يمر البرد في داخلي ببطء لا يشبه الوصول ولا الرحيل... كأنه يعرف أن الأشياء التي تعبر دون سبب هي وحدها التي تبقى... ويترك خلفه ملمساً قديماً يشبه أول مرة فهمت فيها الخسارة دون أن تعرف اسمها
الهواء هنا لا يحيط بالجسد بل يتسلل إلى ما خلفه... إلى تلك المنطقة التي لم تتعلم الكلام بعد... فيوقظ فيها معرفة غامضة تقول أنك عشت هذا من قبل ولكن في زمن لم يكن للذاكرة شكل لتنساه
الشتاء لا يبدو شتاء حين يقترب منك هكذا... بل يبدو كصديق قديم يجلس قربك بصمت طويل ويجعلك تتذكر كيف كان الصمت يوماً لغةً كاملةً لا تحتاج إلى ترجمة
هذا البرد لا يلسع ولا يؤلم... هو فقط يفتح الأبواب التي ظننت أنك أغلقتها للزمن ويجعلك تمر بينها ببطء حتى لا تنتبه إلى أنك عدت الشخص نفسه الذي خرج أول مرة
الوقت هنا لا يتحرك إلى الأمام بل يلتف حول نفسه... ثم ينساب داخلك كالماء الثقيل ويتركك تفهم أن بعض الأشياء لا تنتهي... بل تتوزع علينا على مراحل
الدفء الذي تشعر به ليس دفئاً حقيقياً... هو مجرد قدرتك على البقاء واقفاً وسط هذا الانخفاض المفاجئ في العالم... وهو نوع نادر من النجاة لا يحتفل به أحد
الصمت في هذا البرد ليس غياب الأصوات بل امتلاء خفي... يجعل كل كلمة ممكنة عبئاً... ولذلك تفضل الروح أن تصمت وتفهم وحدها
هناك شيء قديم جداً يتحرك كلما طال هذا الإحساس... شيء لم يكبر معك ولم يشف ولم يختف... فقط كان ينتظر لحظة برودة كافية ليعود دون أن يطلب الإذن
حين يبتعد البرد لا يترك فراغاً بل يترك ترتيباً جديداً للأشياء... يجعلها أكثر صدقاً وأقل حاجة إلى التفسير... وكأنك خرجت من حلم لم تحاول يوماً فهمه
وهذا الكلام لا ينتهي هنا كما لا ينتهي النهر عند ضفته... هو فقط يبطئ سرعته داخلك ويتركك تحمل أثراً خفيفاً يشبه المعرفة التي لا يمكن قولها