NOVELFLEX

الفصل الرابع

الرجل بدون عنوان · بقلم Rahimo😝hanifi

​وصلتُ إلى باب البناية. كانت درجات السلم الحجرية تفوح برطوبةٍ قديمة وبقيا شمعٍ محترق، وكل خطوة أصعدها كانت تُحدث صدىً يشبه قرع الجرس في كنيسة مهجورة.

​حين بلغتُ طابقي، وجدتُ باب الشقة المجاورة مواربًا. كان جاري - الذي نعتُّه بالغباء والبلاهة قبل ساعات - يجلس على كرسي خشب يائس، ويمسك بين يديه القسيمة الأخيرة لدفع الإيجار، وجهه شاحبٌ كالموت، ويداه ترتجفان في صمتٍ مروع. لم يكن يعلم أنني أرقبه؛ كان يبكي دون صوت، بكاء الرجال الذين انكسر في صدورهم آخر أملٍ في النجاة.

​في تلك اللحظة، سقطت عن عيني آخر أوهام التعالي. أدركتُ أنني لم أكن أفضل منه في شيء؛ هو يصارع الجوع والعوز، وأنا أصارع رفاهية الفلسفة والشك. كان شقاؤه ملموسًا، بينما كان شقائي مجرد صنمٍ صنعته بيديَّ لأعبد فيه مأساتي الخاصة.

​دون أن أفكر، أدخلتُ يدي في معطفي... لم أكن أملك مالًا، لكنني أخرجتُ السبيكة الفضية الصغيرة - الأثر الوحيد المتبقي لي من أمي، والذي كنتُ أحتفظ به كتعويضة شرفٍ أخير. مشيتُ بخطى خفيفة، ووضعتها على الطاولة الصغيرة بجوار بابه المفتوح، ثم انسحبتُ إلى غرفتي قبل أن يراني.

​أغلقتُ الباب خلفي. لم تتغير الجدران الأربعة، ولم يختفِ البرد، لكن الخوف المخزون في صدري لم يعد موجودًا. جلستُ على طرف السرير، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم أشعر بالثقل على صدري. لقد غسلتُ الطين عن قدميّ، لا بالهروب منه، بل بمدّ يدٍ إلى غريقٍ آخر في هذا العالم المظلم.

​أغمضتُ عينيّ، ولأول مرة، نمتُ... نمتُ كما ينام الأطفال بعد صلاةٍ طويلة.