍ أن يعلمها: أن الجحيم ليس مكانًا نذهب إليه بعد الموت، بل هو تلك المساحة الضيقة التي نفكر فيها بوعيٍ زائد وسط عالمٍ غارق في الغيبوبة.

​سمعتُ خطى ثقيلة تقترب. كان رجل شرطة يرتدي معطفًا فرويًا ضخمًا، يحمل على كتفه جوهر السلطة والاطمئنان الرديء. نظر إليّ بشك، وسألني بصوت جاف:

"ما الذي يفعله رجلٌ محترم مثلك في الشارع في هذه الساعة؟ ألا تملك بيتاً تؤوي إليه؟"

​ضحكتُ في سرّي، ضحكة سوداء مكتومة لم تصل إلى شفتيّ. أردتُ أن أقول له: "أيها الرجل الصالح، البيت لا يحمي من البرد إذا كان الجليد ينبع من الداخل. أنا أهرب من جدران غرفتي لأنها تذكرني ببشاعتي، بينما أنت تأوي إلى بيتك لتنام وتنسى أنك مجرد أداة في يد نظامٍ لا يكترث لروحك."

​لكنني اكتفيتُ بتهذيبٍ زائف أتقنته عبر السنين: "أنا ذاهبٌ إلى بيتي يا سيدي، فقدتُ طريقي فقط."

​مرّ من جانبي ودون أن يهتم، متفقدًا قيده وسلاحه، بينما واصلتُ أنا طريقي نحو المجهول. لم أكن أبحث عن طريق العودة إلى الغرفة، بل كنتُ أبحث عن لحظةٍ واحدة ينطفئ فيها هذا العقل اللعين، أنام فيها دون أن تراودني الشكوك، أو أستيقظ دون أن أشعر أنني مدينٌ للكون بثمن وجودي.

​وصلتُ إلى نهاية الجسر، حيث يمتد الشارع طويلًا ومظلمًا كهاوية. توقفتُ وأخرجتُ يديّ من جيبي، كانتا متيبستين من البرد، لكن في عمق صدري كانت هناك نارٌ تأكل كل شيء... نار تسأل دون أن تتلقى إجابة: هل سنظل ندفع ثمن كوننا بشرًا إلى الأبد، أم أن الطين سينتصر في النهاية ويبتلع كل ما تبقى فينا من شرف؟