ما هو ذنبنا... حين يصادف ربيع عمرنا خريف العالم؟
حين تتفتح في صدورنا ازهار الدهشة، وتغلق المدن ابوابها في وجه الضوء... كأن النور تهمة لا تغتفر
ما هو ذنبنا اذا حملنا في اعيننا حقولا خضراء.. بينما الريح تعبر الشوارع حاملة اوراقا صفراء من اعمار لم تكتمل؟
ما هو ذنبنا... ان كنا نؤمن بالندى، والعالم لا يعترف الا بالغبار.. نمد ايدينا للسماء في زمن يتقن الانحناء للظلال؟
ما هو ذنبنا... حين نضحك من عمق القلب، فيرتبك الحزن من حولنا كجيش لم يتوقع هذا القدر من الحياة؟
ما هو ذنبنا... اذا كنا نزرع حلما في كل خطوة، وتاتي الايام بمناجلها لتقص القمح قبل ان يشبع من الشمس؟
ما هو ذنبنا... ان كان في صدورنا بحر ازرق صاف، بينما الموانئ حولنا تعشق الغرق وتخاف الابحار؟
ما هو ذنبنا... حين نحب بلا حساب، في عالم يحصي الانفاس قبل ان يسمح لها بالخروج؟
ما هو ذنبنا... اذا كان ربيعنا صادقا، وخريفهم قانونا.. ونحن عالقون بين وعد يتفتح وواقع يتساقط كاوراق لا تجد غصنا يؤويها؟
ما هو ذنبنا... حين يصادف ربيع عمرنا خريف العالم؟
حين نولد وفي قبضتنا شرارة.. فيطالبوننا ان نطفئها كي لا نقلق ظلامهم المطمئن
ما هو ذنبنا... اذا كنا نرى الشق في الجدار.. ونشير اليه باصابع صادقة فيغضبون لاننا لم نتعلم فن التغاضي؟
ما هو ذنبنا... حين نركض نحو الافق كخيول انفلتت من قيد، بينما يصفق الجمع لسلاسلهم ويظنونها زينة المعصم؟
ما هو ذنبنا... ان كان في حناجرنا نشيد، وفي اذانهم ضجيج، فنصبح نحن الخطأ لمجرد اننا لا نهمس كالخائفين؟
ما هو ذنبنا... اذا اخترنا الحقيقة عارية كما هي، بلا عطر ولا ستار، فارتبك الذين اعتادوا تجميل القبح حتى صار وجها رسميا؟
ما هو ذنبنا... حين نغزل من الالم ضفائر قوة، نلفها حول جباهنا تيجانا، ونمشي في الريح غير عابئين بسهام السخرية؟
ما هو ذنبنا... اذا قلنا لا في زمن يقدس الانحناء، ورفعنا رؤوسنا في ساحة تعشق الركوع، فاهتزت عروش من ورق لم يختبر المطر؟
ما هو ذنبنا... حين نرفض ان نكون ظلا، ونصر ان نكون شمسا، حتى لو احترقت اطرافنا من شدة الاشتعال؟
ما هو ذنبنا... ان كان ربيعنا لا يعرف المساومة، وان كانت جذورنا تضرب عميقا في ارض يحكمها السطح، فنبدو غرباء فقط لاننا لم نتقن السقوط؟
ما هو ذنبنا... اذا كنا مرآة صافية، تعكس التجاعيد التي يخفيها العالم خلف ابتسامة مصقولة، فيكرهنا لصدق الانعكاس لا لقبح الملامح؟
ما هو ذنبنا... حين نختار ان نكون نحن، بلا نسخة مكررة، بلا توقيع مستعار، بلا خوف من ضجيج الحقيقة وهي تصفع وجوه لم تجرؤ يوما على النظر مباشرة الى النور؟
ما هو ذنبنا... اذا كانت قلوبنا طبولا للحياة، تدق بايقاع صاخب، بينما اعتادوا هم السير على همس الخطى كي لا يوقظوا السؤال؟
ما هو ذنبنا... حين نحمل في صدورنا برقا، لا يلمع للزينة بل ليشق السماء نصفين، فيرتعب من تعود على سقف منخفض لا يحتمل اتساع الرؤية؟
ما هو ذنبنا... اذا قلنا ان الخوف قفص، وان الطاعة العمياء صدأ، وان الكرامة لا تستعير صوتها من احد، فارتجفت الاصابع التي اعتادت الاشارة من خلف الستار؟
ما هو ذنبنا... حين نحلم علنا، لا سرا، ونكتب اسمائنا على جدران الغد بخط واضح، لا بقلم قابل للمحو عند اول ريح؟
ما هو ذنبنا... اذا كانت خطواتنا زلازل صغيرة، تذكر الارض انها حية، بينما يريدونها بساطا ثابتا تحت اقدام الوهم؟
ما هو ذنبنا... حين نختار المواجهة لا المداراة، ونفكك الاكاذيب خيطا خيطا، كما تفك امرأة ضفيرة معقدة لتعيد ترتيبها بيد لا ترتجف؟
ما هو ذنبنا... اذا كنا لا نؤمن بالقدر المكتوب بالحبر الباهت، ونصر على ان نكتبه بدم العزم، سطرا سطرا، حتى لو نزف الحرف حرارة الحقيقة؟
ما هو ذنبنا... حين نصادق الريح، ونتعلم منها كيف نعبر الجبال بلا اذن، وكيف نصفر في الوديان بلا خوف من صدى يعود اقوى؟
ما هو ذنبنا... اذا كان ربيعنا لا ينتظر موافقة الخريف، ولا يستأذن العتمة كي يزهر، بل يشق طريقه كما يشق الضوء صدر الليل دون اعتذار؟
ما هو ذنبنا... اننا ببساطة لم نقبل ان نعيش اعمارا مستعارة، ولم نرض ان يكون العالم اكبر من احلامنا، فكبرنا نحن حتى ضاقت بنا حدودهم، واتسعت لنا السماء كلها بلا استثناء؟
اي جرم اقترفناه... حين اخترنا العلو، لا هربا بل استحقاقا، فاتهمونا بالغرور لاننا لم نخفض اجنحتنا على مقاس خوفهم؟
اي خطيئة ارتكبنا... عندما صدحنا باسماء الاشياء كما هي، لا كما يراد لها ان تبدو، فانكشف الطلاء عن جدران كانت تتباهى بصلابتها؟
اي تهمة علقت بنا... لاننا لم نبع ضمائرنا في سوق التصفيق، ولم نستبدل ملامحنا بقناع يناسب حفلات الزيف؟
اي وزر حملناه... اذا كنا نرى النور حقا مشاعا، لا ملكية خاصة لعرش او شعار، فارتبك من اعتاد احتكار الشمس خلف ستارة؟
اي جرم هذا... ان نحمل في عروقنا عنادا نقيا، لا يعاند الناس بل يعاند السقوط، ويقيم في الداخل حصنا لا تدخله الهزيمة؟
اي ذنب... اننا لا نعتذر عن احلامنا، ولا نصغرها لتناسب اسقفهم الواطئة، ولا نقص اجنحتها كي تمر من ابوابهم الضيقة؟
اي خطأ... اننا حين نعشق، نعشق بقامة كاملة، وحين نغضب، نغضب لكرامة لا تباع، وحين نصمت، نصمت كجبل يتامل ولا ينكسر؟
اي جناية... اننا لا نكتب بالرصاص القابل للمحو، بل نحفر حضورنا في صخر الزمن، حتى لو احتاج الامر عمرا كاملا من الطرق المتواصل؟
اي ذنب لنا... اذا كنا لا نخاف ان نكون مختلفين، وان نقف وحدنا في ساحة مزدحمة بالنسخ، رافعين راية الذات بلا ارتجاف؟
ان كان هذا كله خطيئة، فنحن اول العاصين للجفاء..
واخر المتمردين على الرداءه، واصدق الذين مروا في زمن يتقن الانحناء
لكنهم اختاروا ان يمشوا مستقيمين ولو كلفهم ذلك ان يكونوا وحدهم تحت سماء واسعة لا تجامل احدا.
وان كنا وحدنا... فالوحدة ليست نقصا حين تكون ممتلئة بالمعنى، بل عرشا لا يجلس عليه الا من احتمل ثقله
وان ضاقت الطرق... فنحن لا نبحث عن ممرات جاهزة، نصنع دروبا باقدامنا، ونترك خلفنا اثرا لا تمحوه اول عاصفة
وان ارتفعت الاصوات ضدنا... فنحن لا نغرق في الضجيج، نحوله سلما نصعد به اعلى، درجة فوق درجة، حتى يصير الصراخ خلفنا همسا بعيد
وان لوحوا لنا بالخسارة... نبتسم، فبعض الهزائم شرف، وبعض الانتصارات عار، ونحن لا نبدل القيم مقابل تصفيق عابر
وان قالوا ان الطريق طويل... قلنا ان الاعمار لا تقاس بالمسافة بل بما يشع في نهايتها، ونحن نمشي نحو ضوء صنعناه بانفسنا
وان حاولوا كسر ارادتنا... وجدوا في الداخل صخرا لا يتفتت، جذورا تضرب عميقا، روحا تعلمت من العواصف كيف تثبت اكثر
لسنا ملائكة ولا قديسين، لكننا بشر نرفض الصدأ،
نرفض ان نعيش نسخا باهتة،
نرفض ان نطفئ النار كي يطمئن البرد
فان كان العالم خريفا دائما
فنحن الربيع الذي لا ينتظر اذنا
الاخضرار الذي يفاجئ الاسمنت
النبض الذي يعلن في وجه الصمت:
~لسنا خطأ هذا الزمن ~بل احتماله الاكثر صدقا
~واحتماله الاكثر خطرا.